عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علاء جواد كاظم: ازمة الفهم والمعنى في عصر القراءة الرقمية

تعد أزمة القراءة والفهم في العصر الرقمي مشكلة حقيقية، لأنها لم تعد أزمة نقص في المعلومات، بل أزمة في كيفية التعامل مع هذا الانفجار المعلوماتي الكبير، وبمعنى اخر، نحن لا نعيش في أزمة قراءة، بل أزمة فهم ومعنى للقراءة.

فالحصول على أي محتوى يكون بمجرد ضغطت زر عبر أي منصة رقمية. ومع ذلك، حاليا نواجه تحديا وتراجعا حقيقيين في الفهم والقدرة على انتاج المعرفة، لان المشكلة الحقيقية ليست في قلة القراءة، بل في طبيعة واسلوب القراءة ذاتها. وتكمن أزمة القراءة والمعرفة في العصر الرقمي في عدة محاور رئيسية، وهي:

اولا: التصفح السريع مقابل القراءة العميقة: تحول الاسلوب السائد للقراءة لدى غالبية الافراد من التأني والتأمل الى القراءة السطحية السريعة. فالقراءة العميقة او المتأنية تفعل روابط عصبية متنوعة تتضمن الانتباه، والذاكرة العاملة، والتخيل، والاستدلال، مما يسهم في بناء تمثيلات معرفية اكثر تعقيدا داخل الدماغ البشري. اما القراءة السطحية السريعة - التي يمارسها الغالبية على منصات التواصل الاجتماعي – تركز على استهلاك العناوين والمحتوى السريع والمختصر، مما يسبب تشتيت الانتباه لدى الافراد، وبالتالي فقدان القدرة على التركيز وزيادة الفهم.

ثانيا: كثرة المعلومات على حساب المعرفة: أصبح هناك خلط كبير بين تجميع المعلومات وبين انتاج المعرفة، بأعتبار أن المعلومات مادة خام، وعبارة عن بيانات متناثرة. اما المعرفة فهي عملية معالجة لهذه المعلومات، وتحليلها وتطبيقها في سياقات واقعية لأنتاج رؤى وافكار جديدة. وعليه، فأن الفرد في الوقت الراهن بات غير قادر على التمييز بين المعلومة والمعرفة، وبالتالي أصبح الكثير منا مستهلكين جيدين للمعلومات، لكننا متعثرين في انتاج المعرفة.

ثالثا: حرية النشر: في الماضي، كانت المعرفة تنتج عبر مراحل مختلفة تبدأ من التحرير والنقد والتنقيح، وتمر عبر لجان علمية ومتخصصة لغرض التأكد من محتواها المعرفي. اما اليوم ومع سهولة النشر في المنصات الرقمية، اختلط الصحيح بالخاطئ والجيد بالرديء، وأصبح التحدي الكبير ليس في ايجاد محتوى منشور، بل في تنقية المكتوب الجيد من "الحطام الرقمي".

رابعا: وهم المعرفة: يعتقد الكثير من افراد المجتمع أن كثرة التصفح والاطلاع على المنشورات في هذه المنصات الرقمية يسهل اكتساب المعرفة وزيادة الفهم، لكن هذا الاسلوب في الحقيقة لا يساعد على القراءة الصحيحة، ولا على الفهم والتحليل. فالانسان قد يعتقد أنه يفهم لمجرد شاهد عشرين فيديو قصيرا او تصفح عشرة منشورات مختلفة، وعندما يطلب منه لاحقا شرح الفكرة، نكتشف أنه لا يستوعبها، وهذا يتطابق تماما مع ظاهرة تاثير (دانينغ كروجر) بخصوص وهم الفهم والتفسير.

وفي هذا المنظور، تعمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي على تقديم ما يوافق توجه القارئ من خلال مستشعرات ذكية لسلوكه، مما يحرمه من التعرض لافكار مغايرة او مضادة. هذا التحول في اسلوب القراءة يحول الفرد من التحرر الفكري الى الوقوع في فخ التحيز والانغلاق على الذات.

نحو حل الازمة، بما أن المعرفة ليست كمية كبيرة من المعلومات، وانما هي بناء ذهني يمنح الفرد القدرة على تحليل وتفسير العالم واتخاذ القرار، فلابد من تدريب العقل على تعلم القراءة النقدية، وتقييم المصادر والتحقق منها، والتفكير التأملي، والتعليم على كيفية انتاج معرفة اصيلة لا مجرد استهلاكها.

ففي زمن الادوات الرقمية الذكية، لم تعد المشكلة في الحصول على المعرفة، ولا مستقبل المجتمعات تحدده وفرة المعلومات التي تمتلكها، بل في قدرتها على تحويل تلك المعلومات الى فهم، وتحويل الفهم الى معرفة، وتحويل هذه المعرفة الى حكمة قادرة على بناء الانسان. وهو ما يستدعي منا النظر الى القراءة كمهارة تفكير عليا، لا مجرد وسيلة لفك الرموز اللغوية.

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم