قراءات نقدية
حيدر عبد الرضا: قراءة في قصيدة "الموت وحده" للشاعر التشيلي بابلو نيرودا
منظورية الموت والاستجابة البنائية لعلاقات الدلالة
توطئة: ان ما جرى اعتباره رمزا في قصيدة (الموت حده) للشاعر بابلو نيرودا، ليس اشباعا لجملة رغبات شعرية متشابهة بل يتعداها الأمر إلى ماهية الاقتراح الدلالي الذي ينتهي إليه التفكير التصوري في مضمون هذا التوطين للرمز. كما ولا أرتأي أن تكون محمولات القصيدة كلها عن جملة إشارات تتطور لحالة ما يمكن أن يعنيه الرمز بمعاييره الجديدة وإمكاناته الحسية التي تعطى بعدا للتعديل والتدليل والاستنتاج، كحالات انبثاق الرمز تصورا وحيدا في تكوين التماثلات المركبة ل (الموت) أو (الاستجابة البنائية) التي تتمظهر بملامح ومواقف حركية علاقات الدلالات الخصوصية بماهية رؤية الموت الدوالي.
ــ توالدات النص وشعرية مقصدية الدال التوصيفي.
يتضح من خلال العتبة الاستهلالية للنص إن عملية تطويع الوصف بالموصوف هي حالة من حالات (علاقة اتصال ــ علاقة انفصال) بلوغا نحو جملة تفاعلية قد تتحقق من خلالها الأواصر المحولة أو إنها تحقق فعلية الحوار بين الشاعر ومقصدياته العواملية الخاصة في مباعث الخطاب:
هناك مقابر مستوحدة،
قبور ملأى بالعظام، دون صوت،
و القلب يسرب من خلل نفق صغير
مظلم، مظلم، مظلم.
قد تكون تجربة الموت من الفضاءات التي تملأ صور النص ب (مقابرــ ملأى بالعظام ــ مظلم) كما أن للموت بعدا أكثر عمقا من أن يتحول إلى مجرد أداة للجمال واللغة والحلم، قد يتمثل ذلك البعد في أن للموت مرجعية شاقة من الاستيهامات والفراغات والزوايا في مواطن التخييل ذات المستوى الأكثر توالدا في حركية التصورات والإمكانيات التي تعمل على تسخير حقيقة الموت إلى جملة اقتراحات ذهنية مضمرة. فيبدو موصوف الموت وحالاته النفسانية أكثر تشكلا في مادية ارتباط الصور والأحداث المنعكسة في الرؤية ومعطى التخييل. فمثالا تمثل لنا وحدة الجملة العنوانية (الموت وحده) نتيجة دلالية تتشخص من خلالها في الذهن ثمة أوجه مقابلات ظهورية دالة كما الحال في الجمل الشعرية الواردة: (هناك مقابر مستوحدة ــ قبور ملأى بالعظام ــ دون صوت) إذن الواقع التحديدي للموصوف لا يتعدى حضورية هذه المؤثثات، ولكن ورود جملة (دون صوت) تمنحنا تأكيدا بالمفترض الآتي الذي يتميز في كون هذه التركيبة من الجملة هي في المقابل الذهني لحالات ظاهرة مؤشرة سلفا بالموت كليا: إذن ما هو ذلك المقابل الحسي المتفاعل ذهنيا؟ لعله (القلب؟) المماثل لحياة معيارية العلاقة بين الذات كجزئية محكومة بعاملي (الشاعر ــ الزمن) إلا إننا في الآن نفسه سوف لا نستدل بأن القلب ذروة تأثير العالم الخارجي عن مساحة الموت، إلا إننا نؤكد بأن (والقلب يسرب من خلل نفق صغير) هي الموقعية قي مسار الأنا الواصفة حيث تحقق مواطن الأبعاد الظلامية من الرؤية ذاتها للموت (مظلم، مظلم، مظلم) وعلى هذا النحو يبدو الألمام بالتصور المقابل الذي يقاسم إجرائية فعل علائقي مكون من (الذات ــ المفترض ــ المعطى) وبطريقة ما تتناول هذه القطبية الثلاثية من صفة الذات المتكلمة بالمعرفة الأخرى بموصوف الموت هذه الجمل الواردة (كما لو كانت سفينة تغرق.. من الداخل نموت.. ونحن نغرق في القلب) لا شك أن الذات الراوية تقوم بوصف حالات الموت ضمن حدود الوعي بالموصوف أو تشغيل حواس الأنا بموجب حالة إنشائية قصوى من التصور اللاشعوري، لذا يبقى المتكلم هنا ضميرا لتفعيل الذاتية عبر آليات الاستعادة والوصف بحال لسان زمن وأمكنة وحوادثية سيرة الموت.
1ــ المرموز وإحالات الذات المضمنة:
و بوسعنا الاستعانة في هذا الإطار بمسار القادم من المتن النصي، حيث تواجهنا أفعال المشهد وتحولاته وانعكاساته وأحلامه وموته الملون بروح الحدوث القسري:
هناك جثث
هناك أقدام من الطين البارد اللزج،
هناك موت داخل العظام ـ
كالصوت، محض صوت،
كنباح دون كلاب ـ.
و تظل صورة الموت بحاجة إلى صياغة زمنية ومكانية، دون اشتغال صوت الراوي الشعري في القصيدة أداة وإدراكا. نقول تحاكي حالات الجمل الشعرية في هذا الصدد من السياق المتني، كما لو إن حالات الموت عبارة عن (المرئي ــ المتصور) في أشد لحظات تجلي الإحساس القرائي وصعوبة التصور الإجرائي. فهناك علاقات تجسدها الأصوات الدوالية كـ (هناك جثث ــ هناك أقدام من الطين البارد اللزج) وتنمو مثل هذه الأوصاف الزمنية عبر المعطيات اللحظوية إذ تتكاثف لأجل فتح حالة من الضيق وديمومة الوصف الدقيق: (هناك موت داخل العظام ــ كالصوت ــ محض صوت) وتختلط إحالات الذات الواصفة إلى مواطن تشخيصية مركزة وغريبة في محل موصوفها، إنها آليات الحواس الشعرية المكثفة والمرتكزة إذ تعيد إنتاج آفاق المصاغ الوصفي في مسارات تتوزع في مشاهد حركية استفهامية مضمرة في النحو والفعل المتني المبطن.
ــ القصيدة وكأنها جملة واحدة لا تنتهي.
لعل القارىء يلاحظ في صدد إرجاء القصيدة، إن هناك عالم الأشياء المؤاتية حيث تتجسد في كيان شخصاني ل(الذات ــ الشاعر) في حالات خاضعة إلى انفجارات الموت والظلام والسارد المسكون بوحشة المفرق والمروى ورياح طوفان الموتى.. لعلها حالات من الصور الهواجسية والذاكراتية والتناصية وبعض الظنون المتخيلة:
و أرى، في وحدتى، بعض الأحايين
نعوشا ناشرات القلوع
تقل موتى شاحبين: نسوة مسبلات الجدائل،
وصبايا مكمدات، زوجات كتاب عدول ــ
نعوشا في نهر الموت العمودي مصعدات،
في النهر الأرجوان
مصعدات، بأشرعة يملؤها صوت الموت
يملؤها صوت الموت الصموت.
يتجلى (سؤال الموت) في كيفية تحديد مسوغات إشكالية الوجهة وإلتباسها: فما وراء هذا الموت وما جهته من السارد تحديدا ؟ أهي محض هواجس ذاكراتية ؟ أم أنها شعرية الإشكالية الطوفانية مجددا ؟. وتكشف لنا متاهة الذات الراوية (و أرى، في وحدتي، بعض الأحايين) يفتتح السارد صفحة احتمالية مديدة من مشاهدات شبه فعلية (نعوشا ناشرات القلوع ــ تقل موتى شاحبين: نسوة مسبلات الجدائل ــ وصبايا مكمدات ــ زوجات كتاب عدول) وتظل الضور الدوالية متشكلة في منظومة إنتاج دلالات الحدوث الصورية وكأنها الأفعال الأزلية المركبة التي تحاصر الذات الشعرية وتقودها إلى إحصاء موجات صورها الاستحواذية التي لا تنتهي، ويكشف ضمير الوجع المؤسطر عن حكاية شعرية تنقض ثبات الذات وتلوذ بمشاهد ملحمة الطوفان النهرية.
ــ الوقائع التشكيلية بين الذات والدلالة الخارجية.
إن جزءا مهما أوضحته بعض النصوص الشعرية والذي يتعلق بقدرة الواقعة النصية على الارتقاء إلى سياقات موغلة بالحسية التشكيلية العلائقية المتجانسة بين الذات الداخلية ودلالة العالم الخارجي:
و الموت يصل إلى الشاطئ المشؤوم،
كحذاء دون قدم
كرداء دون لابس يرتديه
يصل يضرب بخاتم لا فص له ولا أصبع فيه.
يصل ليصرخ دون فم، دون لسان، دون حنجرة.
يأخذ شكل الموت دالا تشكيليا في المتن النصي تجليا حسيا على مستوى تخوم وأفياء العنونة المركزية (الموت وحده) تتابعا في الأوضاع الشعرية المرتبطة بذاته وملحقاته، التي تنتهي إلى جملة علاقات دلالية ذات صلات فعلية مفترضة وموغلة في الضياع: (الموت يصل إلى الشاطئ المشؤوم) حتى يبلغ مساحة منقوصة (كحذاء دون قدم) والاستعارة هنا محمولة بالتواصل مع حساسية تشكيلية تستكمل ردودها الإقراري من تماثلية جملة (كرداء دون لابس يرتديه) وتشير اللقطات المحاذية إلى كمونية ما في حالة الموصوف بلوغا لتشكيل الدينامية المحورية في سرانية الواصف والموصوف (يصل يضرب بخاتم لا فص له ولأصبع فيه) ويتسع التصور التشكيلي نحو حالات فقدية من دليل الموت ذاته وإلى درجة وصول الدال الموتي إلى أن يكون سلطة مرتقبة لا يتطلب نفوذها وجود (يصل ليصرخ دون فم، دون لسان،دون حنجرة) إن إرهاصات المشهد الدوالي هنا حل في حدود سياقية خاصة من التدليل التشكيلي حضوريا، لتنحو دلالة الموت نفسه نحو فلسفة إنتاج الأشياء ضمن متعلقاتها الموقفية الفاقدة لأصولها من وراء ظواهرية حضور الموت ذاته وبذاته:
ما زالت خطاه يتجاوب صداها
وثيابه يتجاوب صداها، خرسا، كأنها شجرة.
لست أدري، وما أفهم إلا قليلا
و أوشك إلا أرى..
بيد أني أخال لأغنيته أزهار البنفسج الرطبة،
لون أزهار من البنفسج قد ألفن التربة.
تحديدا في هذه المقاطع يتدخل صوت السارد الشعري توكيدا واستعلاما بين التعليق والإثارة ليتسلم قيادة القول سردا ويواصل مسيرة حكاية الموت (و ما زالت خطاه يتجاوب صداها، خرسا، كأنها شجرة) إن الفروق الفعلية التي يمكننا أن نلمسها في تجربة قصيدة الشاعر نيرودا تكمن في تمجيدها لحقيقة افتراضات حالات الموت ــ انتزاعا وجوديا ــ لتجلياته التي حلت في حدود هواجس حسية مستمالة اتجاه حالة الموت، لذا تبقى خصوصية الموت تنويها نحو وقائعية تفاصيلية ما يحياها الزمن والقلب ذوقيا وتحصيليا.
الموت في السرر الصغيرة،
في الوسائد البيضاء، في الأغطية السود.
إنه يقبع متربصا...
و لكنه سرعان ما يعصف ويثور،
يعصف بصوت منفر تنتفخ منه أغطية الفراش
و تنطلق الأسرة مقلمات صوب الميناء
ينتظر الموت على رصيفه، في بزة أمير البحر.
تعليق القراءة:
تنتهي اللقطات (الشعرحكائية) بإخفاق الفاعل الشعري في الوصول إلى خاتمة ترسم سياقا مضادا للموت، إلا أن الدال الموتى يتصاعد في طوفانه عبر مشروعه في الوجود من الأشياء (الموت في السرر الصغيرة) وصولا إلى مشهد دائب الحركة المؤاتية (إنه يقبع متربصا) غير إنه سرعان ما يعاود طوفانه ليحطم التوقع ويزرع جنوحه في (و تنطلق الأسرة مقلمات صوب الميناء) بهذا يستكمل الموت فضاءه المندفع عبر حكاية شعرية تلخص على نحو ما فحوى دلالات القصيدة وتكشف دلالتها في مشاهد صورية دائبة بحسية منظور الموت والاستجابة البنائية في علاقات الدلالات الخارجية والداخلية في النص الشعري.
***
حيدر عبد الرضا






