قضايا
سجاد مصطفى حمود: أقدامٌ عارية على جمر الوداع

كل شيءٍ يبدأ حين ننسى أن الحياة ليست مجرد رحلة عبور، بل هي مسرحٌ مفتوحٌ على مجهول لا نهائي، حيث لا توجد مسارح ثابتة ولا أضواء ثابتة، ولا حتى ملامح نستطيع أن نأخذها معنا في الزمان.
كنتُ أركض في تلك الشوارع المظلمة التي تتمايل تحت وقع قدمي، كل خطوةٍ على الأرض كانت بمثابة صرخةٍ مكتومة في أذن الزمان، لكنني كنت أركض مع ذلك. كلما تحركت، كنت أشعر كأنني أتقدم في دائرة مغلقة، حيث تتقاطع الأسئلة، وتتصادم الإجابات، وتظل الحقيقة مختفية في نقطة ما خلف الأفق. كانت المدينة تشهد انحدارًا واضحًا نحو العدم، كأنها تدور حول نفسها بلا وجهة، وكأنني أنا الآخر كنت جزءًا من هذا الدوران، جزءًا لا أستطيع الفرار منه. أما السماء، فقد كانت غائمة بشكل غير طبيعي، كأنها كانت على وشك الانفجار.
وفي كل مرة كانت الرياح تعصف بي، شعرت بها تجذبني إلى المجهول، كانت تحمل في طياتها همساتٍ خافتة، همسات كانت تذكرني بأنني أركض، لكن لا أرى الهدف، ولا أعرف إلى أين سأصل.
أنت لست سوى تفصيلٍ في منظومة الكون، رقعة شطرنج تُحركها الأقدار، لكنك تُؤمن طوال الوقت بأنك صاحب القرار.
كانت هذه الكلمات تتردد في عقلي، كأنها إيقاع متسلسل من أصداء متناقضة. فكلما حاولت أن أُمسك زمام الأمور، كلما شعرت بأنني أبتعد عنها أكثر. كنت أركض، لكنني كنت أركض نحو اللاشيء، نحو فخاخٍ نصبها الزمن لي. وفي هذا الصراع الأبدي مع الأيام، كنت أعود إلى نفس النقطة التي بدأت منها: نحن مجرد قطع على رقعة شطرنج. تظن أنها لعبةٌ في يدك، لكن في الحقيقة أنت مجرد لاعب يتنقل وفق قوانين لا تتحكم فيها.
كلما تعثرت في مسار حياتي، تذكرت كيف أن الأقدار تمسك بكل خطوة نخطوها، وكل تفاعلٍ مع العالم حولنا هو مجرد نتيجة لشيء أكبر من إرادتنا. بينما أركض في الشوارع المظلمة، يتسلل شعورٌ غريب إلى داخلي، شعورٌ بأنني مجرد شخصية في رواية كُتبت قبل أن أُولد، وأنني لا أملك سوى الانتظار.
لم أعد أفهم: هل الحياة حقلٌ لزرع الأمل، أم أنها مجرد تربة خصبة للخذلان؟
هل كان هذا هو السؤال الذي كان يطاردني طوال تلك الأيام؟ كانت الأيام تمر وكأنها سنوات، وكل لحظة كانت تزرع بداخلي بذورًا من الأسئلة التي لا تُقابلها إجابات. كنت أظن أنني أبحث عن الأمل، لكنني اكتشفت أنني في الواقع كنت أبحث عن الضوء في نفقٍ مظلم. كنت أزرع في نفسي حلمًا، لكن تربة قلبي كانت قاحلة، لا تنبت فيها سوى الآلام. كنت أؤمن بأن المستقبل يحمل لي الأمل، لكن في كل مرة كنت أرى نفسي أغرق في الفوضى التي صنعتها يداي.
وكلما حاولت أن أبحث عن طريقة للخروج، كلما شعرت بأنني أغرق أعمق وأعمق. كانت تلك اللحظات هي الأسوأ، لأنك تعلم أنه لا مفر، ولا مخرج. كنت أعتقد أن الأمل هو الحبل الذي سيمسك بي، لكن في كل مرة كان الأمل يتساقط، حتى أصبح مجرد سراب.
ربما يكون الحبُّ أعظم الأكاذيب التي أُنعِشُ بها قلبي حتى أصدق أنني سأعيش، بينما في الحقيقة كنت أموت أكثر وأكثر.
وفي هذه اللحظات، كان الحب يتسلل إلى كل زاوية من حياتي، لكن هل كان حبًا حقيقيًا، أم أنه مجرد كذبة أخرى؟ هل كنتُ أحب أم كنتُ أهرب من نفسي؟ كان الصوت الداخلي يصرخ في أعماقي، مذكّرًا إياي بأن كل لحظة حب كانت تدور في فلكٍ من الأوهام. الحب في حياته كان معركة مستمرة، وكان في كل مرة يأتي ليعيدنا إلى تلك النقطة التي كنا نظن أننا هربنا منها.
لكن هل الحب هو ما يمنح الحياة معناها؟ أم أن الحب هو ما يجرنا إلى المزيد من الخذلان؟ كنت أرى كل حبٍ بدأ ينطفئ في عينيّ، كل عاطفةٍ تحولت إلى عبءٍ ثقيلٍ على قلبي. وكلما كنت أظن أنني وجدت الشخص الذي سيحملني إلى أفقٍ جديد، اكتشفت أنني كنت أكتشف المزيد من الجراح. الحب كان دائمًا يحمل في طياته الوعود التي لا تتحقق، وكان دائمًا ينتهي بالخذلان. وكان قلبي، الذي كان ينبض بأملٍ لا ينتهي، يتحطم أمام الحقيقة القاسية.
الخذلان، هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن إنكارها
ولكن في وسط كل هذا، هل كان هناك أملٌ حقيقي؟ كنت أركض في الشوارع، محاولًا الهروب من هذا الشعور، لكنني لم أتمكن من الهروب من نفسي. كان الخذلان يلاحقني في كل زاوية، في كل خطوة، حتى أصبح جزءًا مني. كنت أعلم أنني لا أستطيع الهروب منه، لأنني كنت أعيش وسطه، وكان يتسلل إلى عقلي كلما تذكرت كل لحظة من الألم الذي مررت به.
في تلك اللحظات العاصفة، كنت أشعر وكأنني فقدت كل شيء: الأمل، الحب، وحتى السلام الداخلي. كنت أركض، لكنني لم أكن أركض لأهرب من شيءٍ، بل كنت أركض لأواجه الخذلان الذي كان يتراكم في قلبي. وكنت أشعر أنني، في نهاية المطاف، لن أتمكن من الهروب.
وفي النهاية، نستمر في الحياة...
نستمر ليس لأننا نملك الإجابات، بل لأننا لا نملك خيارًا آخر. نستمر، لأن الحياة ليست مكانًا للوقوف، ولكنها مسار طويل، وإن كان مليئًا بالألم. نستمر، لكننا نكتشف في كل خطوة أن حياتنا لا تزال مليئة بالغموض، ولا مفر من مواجهة ما هو مقدر لنا. وكلما اجتزنا مرحلة، نتعلم شيئًا جديدًا، شيء يجعلنا أقوى. ورغم أنني كنت أظن أنني أهرب، فإنني في الحقيقة كنت أكتشف نفسي أكثر. كنت أركض نحو المستقبل، لكنني في النهاية كنت أركض نحو ما كتب لي.
***
الكاتب سجاد مصطفى حمود