عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: المرأة.. المتهمة الأبدية

يقولون إن ثلاثة أرباع أهل النار من النساء؛ لأنها تعطرت، أو أزالت شعر حاجبيها.. ويقولون إن الملائكة لا تلعن المجرمين والقتلة والسفاحين والمغتصبين، ولا تستوقفها جرائم الظلم والقهر وسفك الدماء، لكنها تلعن المرأة التي ترفض الاستجابة لزوجها في الفراش

ويقولون إن المرأة فتنة، وإن صوتها عورة، وإن جسدها خطر على أخلاق المجتمع، وإن عليها أن تتوارى حتى لا تفسد طهارة الرجال، بينما لا يبدو أن أحدا منشغل بالقدر نفسه بتربية الرجل على ضبط غرائزه، أو بتعليمه أن المرأة إنسان كامل الأهلية، وليست مشروعا دائما لإرضائه أو إغوائه أو خدمته!

ويقولون إن المرأة ناقصة عقل ودين، لكنهم لا يتوقفون كثيرا أمام عقول تصنع الحروب، وضمائر تبرر المذابح، وأيد تسرق قوت الفقراء، وألسنة تكفر وتحرض وتستبيح دماء المختلفين

ويقولون إن المرأة تنقض الوضوء إذا مرت أمام المصلي، وتقرن في بعض الروايات بالكلب والحمار! وكأن وجودها في المجال البصري للرجل انتقاص من طهارته، وكأن أنوثتها خطر يتسلل إلى عبادته، لا إنسانا له عقل وروح وكرامة وحق في الوجود.

ويقولون إن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل، وإن ميراثها نصف ميراثه.. ويقولون عليها أن تطيع حتى حين لا تجد في الطاعة عدلا، وأن تصبر حتى حين يتحول الصبر إلى استنزاف لروحها، وأن تحتسب حتى حين تسلب أبسط حقوقها، وأن تتحمل، وأن تتنازل، وأن تغفر، وأن تخفض صوتها، وأن تخفي جسدها، وأن تقبل بما يفرض عليها

ويقولون إن الجنة تحت أقدام الأمهات، لكنهم لا يترددون في تهميش المرأة حين تكون ابنة أو زوجة أو صديقه.. التكريم المعلن للأم لا يمنع امتهان الإنسانة في بقية أدوارها.

ويقولون إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، ثم يتخذون من هذا التصور ذريعة لتبرير الوصاية عليها. ويبلغ اختلال النظرة إلى المرأة ذروته حين يجري وضعها على مقربة من الشيطان، وكأن الأنوثة من الخطيئة، وكأن المرأة تحمل في تكوينها بذرة الإغواء والشر. فيُقال إنها أكثر الفتن خطرا على الرجل، وإنها حبائل الشيطان، وإنها سبب غوايته وسقوطه

كيف أصبح جسد المرأة أكثر إثارة للقلق من جسد القاتل؟

 وكيف صار امتناعها عن رغبة رجل يستدعي اللعن، بينما لا تحظى كرامتها حين تغتصب أو تضرب أو تهان بالقدر نفسه من الغضب الأخلاقي؟

وأي تصور للعدالة هذا الذي ينشغل بتفاصيل مظهر المرأة أكثر مما ينشغل بجرائم الإنسان؟

وكم زوجة تعرضت للعنف وطلب منها الأهل الصبر؟

وكم مغتصبا وجد من يبرر له جريمته ويلقي باللوم على ملابس الضحية؟

 وكم امرأة ماتت تحت وطأة زواج قسري أو علاقة استبدادية، بينما كان الخطاب الأخلاقي مشغولا بمراقبة تفاصيل زينتها؟

فحين تصبح المرأة هي المشكلة في مجتمع يعج بالقتلة والظالمين، لا نكون أمام أزمة نساء، بل أمام أزمة وعي، وأزمة ضمير، وأزمة منظومة كاملة اختل فيها ترتيب الأولويات الأخلاقية

ولست معنية بالدفاع عن امرأة لأنها امرأة، بل عن الإنسان لأنه إنسان.. عن حقه في الكرامة والاختيار، وعن أخلاق لا تقيس الفضيلة بطول الثوب، ولا تقيس التقوى بامتلاك جسد الآخر، وإنما تقيسها بمقدار ما يحمله الإنسان من عدل ورحمة واحترام لحرية غيره.

فالمجتمع الذي يربي أبناءه على الخوف من عطر المرأة، ولا يربيهم بالقدر نفسه على احترام جسدها وحدودها وإرادتها، لا يصنع أخلاقا، بل يعيد إنتاج الوصاية. والمجتمع الذي يخشى من حاجب امرأة أكثر مما يخشى من عقل لا يفكر، أو ضمير لا يشعر، أو يد تمتد إلى جسد لا يملك صاحبه حق رفضها، يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهومه عن الفضيلة..

علموا ابنائكم ان المرأة إنسان لها الحق في جسدها وعقلها واختياراتها، ولا ينبغي أن تكون كرامتها رهنا بتأويل فقهي أو رضا اجتماعي

علموهم انه ليس من علامات التقوى أن تنشغل بمراقبة حاجبي امرأة، بينما تتغاضى عن يد تسرق، ولسان يحرض، وعقل يبرر الظلم

اننا أمام تاريخ طويل من اختلال ميزان النظر إلى الإنسان؛ تاريخ لم تكن المرأة فيه دائما موضوعا للمعرفة، بل موضوعا للوصايه.. ولم تكن ذاتا مستقلة بقدر ما كانت موضوعا للتعريف والتصنيف والتقويم والعقاب

اكتب هذا النص لاضع موضوع المرأه على طاوله التشريح وأناقش ذلك العقل الذي يتعامل مع الموروث البشري كما لو كان خارج التاريخ، ويمنح التأويلات القديمة حصانة من السؤال، ثم يطلب من المرأة أن تدفع ثمن هذه الحصانة من حريتها وكرامتها. فليس كل ما ورثناه حكمة، وليس كل ما تكرر عبر القرون حقيقة، وليس كل ما ارتدى ثوب القداسة قد تحرر من تحيزات البشر ومصالحهم وصراعاتهم الاجتماعية.

إنني أبحث عن أخلاق لا تقيس صلاح الإنسان بمقدار ما يخفيه من جسده، بل بمقدار ما يكشفه من عدل في ضميره. أخلاق لا تجعل المرأة مسؤولة عن شهوات الرجل، ولا تجعل الرجل وصيا على وجودها، ولا تمنح أحدا حق امتلاك جسد إنسان آخر باسم الدين أو العرف أو التاريخ

وما جدوى الحديث عن الجنة إذا كان الإنسان يصنع الجحيم لإنسان آخر على الأرض؟

أبحث عن منظومة قيم ترى في الاغتصاب جريمة لا تحتاج إلى تأويل، وفي الإكراه اعتداء لا يحتاج إلى تبرير، وفي إهانة المرأة انتهاكا لكرامة الإنسان، لا مجرد خلاف حول حدود الطاعة.

أريد عالما لا تحتاج فيه المرأة إلى الاعتذار عن كونها امرأة، ولا يحتاج فيه الرجل إلى امتلاكها كي يشعر برجولته، ولا يحتاج فيه الإنسان إلى التخلي عن عقله كي يثبت إيمانه.

فالمرأة ليست خطأ في خلق العالم يحتاج إلى تصحيح، وليست فتنة ينبغي أن يتفرغ المجتمع لمقاومتها، وليست كائنا ناقصا ينتظر اكتماله في ظل رجل.

إنها إنسان. وهذه الحقيقة البسيطة التي يفترض أن تكون بداية كل حديث عن الأخلاق.

***

ابتهال عبد الوهاب

في المثقف اليوم