عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: فلسفة الشهرة.. حين يصبح الآخر مرآة لوجودنا

هناك شيء غامض في الإنسان يجعله لا يكتفي بأن يكون موجودا، بل يريد أن يعرف أن وجوده قد وصل إلى أحد.

كأن الحياة، مهما اتسعت داخلنا، تظل ناقصة ما لم نجد عينا أخرى ترى هذا الوجود، وعقلا يتوقف عند أفكارنا، وذاكرة تحفظ شيئا من أثرنا.

 نحن لا نريد دائما أن نكون عظماء.. أحيانا كل ما نريده هو ألا نعبر هذا العالم كأننا لم نكن

ربما لهذا لا تكون الشهرة، في جوهرها مجرد رغبة في الظهور.

إنها في بعض صورها صرخة وجودية خفية تقول:

أنا هنا... هل يراني أحد؟

فالإنسان لا يعيش داخل ذاته فقط، بل يعيش أيضا داخل نظرات الآخرين. نحن نعرف أنفسنا جزئيا من خلال الطريقة التي يستقبلنا بها العالم.

منذ اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه مرئي، يبدأ سؤال الاعتراف في التشكل داخله.

الطفل يبحث عن عين أمه، والعاشق يبحث عن نظرة تقول له: أنت مهم، والكاتب يبحث عن قارئ، والفنان عن متلقي، والمثقف عن مجتمع يسمع صوته.

تتغير الوجوه والمنصات والأشكال، لكن الحاجة القديمة تظل واحدة:

وهذا ما جعلني اطرح هذه الأسئلة

هل الشهرة رغبة في الاعتراف، أم محاولة لتعويض شعور عميق بعدم القيمة؟

هل نريد أن نكون معروفين، أم نريد أن نشعر بأن وجودنا له قيمة؟

وهل يمكن للكاتب والمثقف أن يستمتع بأن يراه الآخرون، دون أن يتحول إلى عبد لهذه النظرة؟

فقد تكون الشهرة نتيجة طبيعية للإنجاز حين يجد العمل الجيد طريقه إلى الناس. وقد تكون أيضا محاولة لترميم صورة مهزوزة للذات حين يصبح عدد المتابعين، وحجم الحضور، وكثرة الإعجابات هي المقياس

اعتقد ان الإنسان الذي يبحث عن الاعتراف لا يريد دائما أن يكون عظيما؛ أحيانا يريد فقط ألا يكون منسيا.. هو يريد أن يعرفه الناس لأنه قدم شيئا يستحق المعرفة

هو لا يريد أن يعيش فقط، بل يريد أن يعترف العالم بأنه عاش  وحقق انجازات

يريد أن يعترف الآخرون بحضوره، بجهده، بأفكاره، بموهبته، وبقصته.

وهناك من يحتاج إلى أن يعرفه الناس كي يشعر أنه يستحق الوجود.. وهنا تتحول الشهره الي سجن

نعم فالمشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراف من إضافة إلى الذات إلى شرط لوجود الذات.

حين يصبح الكاتب عاجزا عن الكتابة إذا لم يقرأه أحد.

وحين يصبح المثقف مضطرا إلى إثارة الضجيج كي يتأكد أنه ما زال حاضرا.

وحين يتحول عدد الإعجابات إلى مقياس للقيمة الفكرية.

وحين يصبح الصمت مؤلما لا لأنه صمت، وإنما لأنه يعني في وعينا أن أحدا لم ينتبه إلينا.

واعتقد ان المثقف أكثر عرضة لهذه المفارقة.

فهو يعمل في مجال لا يمكن قياسه دائما بالنتائج المباشرة. قد يكتب كتابا لا يقرأه أحد، أو مقالا لا يثير ضجة، أو فكرة تحتاج إلى سنوات قبل أن تجد طريقها إلى الوعي العام.

لذلك فإن الاعتراف بالنسبة إليه قد يكون مغريا بصورة خاصة.

أن يرى اسمه في الصحف.

أن يدعى إلى المؤتمرات.

أن يشار إلى أفكاره.

أن تقتبس عباراته.

أن يعرفه الناس.

كل ذلك ليس عيبا في ذاته.. لكن الخطر يبدأ حين يصبح المثقف أسيرا للصورة التي صنعها الآخرون عنه

وهذه لحظة خطيرة في حياة الفكر.

لأن المثقف الذي يكتب من أجل الحفاظ على صورته، لا يصبح حرا تماما.

قد يتجنب فكرة لأنه يخشى خسارة جمهوره.

وقد يكرر نفسه لأن الجمهور يحب النسخة القديمة منه.

وقد يتحول إلى أسير لعبارته الأشهر، أو كتابه الأكثر نجاحا، أو صورته التي صنعتها عنه وسائل الإعلام.

وهنا تتحول الشهرة من نافذة إلى قفص. او سجن

وجهه نظري أننا نحتاج إلى الآخرين، لكننا لا ينبغي أن نمنحهم مفاتيح صورتنا عن أنفسنا

للأسف العالم الرقمي جعل كل شيء قابل للقياس

المتابعون، المشاهدات، التعليقات، المشاركات، الإعجابات.. الانتشار

نعم قد تنتشر الفكرة لأنها بسيطة.

وقد تنتشر لأنها صادمة.

وقد تنتشر لأنها تثير الغضب.

وقد تمر فكرة عميقة بصمت طويل، ثم يأتي زمنها بعد سنوات.

ولهذا فإن ربط القيمة بالانتشار قد يكون واحدا من أكثر أوهام عصرنا قسوة

ربما الحل لا يكمن في أن نتخلى عن الشهرة، فهذا غير واقعي ولا مطلوب.

ولا يكمن في أن نتظاهر بالزهد فيها بينما نفرح بها سرا.

النضج أن نعرف مكانها الصحيح في حياتنا.

أن نفرح حين يصل عملنا إلى الناس، دون أن نربط قيمتنا بعدد الذين وصل إليهم.

أن نحب التقدير، دون أن نموت إذا غاب.

أن نسمح للآخرين بأن يرونا، دون أن نعطيهم الحق في تحديد من نكون.

أن نقبل النقد دون أن يهدد هويتنا.

وأن نحتفل بالنجاح دون أن يحول النجاح ذواتنا الي ذوات متضخمه

نعم نحتاج إلى أن يحبنا الآخرون، لكن لا ينبغي أن نكره أنفسنا حين لا يحبوننا.

نحتاج إلى أن يقرأنا الآخرون، لكن يجب أن تكون لدينا الشجاعة لتقبل النقد ومراجعة الأفكار

ربما ليست المسألة في أن يعرفنا العالم كله.

ربما يكفي أن نجد بعض العيون التي ترى حقيقتنا دون ضجيج.

بعض العقول التي تفهم ما نحاول قوله.

بعض الأرواح التي تشعر بأن وجودنا أضاف شيئا إلى وجودها.

وفي وجهه نظري ليست الشهرة هي أن يعرفك الجميع

الشهرة الحقيقية أن تترك في هذا العالم شيئا لا يموت تماما حين يغيب اسمك.

أن تكتب فكرة تجعل إنسانا يعيد التفكير.

أن تقول كلمة تمنح شخصا شجاعة.

أن تفتح نافذة في جدار مغلق.

أن تجعل عقلا أكثر حرية، وإنسانا أكثر قدرة على الاختيار، وحياة أكثر احتمالا.

فقد ينسى العالم اسمك، لكنه لا ينسى دائما ما غيرته فيه.

وهنا فقط يتحرر الإنسان من حاجته لأن يقول:

أنا مشهور، إذن أنا موجود.

الشهرة قد تمنح الإنسان حضورا في ذاكرة الناس، لكن الفكر وحده يستطيع أن يمنحه حضورا في وعيهم.

يكفي أحيانا أن نكون قد أضفنا إلى هذا العالم فكرة لم تكن موجودة، أو سؤالا لم يكن مطروحا، أو شجاعة في قلب إنسان، أو نافذة في عقل احدهم

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم