قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: خجلُ المعطف واحتراقُ الروح

دراسة نقدية متعددة المناهج لقصيدة: «خجلتُ من معطفي حين باغت الصقيعُ الروح»، للشاعرة التونسية نجمة عمر علي كراتة

تمثّل قصيدة الشاعرة التونسية نجمة عمر علي كراتة «خجلتُ من معطفي حين باغت الصقيعُ الروح» نصاً شعرياً يتجاوز البوح الذاتي ليؤسّس خطاباً جمالياً وأخلاقياً ناقداً للواقع العربي المعاصر، حيث تتحوّل الصورة الحسية إلى استعارة وجودية تعبّر عن انكسار القيم، وتعب الهوية، واغتراب الشعور في زمن الحروب والخذلان. فالصقيع لا يحيل إلى البرد الطبيعي بقدر ما يرمز إلى جمود الضمير الجمعي، فيما يغدو المعطف، والنار، والحطب، والفأس علامات دالّة على عنفٍ بنيويٍّ يتولّد من داخل الجسد العربي ذاته.

تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة القصيدة عبر منهج نقديٍّ تكاملي، يجمع بين التحليل الأسلوبي للبنية اللغوية والإيقاعية والصورية، والتفكيك الرمزي للعلامات الدلالية، والقراءة النفسية لتمثّلات الذات الشاعرة، وربط النص بسياقه الاجتماعي والفكري، وصولًا إلى مساءلة الأسئلة الفلسفية والأخلاقية التي يطرحها حول الانتماء، والمسؤولية، وجدوى الشعور. وتسعى الدراسة، من خلال هذا الأفق المنهجي، إلى إبراز القيمة الفنية والفكرية للنص بوصفه شهادة شعرية على مأزق الإنسان العربي المعاصر.

 هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها تعبيراً ذاتياً محضاً، بل بوصفها وثيقة شعورية – أخلاقية تنتمي إلى شعر الشهادة والاحتجاج، حيث تتحوّل الذات الشاعرة إلى ضمير جمعي، ويغدو البرد استعارة كبرى لانطفاء القيم، وانكسار التضامن، وتآكل المعنى العربي في زمن الحروب والانقسام.

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة الحرة، لكنها تتجاوز البنية الإيقاعية إلى إيقاع نفسي–دلالي، حيث تتوالد الصور من مناخ وجداني كثيف، وتتشابك اللغة الحسية بالهمّ القومي، والرمز بالواقعة.

أولًا: المنهج الأسلوبي:

١-  اللغة والبنيان اللغوي (نحواً وصرفاً وبلاغة).

أ- لغوياً، تعتمد الشاعرةنجمة عمر علي كراتة لغة مباشرة شفيفة لكنها غير تقريرية، قائمة على الاقتصاد اللفظي، مع توظيف أفعال حسية ذات حمولة نفسية:

«باغت الصقيعُ الروح»:

إسناد الفعل إلى الصقيع إسناد مجازي، يخرج الظاهرة الطبيعية من حيادها إلى فاعلية عدوانية.

تركيب سليم نحوياً ودلالياً، وفيه استعارة مكنية، إذ شُخّص الصقيع بوصفه كائناً مباغتاً.

«فركضت الحروف الدافئة»:

تشخيص اللغة ذاتها، ما يضع الكتابة في موضع الفعل المقاوم.

الفعل «ركضت» يشي بالعجلة والهلع، ويؤسس لإيقاع داخلي متسارع.

ب- صرفياً ونحوياً، النص متماسك، لا تشوبه اختلالات إعرابية أو تركيبية، ويُحسن استعمال الجمل الفعلية لإبراز الحدث والتوتر، مقابل الجمل الاسمية التي تحضر حين تتكثف الدلالة الوجودية:

«شتاءُ العربِ فيه الدفءُ مسروق»

ج- بلاغياً، تهيمن:

الاستعارة الممتدة (البرد – النار – الحطب – الفأس).

المقابلة: شتاء/دفء، صيف/عطش، نار/دخان.

التكرار الوظيفي: ماذا يوقف البرد؟ وماذا يوقف النزيف؟، وهو تكرار استنكاري لا زخرفي.

٢- الإيقاع والموسيقى:

الإيقاع هنا داخلي نفسي، لا يعتمد على التفعيلة وحدها، بل على:

تقطيع الجمل

الوقفات

علامات الحذف (…)

المفردات الثقيلة صوتياً: الصقيع، النزيف، يتكسّر، شظايا

وهو ما ينسجم مع ما يمكن تسميته بـ «الإيقاع الدلالي الذي ينبع من توتر المعنى لا من الوزن وحده».

ثانياً: المنهج الرمزي:

تفكيك الشبكة الرمزية.

المعطف

رمز الحماية الخارجية، لكنه يفشل أمام صقيع الروح  - فشل الحلول الشكلية أمام الانكسار الوجودي.

الصقيع

ليس برداً طبيعياً، بل:

صقيع القيم

صقيع الضمير العربي

صقيع الموقف

الحطب – الفأس – النار ثلاثية رمزية بالغة القوة:

الحطب: الضحية

الفأس: الأداة

مقبض الفأس من ذات الشجرة -  العنف يولد من الجسد نفسه

وهنا يتقاطع النص مع مفهوم العنف البنيوي، حيث يتحول المجتمع إلى منتج لأدوات تدميره.

الدموع المتجمدة العاطفة التي لم تعد قادرة حتى على البكاء، فتتحول إلى شظايا جارحة: الألم حين يُقمع يصبح أذى مضاعفاً.

ثالثاً: المنهج النفسي:

البنية النفسية للذات الشاعرة

الذات هنا:

١- واعية

٢- مثقلة بالذنب

٣- ممزقة بين الانتماء والخذلان

قولها:

«متعبةٌ من عروبتي»

لا يُقرأ كتنصل، بل كـ إرهاق أخلاقي، وهو ما يشبه ما يمكم تسميته بـ «الإرهاق القيمي في المجتمعات المأزومة».

الصمت في:

«وأصمت في حضرة الحرب»

ليس جبناً، بل صدمة نفسية جمعية، حيث يفقد الكلام جدواه.

رابعاً: المنهج الاجتماعي/الفكري:

القصيدة والسياق العربي المعاصر

القصيدة مشبعة بإحالات إلى:

١- الحروب العربية.

٢- فلسطين بوصفها الجرح المركزي.

٣- العجز الجماعي.

«جئتُ أعشق الوطن بحذر»

الحذر هنا نتيجة تاريخ من الخيبات، ويعيد إلى الأذهان المقولات العديدة حول الوعي المأزوم الذي يخشى الفكرة بقدر ما يحتاجها.

أما:

«في عشق فلسطين، حتى صرتُ وحدي»

فهي ذروة المأساة: أن يتحول الموقف الأخلاقي إلى عزلة.

خامساً: المنهج الفلسفي:

الأسئلة الوجودية والأخلاقية:

القصيدة تطرح أسئلة من عيار ثقيل:

ما قيمة الانتماء إن لم يقترن بالفعل؟

هل التعب من الهوية خيانة أم صرخة وعي؟

هل الشعور ما زال ممكناً في زمن الاعتياد على الألم؟

سؤال:

«أيعقل ألّا أحد ما زال يشعر؟»

هو سؤال وجودي بامتياز، يذكّر بقلق  عدد كبير من علماء النفس والاجتماع حول الاعتياد على العبث، وبالأحاديث المطوّلة عن تفاهة اللامبالاة.

خاتمة:

قصيدة «خجلتُ من معطفي…» للشاعرة التونسيةنجمة عمر علي كراتة ليست نصاً عاطفياً عابراً، بل بناء شعري–فكري محكم، ينجح في:

١- تحويل التجربة الذاتية إلى قضية جماعية

٢- توظيف الرمز دون تعمية

٣- تحقيق توازن بين الشعر والالتزام.

إنها قصيدة تعبّر عن الإنسان العربي المتعب أخلاقياً، لا المهزوم إنسانياً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

خجلتُ من معطفي

حين باغت الصقيعُ الروح،

فركضت الحروفُ الدافئة

تخيط ما يليق بها

كي لا تتعب…

لكنّ التعبَ،

لأننا عرب…

نخشى على عروبتنا من الهلاك،

وفي الوطن المقابل لشرقِ الكرة

وطنٌ عربيّ

يتجمّد فيه الهواء،

وتتشقق الأنفاس،

وتعلو الأعناق نحو سماءٍ

صارت فيها النار

حائطًا كثيفًا من الدخان…

نسيتُ ذكرى الحطب،

ذلك المقتطع من أغصانٍ يتيمة

وجذوعٍ متينة.

أمّا الفأسُ

فمقبضُها من ذات الشجرة المبتورة،

والنارُ

من ذات الأغصان المكسورة…

يمدّ الأطفالُ أيديهم للتدفئة،

فتنحدر دموعٌ متجمّدة

تتكسّر

وتصير شظايا جارحة.

ماذا يوقف البرد؟

وماذا يوقف النزيف؟

أنا، يا صديقي،

متعبةٌ من عروبتي،

ينهشني الجحود،

وأصمت في حضرة الحرب…

آه…

هل الآه

ذلك النَّفَسُ الأنيقُ الطويل

الذي يخرج من عمق الروح حين تشعر؟

فأين باقي الآهات؟

أيعقل

ألّا أحدَ ما زال يشعر؟

شتاءُ العربِ فيه الدفءُ مسروق،

وصيفُ العربِ فيه العطشُ مرحلةٌ مؤجَّلة.

وحروفي لم ترَ الأمور كما ينبغي،

أو هكذا يتهيّأ للبعض…

جئتُ أعشق الوطن بحذر،

فغرقتُ

في عشق فلسطين،

حتى صرتُ وحدي…

 

في المثقف اليوم