عندما يُختزل الدين في حدود الفقه والأحكام، تتقلص أبعاده الروحية والأخلاقية التي تنشد كرامة الإنسان، بغض النظر عن معتقده وهويته وعرقه وقوميته وانتمائه. فكرامة الإنسان تمثل مفهومًا كونيًا لا يقتصر على فئة أو طائفة أو جماعة بعينها، وإنما تتصل بالإنسان بما هو إنسان.
لقد اختزلت القراءات الدينية المغلقة الدين في حدود الفقه والأحكام، حتى أضحى يتدخل في شؤون حياة الإنسان كافة، إذ تم عزله عن الأفق الثقافي العالمي، وحصر وجوده داخل أفق ضيق تتحكم فيه بعض المقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم، والتي يُنظر إليها بوصفها مقولات تتجاوز التاريخ، وتعلو على حدود إدراك العقل البشري وتحولاته.
للدين جوهره الروحي والأخلاقي الذي يمثل أساس التدين، ومن خلاله يستطيع الإنسان أن يعيش بكرامة إنسانية تتلاءم مع إنسانيته. إلا أن هذا الجوهر يتراجع عندما يتحول الدين إلى منظومة من الأحكام والتكاليف التي تستحوذ على المجال الديني بأكمله.
فالقرآن الكريم لم يتحدث بلغة الأحكام بكثرة، بل إن أكثر ما تضمنه من آيات هو ما يشير إلى الهداية والحكمة والموعظة والقصص التي تُضرب أمثالًا للناس، لكي يستفيدوا منها في حياتهم العملية. لكن الذي جرى هو اختزال لغة القرآن في لغة الأحكام؛ فتحول النص من دلالاته الروحية والأخلاقية إلى مجموعة من الأحكام الشرعية التي يُتعامل معها بوصفها عابرة للأزمنة والأمكنة، رغم أن كثيرًا منها ارتبط بسياق تاريخي وظرفي يختص بعصر البعثة، ومجتمع ذلك العصر، ونمط تدينه وثقافته وأحواله الاجتماعية.
وقد اختُزل القرآن، في بعض القراءات الفقهية، في آيات الأحكام؛ وهي الآيات التي تُستنبط منها الأحكام العملية. والمشهور في عددها، كما جاء في بعض مؤلفات علوم القرآن، أنها تتراوح بين 200 و500 آية من مجموع آيات القرآن الذي يبلغ 6236 آية من دون البسملات، وعند احتساب البسملة يصبح العدد 6349 آية. {1}
وبناءً على ذلك، فإن نسبة آيات الأحكام من مجموع آيات القرآن تتراوح تقريبًا بين 3% و8%. وبعبارة أدق، نجد من بين كل مئة آية قرآنية ما يقارب ثلاثًا إلى ثماني آيات من آيات الأحكام، بحسب اختلاف التقدير في عددها.
غير أن التدين الفقهي والعقدي لا ينظر، في كثير من قراءاته، إلى هذه الأحكام بوصفها تمثل جزءًا محدودًا من الخطاب الديني، أو بوصفها أحكامًا ارتبطت بظروف تاريخية واجتماعية خاصة، بل يتعامل معها بوصفها أحكامًا عابرة للتاريخ وصالحة لكل زمان ومكان. ومن ثم، يُعاد تكليف إنسان اليوم بأحكام نشأت في سياق عصر البعثة، من دون أن يؤخذ بعين الاعتبار، تطور الثقافات والعلوم والمعارف، وتحول أنماط التفكير، وتغير الأحوال الفردية والاجتماعية من عصر إلى آخر.
وهذا ما يجعل إنسان اليوم، رهين فكرة الأمس، ومقيدًا بتقاليد وتكاليف دينية قد تحد من قدرته على التفاعل مع أسئلة عصره . ومن هنا يفقد الدين شيئًا من أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية، حين تتحول الأحكام التاريخية إلى غاية مركزية في التدين، بدل أن تكون جزءًا من سياقه ووظيفته.
مثلاً في بعض القراءات الفقهية نجد احكام التكفير، والردة، والولاء والبراء، وبعض الأحكام المنظمة للعلاقة مع الآخر المختلف دينيًا وعقديًا.
فعندما نراجع بعض المقولات الاعتقادية في علم الكلام القديم، نجد أن التكفير لم يُطرح بوصفه مجرد حكم نظري، بل ارتبط بأحكام وآثار عملية خطيرة. يقول الغزالي: التكفير حكم شرعي يرجع إلى: إباحة المال وسفك الدماء والخلود في النار. {2}
ولا تقتصر المشكلة على الأحكام العقدية والفقهية المتعلقة بعلاقة الإنسان بالآخر، وإنما تمتد إلى أحكام تتدخل في شؤون حياته الخاصة، الأمر الذي قد يحول دون انفتاحه على الآخر المختلف، ويحد من إمكان التثاقف والتفاعل مع الثقافات والتجارب الإنسانية المتنوعة.
وعلى هذا الأساس، يمكن التمييز بين التدين الفقهي والتدين الأخلاقي.
دين روحي أخلاقي جمالي افضل من دين فقهي عقدي أيديولوجي
لأن التدين الأخلاقي يرفض اختزال الدين في الفقه والأحكام والتكاليف، وينشد، قبل كل شيء، كرامة الإنسان بوصفها قيمة كونية عليا. ومن هنا يعيد تعريف الإنسان من منظور علم كلام جديد، على نحو يرى أن «إنسانية الإنسان لا تتحقق إلا بتحقق كرامته». {3}
ومن هنا تأتي ضرورة إعادة تعريف الدين والإنسان من منظور علم الكلام الجديد، بحيث يصبح الإنسان مركزًا للتحدي ومحورًا للاهتمام، بدل الانشغال بالقضايا الميتافيزيقية المجردة، كالبحث في القدر والجوهر والعرض والذات والصفات، من منظور علم الكلام القديم.
***
بهاء سوادي
باحث في قضايا تجديد الفكر الديني وعلم الكلام الجديد.
.................
المصادر
1. الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد.
2. الغزالي، أبو حامد، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
3. الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد.








