قراءة في كتاب
حنون مجيد: تعدد مباني الشكل السردي في "سدنة المعنى"
يطالعنا الكاتب القدير الدكتور جمال العتابي بكتاب جديد عنوانه (سدنة المعنى ـ مدوّنات عراقية في السيرة). يتضمن هذا الكتاب سيرة أكثر من خمسين شخصية عراقية أدبية وسياسية واجتماعية، في إطلالة مكينة كانت معادلة لمستوى موضوعاتها، وحققت معنا حضوراً طاغياً وانتماءً إنسانياً عالياً.
وكما هو معلوم فإن قيمة الكتاب، حامل الموضوعات، تتجلى غالباً في الموضوعات نفسها، وفي الأداة التي تكرّسها، وهذا هو ما يبحث عنه المتلقي المسؤول عن زمنه وحاجته وجدواه.
جاء الكتاب بمقدمة رصينة للدكتور جليل العطية، أسهم فيها في التعريف بصيغة الكتاب وقيمته، لنكتشف من بعد أن الموضوع الأول فيه، كان عن الشخصيّة الوطنية والعلمية الدكتور فيصل السامر، الذي عرفناه من خلال كتابه "ثورة الزنج"، وقدّم لنا الكاتب فيه رؤاه عن الثورة التاريخية التي قادها علي بن محمد، وما اعتورها من عوامل قاهرة أدت الى مقتله وفشلها.
ولأنّ الكتاب ضم بين دفتيه موضوعات جمة بأجناس مختلفة تنوعت في الصورة التعبيرية، بين السيرة الغيرية والمذكرات والذكريات والانطباعات، فهو كتاب يحتفظ بهويته الخاصة التي هي كل هذا.
كذلك لأنه على هذا التشكيل الموضوعي المتعدد، تباينت مستوياته الفنية، من ذلك ما كان عليه موضوعان عن الشهيد كامل شياع، أفردهما له الكاتب في تفاعل حار، هو في الحقيقة سمة تفاعله مع موضوعاته الأخرى.
في هذا الكتاب تعرفنا على أسماء لم نكن عرفناها بما يكفي، أو لم نسمع بها مثل غيرها، ما يدل على سعة إطلاع الكاتب وتنوع مصادره المعرفية.
كذلك لم يكن نهجه في مداولة مادته نهجاً تعريفياً بالأسماء والموضوعات، بل كان نهجاً تفاعلياً مع الموضوع ومحاوراً نقدياً له أو لصاحبه، معززاً رأيه هذا، سواء بنعم أو بلا، بدلائل تاريخية عادلة ومقنعة.
ويمكن القول إن هذا الكتاب من الكتب "الحرّة" إذا أخذنا بنظر الاعتبار تباين منطلقات كتّابه واهتماماتهم الثقافية والفكرية والسياسية، وغير ذلك مما تنطوي عليه شخصيات بلد ما، من تباين واختلاف في الرؤى والانتماءات والأهواء.
فمن فيصل السامر المؤرخ النابه، وكان أول موضوعات الكتاب، إلى كامل شياع ذي الانتماء اليساري المحدد الواضح، إلى هاني فحص المعمم ذي الاتجاه الديني أو المذهبي الاسلامي المعتدل، إلى أبي شمخي حارس مطبعة الروّاد، كانت تتناوب علينا شخصيّات عميقة الأثر في حدودها وحقيقتها من أمثال: مكرم الطالباني، هديب الحاج حمود، محمد سلمان حسن، عزيز شريف، كاظم حبيب، عبد الجليل الطاهر، علي جواد الطاهر، إبراهيم السامرائي، علي الوردي، مهدي المخزومي، كمال مظهر، حسين قاسم العزيز، هاشم الطعان، مؤيد نعمة، شمران الياسري، عبد المطلب صالح، رشدي العامل وعشرات غيرهم، ممن يمثلون النخب العراقية الوطنية على مختلف الاتجاهات والاختصاصات.
ولعل ما يجدر قوله أو تأكيده؛ إن المؤلف كان يتنقل بين ظلال هذه الشخصيات من دون أن يؤثر شخصية على أخرى، ذلك لأن سيادة الروح الوطنية هي المنهج الفاعل للكتاب.
وأغلب الظن فإن الكاتب العتابي، قد بلغ غايته ليس في تقديم أسماء لامعة في النضال والثقافة والاقتصاد وغيرها فحسب، بل كذلك في إلقاء الضوء على أسماء وشخصيات غير معروفة مثل الأسماء التي جاورتها، لكنها كانت عميقة الأثر في مجالها برغم عملها الصامت الدؤوب.
تكمن أهمية هذا الكتاب وغيره من كتب سيرية ذاتية أو غيرية، في تعريف القارئ الشاب تحديداً، بشخصيات وطنية عظيمة الأثر في تاريخه القريب والبعيد، في مواجهة الموجة الصاخبة التي حرفت الاتجاه السليم نحو تنمية ثقافة عظيمة رصينة، إلى ما هو سريع وصاخب وزائل.
وهو ما انتبه إليه الكاتب في مقطع يقول فيه "على وفق هذه المستويات المتعددة يسود الاعتقاد ان عدداً من مثقفي اليوم يجهلون قراءة صفحات مهمة من تأريخنا الثقافي ومعرفة اسماء مبدعيه من سابقة في ميادين الأدب والترجمة والمعرفة".
جاءت لغة الكاتب طليّة دقيقة تناسب أديم موضوعاتها، وتغري على قراءتها، ما يعفيك أو يغنيك عن التوقف عند مادة دون أخرى لأهميتها جميعاً، وأبرز ما جادت به لغته هذه، حينما تصدّت للرحيل الفاجع لأخيه علاء حسن العتابي، في حرارة روحية دافقة ولوعة قلبية عميقة، ربما هي الأثر الأقوى مما يتخلف في نفس قارئ هذا الكتاب، الذي تجسّدت فيه كلمة الإنصاف في أدق تعبير.
***
حنون مجيد







