عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أنور ساطع أصفري: زرادشت.. حين التقت الفلسفة بالتوحيد

وبدأ الصراع بين النور والظلام

قراءة نقدية في الجذور الفلسفية والأخلاقية للزرادشتية، ومفهوم الإله والخير والشر في الوعي الإنساني القديم.

لم يكن تاريخ الفكر الإنساني مجرد سلسلة من المعتقدات والأساطير التي حاول الإنسان من خلالها تفسير الظواهر الطبيعية، بل كان أيضاً رحلة طويلة للبحث عن الحقيقة، ومحاولة لفهم العلاقة بين الإنسان والكون والقوى التي تحكم الوجود.

فمنذ أن بدأ الإنسان يسأل عن أصل الحياة، وسبب الموت، ومصدر الخير والشر، أخذت الأسئلة الفلسفية والدينية تتشكل في وعيه، وتتحول تدريجياً إلى رؤى كبرى أثّرت في مسار الحضارات.

وفي قلب هذه الرحلة التاريخية يبرز اسم زرادشت، أو " زوروستر " كما عرفه اليونانيون، بوصفه أحد الشخصيات الفكرية والدينية الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ الشرق القديم. حيث ارتبط اسمه بتحول عميق في المعتقدات الإيرانية القديمة، من تعدد الآلهة والقوى المقدسة إلى مركزية إلهية تتمثل في أهوره مزدا، رب الحكمة، وإلى تصور أخلاقي للوجود يقوم على الصراع بين الحقيقة والباطل، والخير والشر.

لكن أهمية زرادشت لا تكمن فقط في دعوته الدينية، بل في الأسئلة التي طرحها حول طبيعة الوجود، ومسؤولية الإنسان، والحرية الأخلاقية، ومصير العالم.

لقد وضع الإنسان أمام معادلة تتجاوز الطقوس والشعائر " هل يستطيع الإنسان أن يكون شريكاً في انتصار الخير، أم أنه مجرد كائن خاضع لقوى لا يملك السيطرة عليها "؟.

إن العودة إلى زرادشت ليست استعادة لتاريخ ديني منسي، بل محاولة لفهم واحدة من المحطات المبكرة التي التقت فيها الرؤية الدينية بالتفكير الفلسفي والأخلاقي.

يصعب تحديد التاريخ الدقيق لحياة زرادشت، كما لا يوجد اتفاق نهائي بين الباحثين حول المكان الذي عاش فيه. وتضعه تقديرات أكاديمية مختلفة في نطاق زمني واسع، يمتد من الألفية الثانية قبل الميلاد إلى القرون الأولى من الألفية الأولى قبل الميلاد.

ومع ذلك، فإن الأهمية التاريخية لا تتوقف على تحديد سنة ميلاده، بل على طبيعة التحول الذي ارتبط برسالته.

كانت المعتقدات الإيرانية القديمة تضم مجموعة من الآلهة والقوى المقدسة، وكانت الطقوس والتضحيات تحتل مكانة بارزة في الحياة الدينية، وفي هذا السياق ظهرت رؤية زرادشت التي رفعت مكانة " أهوره مزدا "، ووضعت الحكمة والحقيقة والنظام الأخلاقي في مركز العلاقة بين الإنسان والكون.

لم يعد الإيمان مجرد ممارسة طقسية أو محاولة لاسترضاء القوى الغيبية، بل أصبح مرتبطاً بموقف أخلاقي وفكري من الحياة.

وهنا تظهر إحدى أهم الإضافات التي يمكن أن ننسبها إلى الفكر الزرادشتي " نقل مركز الثقل من الطقس الديني وحده إلى الاختيار الأخلاقي، ومن الخضوع للقوى الغيبية إلى مسؤولية الإنسان عن أفعاله ".

إن الإنسان في هذه الرؤية ليس كائناً هامشياً في الكون، بل يمتلك دوراً في تحديد الاتجاه الأخلاقي للحياة.

يمثل مفهوم أهوره مزدا أحد أهم المفاتيح لفهم الزرادشتية. فالاسم يشير إلى الرب الحكيم، ويرتبط بالحكمة والمعرفة والخلق والنظام والعدل.

لقد وضع زرادشت أهوره مزدا في مرتبة عليا، بوصفه مصدر الحقيقة والخير والحكمة، ورفض أن تكون القوى التي تمثل الكذب والفساد مساوية له في القيمة الأخلاقية.

وهنا يواجهنا سؤال فلسفي مهم:

هل كان زرادشت من أوائل أصحاب الرؤية التوحيدية في تاريخ الإنسان؟.

يمكن القول إن رؤيته تحمل ملامح توحيدية واضحة، خصوصاً في المكانة العليا التي منحها لأهوره مزدا، لكن المسألة أكثر تعقيداً من إطلاق حكم نهائي.

ففي نصوص " الغاثا "، وهي الأناشيد القديمة المنسوبة إلى زرادشت، تظهر مفاهيم روحية وأخلاقية متعددة، من بينها الأرواح المتقابلة ومبدأ الحقيقة ومبدأ الكذب.

ولذلك يرى بعض الباحثين أن الزرادشتية تمثل شكلاً خاصاً من التوحيد، بينما يؤكد آخرون أن الثنائية الروحية والأخلاقية عنصر أساسي في بنيتها.

إن أهمية هذه المسألة لا تكمن في تصنيف الزرادشتية داخل خانة التوحيد أو الثنائية فحسب، بل في فهم السؤال الذي حاولت الإجابة عنه، إذا كان الإله مصدر الخير والحكمة، فمن أين يأتي الشر؟.

هذا السؤال سيصبح لاحقاً واحداً من أكثر الأسئلة تعقيداً في الفلسفة الدينية.

ربما كانت أكثر الأفكار إثارة في فلسفة زرادشت هي رؤيته للصراع بين الخير والشر.

فالعالم وفق هذه الرؤية، ليس فضاءً محايداً يخلو من الصراعات الأخلاقية، بل ساحة تتقابل فيها الحقيقة والباطل، والنظام والفساد، والنور والظلام.

وتبرز في الفكر الزرادشتي فكرة الروحين المتقابلتين، اللتين ترتبطان بالاختيار بين الخير والشر. وفي التطورات اللاحقة للعقيدة الزرادشتية، تبلور هذا التصور بصورة أكثر وضوحاً في المواجهة بين " أهورامزدا وأهريمان "، روح الشر والتدمير.

لكن من الضروري التمييز بين الصياغة المبكرة في الغاثا والتصورات اللاهوتية التي تطورت بعد ذلك بقرون.

ففي الرؤية المبكرة لا ينبغي التعامل مع الخير والشر باعتبارهما مجرد قوتين متساويتين تتصارعان على السيطرة، بل باعتبارهما اتجاهين أخلاقيين يتحدد موقع الإنسان منهما عبر اختياراته.

وهنا يطرح زرادشت سؤالاً يتجاوز عصره " هل الشر قدر مفروض على الإنسان، أم أنه نتيجة خيارات وسلوكيات ومواقف يمكن مساءلته عنها "؟.

إن الإجابة التي تحملها هذه الرؤية تمنح الإنسان مسؤولية أخلاقية كبيرة، وتجعله طرفاً في معركة الخير والشر، لا مجرد شاهد عليها.

من أكثر المبادئ شهرة في التراث الزرادشتي المبدأ الثلاثي:

الأفكار الصالحة، والأقوال الصالحة، والأعمال الصالحة.

قد يبدو هذا المبدأ بسيطاً في ظاهره، لكنه يحمل رؤية متكاملة لطبيعة الإنسان.

فالفكر هو نقطة البداية، والكلمة هي التعبير عن الموقف الداخلي، والعمل هو الاختبار الحقيقي للقيمة الأخلاقية.

لا يكفي أن يعلن الإنسان إيمانه بالخير، بينما تتناقض أفعاله مع ما يعلنه، ولا تكفي الكلمات الجميلة إذا كانت تخفي وراءها نيات فاسدة وممارسات ظالمة.

إن هذه الفلسفة تضع وحدة الفكر والقول والعمل في مركز الأخلاق الإنسانية.

وإذا أسقطنا هذا المبدأ على واقعنا المعاصر، فإننا نجد أنفسنا أمام سؤال بالغ الأهمية:

كم من الأفراد والمؤسسات والأنظمة ترفع شعارات العدالة والحرية والكرامة، بينما تمارس في الواقع ما يناقض هذه القيم؟.

إن الفجوة بين ما نفكر به، وما نقوله، وما نفعله، ليست مشكلة أخلاقية فردية فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى أزمة ثقافية وسياسية واجتماعية.

ومن هنا تتجاوز أهمية المبدأ الزرادشتي حدود زمنه، ليصبح معياراً نقدياً يمكن استخدامه في تقييم السلوك الإنساني والمؤسسات التي تدّعي تمثيل القيم.

من الجوانب المهمة في الرؤية الزرادشتية أن الإنسان يمتلك القدرة على الاختيار بين طريقين " طريق الحقيقة والخير، وطريق الكذب والشر ".

وهذا الاختيار ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو أساس المسؤولية الأخلاقية.

فالإنسان لا يُقاس بما ينتمي إليه من جماعة، أو بما يعلنه من معتقدات فقط، بل بما يختاره من مواقف وأفعال.

وهنا تظهر قيمة فكرية تستحق التأمل ( الحرية ليست مجرد امتلاك القدرة على فعل ما نشاء، وإنما امتلاك القدرة على التمييز بين ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله ).

إن هذه الفكرة تفتح الباب أمام مفهوم المسؤولية الفردية، وتضعف منطق تبرير الشر بإلقاء المسؤولية دائماً على الآخرين أو على الظروف أو على القوى الخارجية.

لكنها تثير في الوقت نفسه سؤالاً فلسفياً عميقاً:

إذا كان الإنسان حراً في الاختيار، فما حدود مسؤوليته عندما يعيش في مجتمع يفرض عليه الفقر أو الاستبداد أو الجهل أو الخوف؟.

وهذا سؤال لم يفقد أهميته حتى يومنا هذا.

لا يمكن فهم الفكر الزرادشتي دون التوقف عند مفهوم «أشا»، الذي يرتبط بالحقيقة والنظام والاستقامة والانتظام الكوني.

فالحقيقة ليست مجرد معلومة صحيحة في مواجهة معلومة خاطئة، بل مبدأ ينظم العلاقة بين الإنسان والعالم.

إن احترام الحقيقة يعني احترام النظام الأخلاقي والكوني، بينما يمثل الكذب والفساد خروجاً عن هذا النظام.

ومن هنا يمكن فهم الصلة بين الدين والأخلاق والطبيعة في الرؤية الزرادشتية.

فالعالم ليس مجرد مادة صامتة، والإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن مصالحه الشخصية، بل توجد علاقة بين السلوك الإنساني وسلامة النظام العام.

وهذا التصور يمنح الطبيعة قيمة أخلاقية، ويجعل المحافظة عليها جزءاً من احترام النظام الذي يقوم عليه الوجود.

وفي زمن تتعرض فيه البيئة للتلوث والتدمير والاستنزاف، يمكن قراءة هذه الفكرة باعتبارها تذكيراً مبكراً بأن الإنسان ليس مالكاً مطلقاً للطبيعة، وإنما مسؤول عن علاقته بها.

من الصعب الحديث عن الزرادشتية دون التطرق إلى موقعها في تاريخ الأديان، ولا سيما ما يتعلق بأفكار الحساب بعد الموت، والثواب والعقاب، والبعث، والقيامة، والمخلّص المنتظر، وانتصار الخير في نهاية التاريخ.

لقد تطورت هذه المفاهيم في التراث الزرادشتي عبر مراحل تاريخية متعددة، وظهرت بعض صيغها بوضوح في النصوص الدينية الإيرانية اللاحقة.

وتثير هذه الأفكار اهتمام الباحثين عند مقارنتها بما ظهر في التقاليد الدينية الأخرى، خصوصاً في الشرق الأدنى القديم.

لكن ينبغي التعامل مع مسألة التأثير بحذر علمي، فالتشابه بين فكرتين لا يثبت بالضرورة أن إحداهما اقتبست من الأخرى. كما أن تحديد مسارات انتقال الأفكار يحتاج إلى أدلة تاريخية ونصية، وليس إلى مجرد المقارنة بين المعتقدات.

ومع ذلك، فإن التفاعل التاريخي بين المجتمعات الإيرانية واليهودية وغيرها من مجتمعات الشرق القديم يجعل دراسة هذه الصلات أمراً مهماً لفهم تطور الفكر الديني.

والأهم من ذلك أن الزرادشتية قدمت تصوراً متكاملاً نسبياً عن مصير الإنسان والعالم، يقوم على فكرة أن الشر ليس الكلمة الأخيرة في التاريخ، وأن انتصار الخير يمثل أفقاً نهائياً للوجود.

قد يتساءل البعض: ما الذي يمكن أن يقدمه فكر نشأ قبل آلاف السنين لإنسان يعيش في عصر الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والعولمة، والتحولات السياسية والاقتصادية؟.

والإجابة أن قيمة الفلسفات القديمة لا تقاس بقدرتها على تقديم حلول تقنية لمشكلات العصر، بل بقدرتها على إبقاء الأسئلة الكبرى حية في العقل الإنساني.

فزرادشت يضعنا أمام أسئلة لا تزال مفتوحة:

كيف يمكن للإنسان أن ينتصر للحقيقة في عالم تتزايد فيه وسائل التضليل؟.

كيف يمكن التوفيق بين الإيمان بالقيم وممارسة السلوك الأخلاقي؟.

كيف يتحول الخير من شعار إلى ممارسة يومية؟.

وهل يمكن بناء مجتمع عادل إذا انفصلت المعرفة عن المسؤولية، والسلطة عن الأخلاق؟.

إن هذه الأسئلة تكشف أن الأزمة الإنسانية ليست دائماً أزمة نقص في المعرفة، بل قد تكون أزمة في توظيف المعرفة وفي غياب الضمير الأخلاقي.

فقد يمتلك الإنسان وسائل هائلة للسيطرة على الطبيعة، لكنه يظل عاجزاً عن السيطرة على نزعات الجشع والهيمنة والتعصب إذا لم يمتلك منظومة أخلاقية تحكم سلوكه.

وهنا تتجدد أهمية المبدأ الزرادشتي الذي يربط الأفكار بالأقوال والأعمال، لأن المعرفة التي لا تنتج مسؤولية، قد تتحول إلى أداة للسيطرة والتدمير بدلاً من أن تكون وسيلة للتحرر والتقدم.

إن زرادشت ليس مجرد اسم في سجل الأديان القديمة، ولا مجرد شخصية تاريخية ارتبطت بتأسيس الزرادشتية، بل يمثل محطة مهمة في تطور الوعي الإنساني، حين بدأ السؤال عن الإله يتصل بصورة أكثر وضوحاً بالسؤال عن الخير والشر، وحين أصبحت مسؤولية الإنسان عن اختياراته جزءاً أساسياً من فهمه لوجوده.

لقد حاولت رؤيته أن تمنح العالم معنى أخلاقياً، وأن تجعل الحقيقة قيمة مركزية، وأن تضع الإنسان أمام مسؤولية المشاركة في انتصار الخير.

لكن التاريخ الإنساني يكشف مفارقة مؤلمة \ كلما تطورت المعرفة والعلوم، لم يتراجع الشر بالضرورة، وكلما اتسعت قدرة الإنسان على السيطرة على العالم، لم تتسع بالقدر نفسه قدرته على ضبط غرائزه ومصالحه ونزعاته التدميرية \.

فهل تكمن مشكلة الإنسان في جهله بالحقيقة، أم في معرفته بها ورفضه الالتزام بمقتضياتها؟.

وهل يستطيع المجتمع أن يدّعي الإيمان بالخير بينما يبني مؤسساته على الظلم، ويجعل الكذب وسيلة للسلطة، والإنسان رقماً في حسابات المصالح؟.

إن أعظم ما يمكن استخلاصه من التجربة الزرادشتية ليس مجرد ثنائية النور والظلام، بل ضرورة أن يتحول الإيمان بالقيم إلى مسؤولية عملية، وأن يصبح العقل شريكاً في بناء الأخلاق، لا تابعاً للخرافة أو المصالح.

فالنور لا ينتصر بمجرد الحديث عنه، والحق لا يصبح حقيقة اجتماعية لمجرد ترديده، والخير لا يكتسب قيمته من الشعارات التي ترفعه، وإنما من الأفعال التي تجسده.

وربما كان السؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحاً أمام كلّ متابع، هو:

إذا كان الإنسان قد عرف منذ آلاف السنين أن طريق الخير يبدأ من الفكر، ويمر بالكلمة، وينتهي بالفعل، فلماذا ما زال عاجزاً عن جعل هذا الطريق أساساً لتنظيم حياته ومجتمعاته؟.

ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي تركه لنا التاريخ، وهو أيضاً السؤال الذي يجعل العودة إلى زرادشت أكثر من مجرد استذكار لفيلسوف أو نبي من الماضي، إنها عودة إلى الإنسان نفسه، وإلى الصراع الذي لم ينتهِ بعد بين ما يؤمن به وما يمارسه.

‫***

د. أنور ساطع أصفري

في المثقف اليوم