قراءة في كتاب

عبد الرحمن مزيان: حين نقرأ لنفهم أنفسنا

فصل من سيرة عبد الجبار الرفاعي في القراءة والكتابة

وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر.

لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر.

غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل.

غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.

من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي.

غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا."

الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.

غير أن الكتابة التي تحمل معنى لا تقوم على العقل وحده، كما أنها لا تقوم على العاطفة وحدها. الكلمة التي تلامس الإنسان هي تلك التي تنبع من توازن دقيق بين التفكير العميق والحس الإنساني الحي. لهذا يشير الرفاعي إلى أن الكتابة المشبعة بالمعنى ينبغي ألا تهدر مرجعية العقل، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تُفرغ الحياة من بعدها الروحي. في هذا السياق يكتب: "الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان." بهذه العبارة يضع الرفاعي معيارًا دقيقًا للكتابة ذات المعنى:

أن تكون وفية للعقل في بحثه عن الحقيقة، وأن تكون في الوقت نفسه قادرة على أن تمنح الإنسان أفقًا روحيًا يتجاوز ضيق الحياة اليومية. الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، كما لا يعيش بالمادة وحدها. إنه يبحث دائمًا عن معنى أوسع لحياته، معنى يحرره من الاختناق بسطحية العالم المادي، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للتأمل والسكينة. من هنا نفهم لماذا وصف الرفاعي الكتابة بأنها مخاض، الكاتب لا يكتب ما يعرفه فقط، بل يكتب ما عاشه وتأمله وتحوّل في أعماقه إلى معنى. الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي محاولة لترتيب العالم الداخلي في كلمات يمكن أن تصل إلى الآخرين.

مع مرور الزمن تتغير نظرة الإنسان إلى العالم، لأن التجربة نفسها تعيد تشكيل وعيه. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية عميقة حين يقول: "الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر." ربما لهذا السبب تحديدًا نعود إلى بعض الكتب مرة أخرى. فالكتاب لا يتغير، لكن القارئ يتغير. ومع كل قراءة جديدة يكتشف الإنسان في النص معنى لم يكن يراه من قبل، وكأن الكتاب نفسه يتسع كلما اتسعت تجربة القارئ. هكذا تتحول القراءة، في معناها العميق، من متابعة صفحات إلى تجربة إنسانية حيّة. فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، بل يكتشف شيئًا من ذاته هو. ومع كل كتاب يلتقي بتجربة إنسانية جديدة، ومع كل تجربة يعيد النظر في مسار حياته وأسئلته ومعانيه. ربما لهذا السبب لا تنتهي علاقتنا بالكتب عند قراءة واحدة. فنحن نعود إليها لأننا نعود إلى أنفسنا، ولأن وعينا يتغير مع الزمن، فتتكشف لنا في النصوص معانٍ لم نكن نراها من قبل.

يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة حين يقول: "لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّم واكتساب المعرفة وإنتاج معنى لحياته." الإنسان سيظل دائمًا يبحث عن معنى لحياته، وسيظل يجد في الكتب أحد الطرق الجميلة لهذا البحث.

ولهذا ليست القراءة هروبًا من الحياة، بل طريقة لفهمها بعمق أكبر.

حين نقرأ كتابًا من هذا النوع لا نشعر أننا أمام نص مغلق، بل أمام تجربة إنسانية مفتوحة تدعونا إلى التفكير. وكأن الكاتب لا يقدم لنا أجوبة جاهزة، بل يضع بين أيدينا خيطًا رفيعًا من المعنى، ويدعونا إلى أن ننسج منه قصتنا نحن. هكذا تصبح القراءة، في أعمق معانيها، رحلة لفهم الإنسان، الإنسان الذي يبدأ بفهمه هو دائمًا نفسه.

***

عبد الرحمن مزيان - كاتب مغربي

 

في المثقف اليوم