عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الوهاب البراهمي: نيتشه والموسيقيون

علينا أن نقول أولا بأنّ نيتشه " موسيقيّ" (وإن لم يُعرف بذلك بقدر ما عرف بكونه فيلسوفا) وانّه كذلك (موسيقيّ) بوصفه عارفا، يكتب عن الموسيقى ويضع الألحان أيضا. وليس هذا الاهتمام الخاص بالموسيقى بالأمر المستغرب فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة سابقون أمثال أفلاطون و الفارابي وغيرهما...وجدوا في الموسيقى علاقة وثيقة بالفلسفة من حيث مشاركتهما في مبدأ الوحدة والتناسق...غير أنّ نيتشه، ولرؤية خاصة للفلسفة بوصفها " تجربة حياة "، لم يجد في الموسيقى أمرا متخارجا عن الفلسفة قد يشاركها من بعض الوجوه، بل إنّه يرى فيها، وربما في الفن عموما التصاقا بالفلسفة تكاد تختفي معه التخوم حينما ينظر إليها بوصفهما تجسيدا لتجربة " الكائن" وتعبيرا عن " إرادة الاقتدار " لديه أو بوصفهما " تجسيدا " لقوّة " الحياة في اندفاعها، بل قد يجد في الموسيقى تفوّقا في هذا المعنى على الفلسفة. ولعلّ هذا ما يفسّر العلاقة الخاصّة لنيتشه بالموسيقيين، علاقة تجاوزت مجرد الاهتمام الفلسفي - الاستيتيقي، ضمن دائرة التفكير الفلسفي في الموسيقى وفي الفن عامّة، إلى علاقة " صداقة " عميقة لا تخلو من هزّات وغِيرة وألم.. شأن ما كان من "صداقته" "لفاغنار" التي انتهت إلى قطيعة سببها خلاف حادّ حول " الموسيقى " بالخصوص، من جهة منزلتها من الحياة. ولم يقتصر اهتمام نيتشه بالموسيقيين على " فاغنار"، صديقا حميما من دون شكّ شغله وملأ حياته إلى حين، بل تعداه إلى الاهتمام بأعمال موسيقيين غيره أمثال موازرت و فرانزو وغيرهما. غير أنّ هذا الاهتمام بالموسيقيين، كما أسفلنا لم يكن اهتمام " المعجب" ولا حتى المفكّر، بل اهتمام الموسيقيّ، العارف بالموسيقى وشعابها؛ الأمر الذي سمح لنيتشه لا أن يؤلّف فيها مقطوعات عديدة خلفها لنا بعضها مكتوبا وبعضها" مسموع" أيضا (أبرز أعماله كانت على البيانو خاصة تشمل "ترنيمة الحياة" (Hymnus an das Leben)، و"تأملات" (Meditation)، و"أراك أيها الملاك الهادئ" (Es zieht ein stiller Engel)، بالإضافة إلى مقطوعة أرسلها لكوزيما فاغنر). وبالرغم من أن نيتشه لم يبلغ بهذه المقطوعات الموسيقية مبلغ " العظماء" من الموسيقيين أمثال فاغنار أو موزارت..، فإّنه كشف من خلالها عن حسّ فنّي راق وعن ذوق مرهف، فضلا عن اطلاع ومعرفة بالموسيقى وخاصة بما عرف بالموسيقى " السمفونية".

 وقد سمح هذا الاطلاع على الموسيقى وأحوال الموسيقيين لنيتشه أن يلعب على نحو ما دور " الناقد الفنّي" يحلّل ويقيّم إبداعات الموسيقيين ويبدي رأيه في القيمة " الفنّية والموسيقيّة " لهذه الأعمال وخصوصيتها فنيا بل ومقارنتها ببعضها البعض، كلّ ذلك انطلاقا من ثقافته الموسيقية أولا ووفق معايير " فنية" تستند إلى بالأحرى إلى خلفية فلسفية (فلسفة موسيقى). ذلك أن "نيتشه "الفيلسوف" يظلّ نيتشه الموسيقيّ حينما يتكلّم عن الموسيقى" حسب فلورانس فابر، "يعبّر عن الموسيقى بوصفه موسيقيّا لا بكونه باحثا في الموسيقى أو إستيتيقيا، أي موسيقيّا تمثّل الموسيقى لديه النواة المكوّنة لشخصيته وحياته"(1). وبصفته تلك كان يبدي رأيه في موسيقى غيره ويحكم على موسيقاهم. وقد ترك لنا نيتشه شذرات من آراءه تلك في أكثر من مؤلّف وخاصّة في كتابه" إنساني مفرط في الإنسانية" أو " المسافر وظلّه"، نسوق بعضا منها تباعا مقدّرين ما يذهب إليه شرّاح فلسفته الموسيقية من كون نيتشه قد مرّ بمرحلتين في تكوين هذه الاستيتيقا الموسيقية: أولاهما تأثر فيها بالموسيقى الكلاسيكية لباخ وموزار وبتهوفن وغيرهم، ثمّ مرحلة ثانية سميت لديهم "بحالة فاغنار" الذي كان له مع نيتشه شأن خاص لم يشهده مع غيره من الموسيقيين. ولكي نقف على مقدار اطلاع نيشته واستيعابه لموسيقى عصره وتقديره لقيمتها الفنية، نبسط فيما يلي آراءه حول بعض موسيقييي عصره، فهو القائل عن:

- " سيباستيان باخ اSébastien Bach: " إذا لم نسمع موسيقى باخ بوصفنا عارفين تماما بما يميّزها عن غيرها وبكلّ تنوّعات الأسلوب الشارد، وكان علينا بالتالي الاستغناء عن المتعة الفنية بالخصوص، فسيكون لنا، بالاستماع لموسيقاه، انطباعا (حتى نعبّر بطريقة "جوته" الرائعة) بكوننا حاضرين بالذات في اللحظة التي يخلق فيها الإله العالم. ونريد أن نقول، بأنّنا نحسّ بأنّها تحمل شيئا ما عظيما، غير أنّه لم يوجد بعدُ: موسيقانا الحديثة العظيمة. فقد تخطّت موسيقاه بعدُ العالم، وتجاوزت الكنيسة والقوميات وما يوازيها. يوجد بعدُ لدى "باخ" كثير من أثر المسيحيّة، ومن الجرمانية والمدرسيّة، وكلّ ذلك في الحالة الأولى البكر؛ فهو يقف على عتبة الموسيقى الأوروبية (الحديثة)، ولكنه يتجه بنظره من هناك إلى العصر الوسيط". "

- "هندال Händel: " مجدّد جريء في الإبداع الموسيقيّ، صادق وقويّ، يتّجه برقّة صوب البطولة التي يقدر عليها الشعب. كان هندال غالبا ما ينزعج ويصيبه الفتور في تجسيد أعماله، بمعنى يسأم من نفسه؛ فيستخدم إذن طرقا مجرّبة للإنجاز، فيكتب بسرعة وبكثرة، وكان سعيدا حينما يتمّ عمله، ولكن لا على نحو ما يكون الإله وغيره من المبدعين عشية تنفيذ مهمّتهم".

-"هايدن Haydn: بقدر ما تجتمع الروعة بالطيبة البسيطة للطبع، فهايدن يملكها. يذهب بالضبط إلى حدّ ما تفرضه الأخلاقية على الذكاء؛ فليس لكلّ الموسيقى التي يصنعها " أي ماض."

- "بيتهوفن وموزار Beethoven et Mozart: غالبا ما تبدو موسيقى بيتهوفن تأمّلا متأثّرا بعمق بإعادة الاستماع غير المنتظر لقطعة موسيقية نعتقد أنّها قد ضاعت منذ أمد، براءة الموسيقى؛ إنّها موسيقى عن الموسيقى. يكتشف يبتهوفن "ألحانه" من أغنية متسوّلين أو أطفال الشوارع، من نغمات رتيبة لمشرّدين إيطاليين، ومن مجموعة رقصات في فندق القرية أو من خلال ليالي كرنفال: يجنيها مثلما تجني النحلة الرحيق، يبحث هنا وهناك عن نوتة، عن تتمّة موجزة. إنّها ذكريات تتجلّى من "عالم أفضل"، تقريبا مثلما يتخيّل أفلاطون " أفكاره". لموزار علاقة مغايرة تماما مع ألحانه؛ فهو لا يجد إلهاماته بالاستماع للموسيقى، بل بمشاهدة الحياة، الحياة الجنوبية الأكثر نشاطا: يحلم دائما بإيطاليا حينما لا يكون فيها."

***

عبد الوهاب البراهمي

.......................

(1) نيتشه والموسيقي. الموسيقى وظلها" فلورانتس فابر "بيف" ص 276.