قراءة في كتاب
جمال العتابي: فاشية التخلف: حين يتقمّص الاستبداد هيئة الفكرة
يتناول كتاب «فاشية التخلف» الفاشية بوصفها أثراً من آثار القرن العشرين، ولا يعاملها كظاهرة أوروبية أُغلقت ملفاتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بل يعيد وضعها في سياقها الأوسع: بوصفها حالة كامنة في المجتمعات التي أخفقت في بناء الدولة الحديثة، وتعطّل فيها العقل السياسي، واختُزلت السياسة إلى سلطة تعارض الحريات السياسية والنقابية والفردية. يذهب حسين الهنداوي في كتابه الجديد «فاشية التخلف.. البعث العربي نموذجاً» الصادر عن دار المدى عام 2026، إلى ما هو أبعد من الإدانة الأخلاقية، أو السرد الوصفي، ليقدم قراءة تحليلية للجذور الفكرية والسياسية، التي جعلت من البعث في العراق وسوريا نموذجاً مكتمل الأركان للفاشية في العالم الثالث. إذ تتجاور الأيديولوجيا مع الخوف، وتتماهى السلطة مع العنف، ويُعاد تعريف الوطن بوصفه ساحة إعدام لا مجالًا للاختلاف. من هنا تأتي أهمية الكتاب، لا من حيث جرأته الموضوعية فحسب، بل من إصراره على قراءة الفاشية خارج حدودها التعريفية الجاهزة. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن الفاشية ليست نظام حكم فحسب، بل نمط تفكير، ومنظومة قيم، وسلوك اجتماعي يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.
هي لحظة قصوى من لحظات التهميش، حين تفشل الدولة في إنتاج الشرعية، فيجري تعويض القانون بالقوة، والمؤسسة بالفرد الديكتاتور، والمواطنة بالطاعة. بهذا المعنى، لا تعود الفاشية استثناءً تاريخياً، بل بنية ذهنية، ونتيجة منطقية لمسار طويل من الإقصاء، وتراكم الخوف، وانسداد الأفق السياسي. إنها تظهر حين يُجرَّد المجتمع من أدوات النقد، ويُختزل العقل في شعارات، تتقدم فيها العقيدة ـ أكانت قومية أم دينية ـ بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المساءلة. في واحدة من أهم مقولات الكتاب، يُعاد تعريف التخلف، لا بوصفه تأخراً اقتصادياً، أو ضعفاً في التنمية، بل بوصفه حالة ذهنية وسياسية، تقوم على رفض الحداثة السياسية، والخشية من التعدد، والنفور من فكرة التعاقد الاجتماعي. في مثل هذه البيئات، تصبح الفاشية ممكنة، بل ومغرية، لأنها تقدّم إجابات بسيطة عن أسئلة معقدة، وتمنح الخوف لغة، والعنف شرعية، والزعيم هالة خلاص. هنا لا تُفرض الفاشية بالقوة وحدها، بل يتقبلها البعض أحياناً بوصفها حلاً، أو قدراً، أو حتى ضرورة تاريخية. يتوقف الكتاب طويلا عند انتقال الفاشية من سياقها الأوروبي إلى فضاءات أخرى، ولاسيما في العالم العربي. غير أن هذا الانتقال لم يكن محاكاة دقيقة، بل استنساخا مشوها: جرى فيه اقتباس أدوات القمع، وتقديس القائد، وتوحيد الخطاب، من دون أن تُنقل ـ أو تُفهم ـ السياقات التي أفرزت الفاشية في أوروبا منذ العقد الثاني من القرن العشرين بنزعة قومية عنصرية تمجّد الدولة إلى حد التقديس، وترفض نموذج الدولة القائم على الليبرالية التقليدية، والديمقراطية البرلمانية التعددية التي سادت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.
والنتيجة كانت أنظمة أكثر دموية، وأشد التصاقاً بالعنف، لأنها لم تواجه مجتمعات مدنية فاعلة، ولا تقاليد سياسية راسخة، بل وجدت في الهشاشة الاجتماعية أرضاً خصبة للتمدد.
إن خطورة الفاشية تكمن في قدرتها على (التفريخ)، إذ شهدت أوروبا ظهور (فاشيات) أخرى في إسبانيا، واليونان بين عامي 1963ـ 1941، وكذلك في البرتغال في عهد سالازار، وفي البلدان العربية (سوريا والعراق). تتحد جميع هذه النماذج في طابعها العنصري، الاستبدادي الرافض للديمقراطية والتعددية. يقدّم الكتاب قراءة معمّقة لتجربة البعث، حين تنقلب الفكرة على ذاتها لا بوصفها تجربة سياسية فحسب، بل كنموذج لتحوّل الفكرة إلى نقيضها. فمن خطاب وحدوي مشبع بالأحلام، انتقلت التجربة إلى نظام شمولي يحتكر الحقيقة، ويصادر السياسة، ويعيد إنتاج الدولة بوصفها جهازاً أمنياً قمعياً. في هذه التجربة، تتجلى الفاشية لا في الشعارات وحدها، بل في تحويل الحزب إلى دولة، والدولة إلى أداة قمع، والمجتمع إلى موضوع مراقبة، هنا لا يعود العنف وسيلة طارئة، بل منهج حكم، تُدار به السياسة، ويُعاد عبره تشكيل الوعي. تجدر الإشارة هنا إلى العديد من مذكرات قادة البعث، والبحوث والدراسات الكثيرة في تاريخ الحزب، كشفت لنا الكثير من الحقائق الخفية، في أسلوب الحكم، والصراعات الدموية على السلطة.
أشير هنا إلى كتاب حسن العلوي «العراق دولة المنظمة السرية»، ومذكرات قياديي حزب البعث محسن الشيخ راضي، هاني الفكيكي، خالد علي الصالح، نزار حمدون، ياسين الحافظ، صلاح عمر العلي، جواد هاشم، فخري قدوري، عبد الستار الدوري. تكاد تجمع هذه المذكرات على مسؤولية البعث عن الأحداث المأساوية التي وقعت في سوريا والعراق، واعترافات القادة بالأخطاء الفادحة التي ارتكبها البعث منذ عام 63 في تكريس سلطة القمع والديكتاتورية، ومصادرة الحريات بأبشع الأساليب وبنهج فاشي عنيف. ولعل مذكرات الشيخ راضي هي الأكثر جرأة وشجاعة وصراحة مطلقة في الكشف عن الجرائم البشعة التي ارتكبها البعث في حقبتين من تاريخ العراق المعاصر، وفي سوريا لغاية عام 2024.
يلفت الهنداوي الانتباه إلى مفارقة لافتة تتعلق بالحداثة بوصفها قناعاً عند الكثير من الأنظمة الفاشية في العالم الثالث التي رفعت شعارات التحديث والتنمية، لكنها في العمق أنتجت حداثة شكلية، لا تمسّ جوهر السلطة. فالدولة قد تبني الطرق والسدود، لكنها في الوقت ذاته تهدم الإنسان، وتجرّده من حقه في الحرية وطرح الأسئلة، أو المشاركة في الأفكار. بهذا المعنى، تصبح الحداثة أداة تزيين، لا مشروع تحوّل، وتتحول التنمية إلى خطاب يُستخدم لتبرير القمع، لا لتفكيكه. لا يكتفي الكتاب بتشخيص الفاشية كنظام سياسي، بل تتحول إلى ثقافة يومية، يتعقّب حضورها في: المدرسة، الإعلام، الخطاب الديني، وفي العلاقات الاجتماعية. حين يُدجّن الفرد على الطاعة، ويشعر بخطورة الاختلاف، يصبح مهيأً لتقبّل الفاشية، بل والدفاع عنها. هنا تكمن أخطر وجوه الظاهرة: إذ لا تعود مفروضة من الأعلى فقط، بل مستبطنة في الوعي الجمعي، ومحمية بالخوف، ومبرَّرة بالخطاب الأخلاقي. يجمع الهنداوي بين التحليل والتوثيق، وهو ما يمنحه سعة معرفية واضحة، وكثافة الأمثلة التاريخية، لصالح تعميق الإطار النظري. بناءً على ذلك، لا يصنف «فاشية التخلف» ضمن كتب التاريخ السياسي، بقدر ما هو كتاب تحذير. تحذير من أن الاستبداد لا يولد فجأة، بل يتشكّل ببطء، ينمو على الخوف، ويترسّخ حين يُصادر العقل النقدي. تكمن أهمية الكتاب أنه يذكّرنا بأن الفاشية لا تموت، بل تغيّر أقنعتها، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تتخفّى خلف شعارات الخلاص، فيما تمارس أقصى درجات الإقصاء والتدمير.
***
د. جمال العتابي







