قراءات نقدية
وفاء محمد يونس: جماليَّةُ الأسلوبِ في قصيدة "أسير الشّعر" للدكتور وليد العرفي
تنهض قصيدة: (أسير الشعر) للشاعر د. وليد العرفي (الفائزة بجائزة القوافي الذهبية باختيار حاكم الشارقة سمو الأمير: د. سلطان بن محمد القاسمي)، على تجربة وجدانية عميقة تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع اللغة، والذاكرة، والجرح الإنساني، لتصوغ نصاً يراوح بين التأمل الفلسفي والبوح الشعري، ويستند إلى نبرة ذاتية عالية تفيض بالأسى والحنين والوعي بوطأة التجربة. ومن خلال قراءة نقدية تتكئ على تحليل البنية الدلالية والصورية والإيقاعية، يمكن الوقوف عند أبرز السمات الفنية التي شكّلت ملامح النص، وجعلته أقرب إلى سيرة شعرية تتحدث بلسان شاعر يرى في الشعر قدراً لا مهرب منه.
تبدأ القصيدة بسؤال استنكاري مشحون بالدهشة:
"هل تسأل الريح عمّا موج البحرا؟
وتسأل النار عمّا أوقد الجمرا؟"
وهذا الاستهلال يشي منذ اللحظة الأولى بطبيعة النص القائم على المفارقة البلاغية، إذ يُحيل الشاعر إلى أشياء لا تُسأل عن أفعالها، لأنها جزء من طبيعتها. فالريح لا تُسأل عن هيجان البحر، والنار لا تُسأل عن اشتعال الجمر. وبهذا التقديم الرمزي، يُمهّد الشاعر للحديث عن الشعر بوصفه قوة فطرية داخله، لا يستطيع الانفصال عنها، كما لا تستطيع الريح أن تتوقف عن الحركة. إن هذا المدخل البلاغي يفتح الباب أمام رؤية فلسفية مفادها أن الشعر ليس اختياراً، بل هي قدر محتوم.
تتجلى الذات الشاعرة في البيت التالي بوصفها معذّبة بإيقاعها الداخلي
"يا حادي الشعر في إيقاع قافيتي
تبكي التفاعيل في ميزانها عسرا"
وهنا تظهر معاناة الخلق الشعري، إذ تتحول القافية إلى كائن حيّ، وتصبح التفاعيل كأنها تبكي، في إشارة إلى صعوبة الإمساك بالإيقاع وترويض اللغة. إن الشاعر لا يقدم صورة رومانسية سهلة عن الكتابة، بل يكشف عن توترها الداخلي، وعن الألم الملازم لعملية التشكيل الفني. وهذه النظرة تجعل من الشعر معركة يومية بين الشاعر واللغة، لا مجرد لحظة إلهام عابرة. وفي قوله:
"كأنني لم أكن رسّام لوحتها
ولم ألوّن حروفي من رؤى حبراً"
يبرز الإحساس بالاغتراب عن الذات، إذ يشعر الشاعر، وكأنه لم يشارك في صنع تجربته، الشاعر كأن الحروف تُكتب من تلقاء نفسها. وهذه الصورة تُعمّق فكرة (الأسر) حيث يبدو فيبدو الشاعر أسيراً لما يكتب، لا مالكاً له.
إن العلاقة بين الشاعر ونصه هنا علاقة مزدوجة؛ فهو صانع اللوحة، لكنه في الوقت ذاته يشعر بأنه مجرد أداة في يد قوة أكبر.
تتكرر في النص صور الانكسار والسقوط والتعب، كما في قوله:
"فكم هززتُ بجذع الحزن نخْلتها
فاسَّاقط الحرف من أغصانها شعرا"
فالحزن هنا يتحول إلى نخلة، والحروف إلى ثمر يتساقط. وهذه الصورة المركبة تنتمي إلى الحقل الرمزي الذي يجعل من الألم مصدر إنتاج شعري. فالشاعر لا يكتب إلا عندما يهزّ جذع الحزن، ولا يسقط الحرف إلا عندما يشتد الألم. إن هذه الاستعارة تكشف عن رؤية ترى في المعاناة الشرط الأساس للكتابة، وتربط بين الألم والإبداع برباط عضوي.
النص في رسم مسار ذاتي طويل مليء بالتعب والتجربة:يتابع
"وكم صعدتُ على درجاتها ولداً
وكم هبطتُ وليداً في الهوى عشرا"
إن هذا التناوب بين الصعود والهبوط يعكس حركة الحياة ذاتها، حيث لا استقرار ولا ثبات. فالشاعر يصعد طفلاً ويهبط وليداً، في صورة توحي بتجدّد التجربة رغم قسوتها. وكأن الشاعر يولد في كل مرة من جديد، لكنه يحمل معه إرثاً من الخيبات.
ومن أبرز ملامح القصيدة حضور المكان بوصفه ذاكرة وجرحاً في آن، كما في قوله:
لتنتشي كلماتي في مواضعها
تختال واحدةً إذ تزدهى أخرى:
فهنا تتحول الكلمات إلى كائنات تتحرك وتتنفّس وتختال، وكأن اللغة نفسها تمتلك حياة مستقلة. وهذه الصورة تدل على عمق العلاقة بين الشاعر وكلماته، فهي ليست مجرد أدوات، بل كائنات تشاركه تجربته وتعبّر عنه.
ويصل النص إلى ذروة وجدانية حين يقول:
"وما خطوتُ على آثار من سبقوا
إلا عبور طواف ذلك المسرى"
في هذا البيت يتجلّى الإحساس بالانتماء إلى سلسلة إنسانية ممتدة، فالشاعر لا يسير وحده، بل يتبع آثار من سبقوه، لكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة. وهذا البعد التأملي يجعل من القصيدة نوعاً من الاعتراف بأن التجربة الشعرية جزء من تاريخ إنساني طويل.
ويتعمّق النص أكثر في البعد الفلسفي حين يقول:
"وما عرفتُ سوى الآلام فلسفةً
وكيف من جرّحه في الروح أن يبرأ؟"
هنا تتحول الآلام إلى فلسفة، ويصبح الجرح شرطاً للوعي. فالشاعر لا يرى في الألم مجرد حالة عابرة، بل يراه مصدراً للفهم والتأمل. وهذا الموقف يعكس رؤية وجودية ترى أن المعرفة الحقيقية لا تأتي إلا من المعاناة.
ويستمر الخطاب في رصد العلاقة بين الحلم والواقع، إذ يقول:
"أرتّق الحلم بالآمال بارقةً علّ التفرّق بين الناس لا يُدرى"
إن الحلم هنا هو الملاذ الأخير، وهو الضوء الذي يحاول الشاعر أن يتمسك به في مواجهة قسوة الحياة. وهذه النزعة التفاؤلية الخافتة تمنح النص توازناً بين الألم والأمل.
وفي القسم الأخير من القصيدة، تتصاعد نبرة الاعتراف، ويبدو الشاعر كمن يراجع مسيرته:
"فما الكلام بمجدٍ في علا نية
ولا الضمير يراضٍ سرّا"
إن هذه النظرة النقدية للغة نفسها تشير إلى وعي الشاعر بحدود القول، فالكلمات مهما بلغت قوتها لا تستطيع أن تشفي الجرح كاملاً. وهذه المفارقة تعمّق فكرة الأسر، فالشاعر محكوم بالكلام، لكنه يدرك عجزه.
وتختتم القصيدة بنبرة حميمية تقول:
"يا شعر ما زلت رغم الألم تسكنني
ومن عجيبي أني أعشق الأسرا"
وهنا تتكثف فكرة النص كلها في هذا الاعتراف النهائي. فالشاعر يدرك أنه أسير الشعر، لكنه يحب هذا الأسر. إنها علاقة متناقضة تجمع بين الألم واللذة، بين القيد والحرية. فالشعر هو سجنه وملاذه في آن واحد.
ومن الناحية الفنية، تتسم القصيدة بوحدة شعورية واضحة، إذ تدور حول محور واحد هو تجربة الشاعر مع الكتابة والحياة. كما تعتمد على لغة شفافة تميل إلى الرمز دون أن تغرق في الغموض، وتستند إلى صور مركبة تنبع من الطبيعة والذاكرة والوجدان. أما الإيقاع، فيتسم بالتماسك والانسجام مع الحالة النفسية، حيث تتناغم الموسيقى الداخلية مع المعاني المتوترة.
كما أن تكرار أدوات الاستفهام والنداء يمنح النص طابعاً حوارياً، وكأن الشاعر يخاطب ذاته أو الشعر نفسه، في محاولة لفهم سرّ هذه العلاقة المعقدة. وهذا الأسلوب يعزز البعد التأملي للنص، ويجعله أقرب إلى مناجاة داخلية ممتدة.
في المجمل، تكشف قصيدة "أسير الشعر" عن تجربة إنسانية ناضجة، تتداخل فيها الذات الفردية مع همّ وجودي أوسع. وهي قصيدة لا تكتفي بوصف الألم، بل تحوّله إلى مادة فنية، وتعيد صياغته في صور موحية تجعل القارئ شريكاً في التجربة. إنها نص يقوم على صدق العاطفة، وعمق التأمل، وقدرة اللغة على احتضان الوجع وتحويله إلى جمال. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر نجح في تقديم نص يعبّر عن مأزق الشاعر المعاصر، الذي يجد نفسه أسيراً للكلمة، لكنه لا يملك إلا أن يحب هذا الأسر ويواصل الكتابة.
***
بقلم: وفاء محمد يونس







