قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة الشاعرة مروة طالب بعنوان "اعترف"
تأتي قصيدة «اعترف» للشاعرة مروة طالب بوصفها نصّاً اعترافياً كثيفاً، تتقاطع فيه التجربة الوجدانية مع الوعي الجمالي، وتنهض على توتّرٍ داخليٍّ حادّ بين الحبّ والخيانة، الذاكرة والنسيان، التعلّق والفقد. ليست القصيدة مجرّد بوحٍ عاطفيّ أو شكوى ذاتية، بل هي بناء شعريّ دراميّ يُحاكم الفعل الإنساني في أبعاده الأخلاقية والنفسية، ويحوّل التجربة الشخصية إلى سؤالٍ وجوديّ مفتوح على التأويل.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة نقدية شاملة، تسعى إلى تفكيك النص في مستوياته اللغوية والبلاغية، ورصد جمالياته الفنية وبنيته الإيقاعية، والكشف عن أبعاده الفكرية والفلسفية، إلى جانب قراءة خلفياته النفسية والاجتماعية والثقافية. كما تعتمد الدراسة على تضافر مناهج متعدّدة؛ أسلوبية وتحليلية وتأويلية وسيميائية، بما يتيح الإحاطة بالنص من داخله، لا بوصفه بنية لغوية فحسب، بل كخطابٍ شعريّ يعكس رؤية الشاعرة للعالم والذات والعلاقة بالآخر.
وتهدف هذه القراءة إلى إبراز خصوصية «اعترف» داخل مسار قصيدة النثر العربية المعاصرة، والكشف عن قدرتها على إنتاج الدهشة وتجاوز المألوف، من خلال لغة مشحونة بالانزياح، ومعمار شعري يقوم على التوتر الدرامي والتكثيف الرمزي، بما يجعل النصّ شاهداً على نضج التجربة الإبداعية للشاعرة، وعلى تحوّل الاعتراف من فعل شخصي إلى فعل جمالي ومعرفي.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب.
تقوم القصيدة على لغة عربية فصيحة سليمة بعد التنقيح، تعتمد التراكيب البسيطة المتراكبة لا الجمل المعقّدة، وهو خيار أسلوبي يخدم التدفق النفسي والاعترافي. الجمل قصيرة نسبياً، متتابعة، وكأنها أنفاس متلاحقة، ما يعكس حالة القلق والانكسار.
الانزياح اللغوي حاضر بقوة، لكنه انزياح دلالي لا نحوي، مثل:
١- «مدافن الحبّ»
٢- «يدخّن عود الثقاب»
٣- «رصاصتك الحارقة وسط دمي»
هذه التراكيب تنقل الألفاظ من حقلها الواقعي إلى حقل رمزي، دون كسر في النظام النحوي.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
الألفاظ فصيحة، واضحة، غير متكلّفة، تميل إلى المفردة اليومية المشحونة شعورياً (القهوة، المفاتيح، الفنجان، العطر)، وهو ما يخلق توازناً دقيقاً بين:
اللغة الشعرية العالية
والتجربة الإنسانية المعيشة
اللفظ هنا في خدمة المعنى لا العكس، فلا استعراض لغوي ولا تزويق مجاني، بل توظيف دلالي دقيق.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي
القصيدة تنتمي إلى قصيدة النثر الإيقاعية، حيث يغيب الوزن الخليلي، لكن يحضر:
١- التكرار: (كم مرّة، أعرف، أنا؟، من تلك التي…)
٢- الجرس الصوتي عبر التوازي التركيبي
٣- الموسيقى الداخلية الناتجة عن التماثل الصوتي والتوازي النحوي
٤- القافية غير منتظمة، لكنها تُستبدل بما يمكن تسميته قافية شعورية، حيث تتكرر نبرة الانكسار والاتهام.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية:
1. البنية الفنية للنص.
النص يقوم على معمار درامي سردي:
شخصيات: (الأنا – الآخر/الرجل – المرأة الغائبة).
زمن نفسي لا خطي، تتداخل فيه الذاكرة بالحاضر.
سرد داخلي (مونولوج اعترافي)
المنهج الوصفي يتجلّى في التفاصيل الحسية، بينما يحضر المنهج التحليلي في تفكيك فعل الخيانة نفسياً وأخلاقياً.
2. الرؤية الفنية
رؤية الشاعرة مروة طالب للعالم تقوم على:
اعتبار الحب مسؤولية وجودية
والخيانة نكوصاً إلى ذاكرة غير محلولة.
الشكل (اللغة، التكرار، التفكك) منسجم تمامًا مع المضمون (الانكسار، الغيرة، الشك).
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي.
تنجح القصيدة في إنتاج الدهشة عبر:
١- تحويل الخيانة من فعل أخلاقي إلى حدث أنطولوجي
٢- قلب ثنائية الجاني/الضحية
٣- نهاية صادمة رمزيًا: «سأطلقها عليك» (الرصاصة)
ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية:
1. الموقف الفكري
القصيدة تطرح أسئلة:
١- هل الحب اختيار أم قدر؟
٢- هل الخيانة فعل أم عودة؟
٣- أين تبدأ الهوية العاطفية وأين تنتهي؟
وهي أسئلة ذات طابع وجودي وأخلاقي.
2. الأفق المعرفي:
النص يتحاور ضمنيًا مع:
١- خطاب الاعتراف (أوغسطين – فرويد)
٢- أدب المرأة الاعترافي الحديث
٣- الشعر العربي الحديث (غادة السمان، سعاد الصباح)
3. البنية العميقة (الهيرمينوطيقا)
الخيانة هنا ليست امرأة أخرى، بل:
١- ذاكرة لم تُغلق
٢- أنوثة غائبة تسكن الرجل
وربما ذات الشاعرة نفسها
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص:
النص ينتمي إلى لحظة ثقافية عربية معاصرة:
١- تعقّد العلاقات
٢- تفكك القيم العاطفية
٣- صراع المرأة بين التضحية والكرامة
2. تطوّر النوع الأدبي:
القصيدة تندرج ضمن تطور قصيدة النثر النسوية الاعترافية، متجاوزة الغنائية البسيطة إلى البنية الدرامية.
3. العلاقة بالتراث
يحضر التراث بلاغيًا:
١- الاستفهام الإنكاري
٢- النداء
٣- التكرار الخطابي
لكن دون استدعاء أسطوري مباشر.
خامسًا: الأسس النفسية
1. البنية الشعورية
النص مشحون بـ:
١- القلق
٢- الغيرة
٣- الخوف من الفقد
٤- التماهي مع الألم
2. تحليل الشخصية:
الشخصية المركزية تعاني:
١- قلق الهجر
٢- التعلّق المرضي
٣- ازدواجية الذات («أتخونني معي»)
3. النبرة النفسية
تتراوح النبرة بين:
١- الاحتجاج
٢- التوسّل
٣- الانكسار
٤- التهديد الرمزي
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي
النص يفضح:
١- هشاشة العلاقات
٢- تسامح المرأة القسري مع الخيانة
٣- بنية السلطة العاطفية الذكورية
2. الخطاب الاجتماعي:
النص نقد ضمني للأعراف التي تشرعن الخيانة وتدين الغيرة الأنثوية.
3. الشاعرة كفاعل اجتماعي
الشاعرة هنا صوت احتجاج ناعم، لا صراخي، لكنه نافذ.
سابعاً: الأسس السيميائية
1. الرموز
١- الرصاصة: القرار/القطيعة
٢- المفتاح: الخيانة/التشتت
٣- الفنجان: الذات المستنزفة
٤- العطر: الذاكرة الأنثوية
2. الثنائيات
١- حضور / غياب
٢- حب / خيانة
٣- ذاكرة / نسيان
٤- حياة / موت
3. النظام الرمزي:
الأشياء اليومية تتحول إلى علامات وجودية.
ثامناً: الأسس المنهجية
الدراسة تعتمد:
١- المنهج الأسلوبي
٢- المنهج النفسي
٣- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)
مع إشارات مقارنة ضمنية
٤- المنهج واضح، متكامل، غير متناقض.
خلاصة:
قصيدة «اعترف» نص ناضج لغوياً وجمالياً وفكرياً، يزاوج بين الاعتراف والاحتجاج، وبين الشعر والتحليل النفسي، ويُثبت قدرة مروة طالب على إنتاج قصيدة نثر ذات عمق إنساني وصدق وجداني ومعمار فني محكم.
في ختام هذه الدراسة، يتبيّن أن قصيدة «اعترف» لمروة طالب تشكّل نموذجاً متقدّماً لقصيدة النثر الاعترافية في الشعر العربي المعاصر، حيث تنجح الشاعرة في تحويل التجربة الذاتية إلى خطاب شعري مركّب، يتجاوز البوح المباشر ليغدو مساءلةً وجودية وأخلاقية للعلاقة بين الحبّ والخيانة، والذات والآخر، والذاكرة والفقد. لقد كشفت القراءة التحليلية عن نصّ محكم البنية، تتساند فيه سلامة اللغة مع الانزياح البلاغي، ويتآلف الإيقاع الداخلي مع المعمار الدرامي، في انسجام واضح بين الشكل والمضمون.
كما أظهرت الدراسة أن القصيدة تستمد قوتها من تعدّد مستوياتها الدلالية، وثراء نظامها الرمزي، وعمقها النفسي والاجتماعي، بما يتيح إمكانات واسعة للتأويل الهيرمينوطيقي، ويجعل النص مفتوحاً على قراءات مختلفة دون أن يفقد وحدته الداخلية. وإذ تنخرط الشاعرة في نقد البنى العاطفية والاجتماعية السائدة، فإنها تؤكد حضورها بوصفها فاعلاً إبداعياً واعياً، يشتغل على اللغة بوصفها أداة كشف لا تزيين، وعلى الشعر بوصفه فعل مقاومة للزيف والتطبيع مع الألم.
وعليه، يمكن القول إن «اعترف» ليست قصيدة عن الخيانة فحسب، بل هي نصّ عن هشاشة الإنسان، وعن مأزق التعلّق، وعن الوعي الذي يبلغ ذروته لحظة الفقد. إنها قصيدة تُعلن أن الشعر، حين يُكتب بصدق وجمالية وعمق، قادر على أن يكون مرآةً للوجع الإنساني، ومساحةً لإعادة مساءلة الذات والعالم معاً.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
..........................
اعترف
مروة طالب
لم تكن خيانتك هذه فعلَ رجلٍ كالعادة،
لم تكن نزوةً عابرة،
ولم تكن فريسةَ شِباكِ امرأةٍ لعوبٍ.
إنّ من أحبّ عاد إلى حبيبةٍ في ماضيه.
يا سادة،
عادت شفاهه إلى مدافن الحبّ،
تستنهض قبلةً غابرة.
عاد يحنّ لحيّها وقهوةِ أمّها،
عاد مراهقًا يمشّط الدروب.
أخبرني من رآه
أنّه يمسّد جذوعَ الأشجار في الغابة،
وأنّه يعانق طيفَ امرأةٍ
تتراقص بين يديه حاسرة،
وأنّه يضع يدًا على قلبه
ويدًا على حُفَرِ الجذوع،
يتلمّس عمقَ الندوب.
لطالما قرأتُ دفاتره
الملطّخة بالنساء وطويتها.
لطالما عاد إليّ منتصفَ الجريمة ثملًا،
يدخّن عودَ الثقاب.
كم مرّةٍ هجّر الدمعَ من عينه ندمًا،
فقبّلتُ العينَ وإلى عيني آويتها.
كم مرّةٍ غضضتُ الطرف
عن علّاقة المفاتيح،
يَحارُ هذا المفتاحُ لأيِّ بابٍ.
أعرف المرأة
من حمرةِ وجهها إن نظرتَ إليها،
من ارتعاشةِ الأصابع
إن مددتَ إلى يديّ تلك، يديكَ،
من سُكرةِ الأهداب
إن علِقت غمزاتُك عليها.
أعرف من حرارةِ الأرض
إن سرتَ إلى مخدعِ تِيكَ برجليك.
كلّ ما مرّ قشورُ علاقاتٍ يابسة،
كلّها آثامٌ من هوامش الحبّ محوتُها.
لكثرةِ ما تتبّعتُ آثارَك
نَمَتْ لي حاسّةٌ بعد الألفِ سادسة.
وكم تناسيتُ عمدًا
صورًا تؤجّج غيرتي بعينيّ رأيتُها.
كم خفتُ ألّا أراك،
فاكتفيتُ بالوصلِ القليل.
كم طمأنتُ جوارحي إليك،
وكلّ ما فيك لا يُطمئن.
قد وصلتُ بحبّك إلى آخر المستحيل،
ولم تتعدَّ بلهفتك أوّل الممكن.
رصاصتُك الحارقة وسط دمي،
خذها.
هذا فراقٌ على فمي،
سأنطقُه.
من تلك التي لا تشبه النساء فضيّعتك؟
من تلك التي لا آثارَ لها فأقتفيها؟
من تلك التي أخذتك إلى حوافّ الوهم
ثم أرجعتك؟
من تلك التي تفجّر في أوصالك الذكريات،
تُبديها ثم تُخفيها؟
أين موطنها؟
أين منزلها؟
قل لي اسمًا من أسمائها.
حِلْتُ عليها،
الشوقُ يلعنها،
يحرقها قلقًا كالذي فيّ،
يرفعها ثم يُنزلها.
أكاد أقتل نفسي،
حالتي هذه ماذا تسمّيها؟
اعترف،
ربّما كغيرها أنساها،
ماذا تقترف؟
أشمّ في أنفاسك هواها.
أنا؟!
أنا، أتقول أنا؟!
ارفع صوتك، لا أسمع هذا الهمس.
أنا؟
أنا التي ما عادت هنا؟
تبحث عنّي في ذكريات الأمس؟
أكنتَ في بيتِ أمّي تشرب قهوتها؟
لكثرةِ ما شممتُ عليك عطورًا عجيبة
نسيتُ رائحتها.
أنا ما عرفتُ نفسي،
صرتُ عن نفسي غريبة.
أتعانق طيفي وأنا تقتلني اللهفة،
أتخونني معي.
أُفرغ الفنجانَ منّي
فأحتسيني آخرَ رشفة،
وأعلنتُ موتي على مسمعي.
عطشُ الجوريّ يُخشّن زهرَه،
فلا تلُمْ بعد قطعِ الماء جرحي.
ما عاد قلبي قادرًا،
قطعتَ ظهرَه.
محوتَ معالمي، فتّتّني،
ساويتَ قمّتي بسفحي.
رصاصتُك التي قلتَ: خذها،
أما زالت لديك؟
أعِدْها.
سأطلقها عليك.
***
من ديوان: «زلّة ذاكرة»
مروة طالب







