قضايا
مراد غريبي: تغيير الذهنيات.. نحو فهمٍ أعمق لشروط النهوض الحضاري
مفتتح: تُعدّ مسألة الذهنيات من المسائل المركزية في فهم حركة المجتمعات ومساراتها التاريخية، لأنّ ما تستقرّ عليه الجماعة من تصورات وقيم وأنماط استجابة لا يظل رهن المجال النفسي الفردي فقط، بل يصبح إلى قوة فاعلة في تشكيل الفعل الاجتماعي ومصائر البناء الحضاري.
لهذا، يكون الحديث عن النهوض الحضاري إذا حُصر في البعد المادي أو التقني غير سليم، لأنّ جوهر التحول التاريخي يبدأ من البنية الذهنية التي تُنتج الموقف من المعرفة، العمل، الحرية، المسؤولية، الآخر والمستقبل، اذ النهضة، في معناها العميق، ليست وفرة في الوسائل بقدر ما هي تحوّل في الإنسان نفسه، في نظرته إلى العالم، وفي استعداده للمبادرة، وفي قدرته على تحويل الوعي إلى فعل.
لا مناص أن الذهنية تكتسب أهميتها من كونها الإطار الخفي الذي يوجّه السلوك ويمنح الأفعال معناها واتجاهها، فهي ليست مجرد "فكرة" عابرة أو رأي مؤقت، بل هي بنية مركبة من الاستعدادات النفسية والمرجعيات القيمية والتصورات المتراكمة التي تشكل علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم، ولما تصبح هذه البنية قائمة على الثقة بالذات، وعلى الاستقلال النقدي، وعلى الإيمان بإمكان التغيير، فإنها تتحول إلى رافعة حضارية. بينما حين تتأسس على الاتكالية، أو الانبهار بالآخر، أو الخوف من المبادرة، أو الاستسلام للجمود، فإنها تصبح عائقًا داخليًا يحول دون أي مشروع للنهوض، مهما امتلك من الموارد أو الشعارات .
وفق هذه الرؤية، يبدو الوعي الحضاري شرطًا سابقًا على الفعل النهضوي، لأنه يمثل القدرة على إدراك السنن التي تحكم صعود الأمم وتراجعها، وعلى التمييز بين مظاهر القوة الحقيقية ومظاهر الزيف المؤقت، لأن الوعي الحضاري لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى فهم آلياته العميقة، ويعيد ربط الإنسان بتاريخ مجتمعه ومسؤوليته في صنع مستقبله، لذلك فإن أي مشروع إصلاحي لا يضع مسألة الوعي في مركزه، ولا يشتغل على إعادة تشكيل الذهنيات، يظل مشروعًا منقوصًا، محدود الأثر، سرعان ما يتبدد عند أول اختبار عملي.
كما لا يخفى أن الذهنيات المعيقة للنهوض يمكن قراءتها بوصفها أنماطًا من العجز التاريخي المتخفي؛ كونها تشمل الذهنية الاتكالية التي تنتظر الحل من الخارج، وذهنية التبعية التي ترى الكمال في النموذج الأجنبي، وذهنية الجمود التي تتعامل مع الواقع كأنه قدر غير قابل للتجاوز، وذهنية الخوف التي تشلّ الإرادة وتمنع المبادرة، وذهنية الاستهلاك التي تنصرف إلى المظهر وتغفل شروط الإنتاج والمعرفة.
هذه الذهنيات، على اختلاف صورها، تشترك في أنها تُضعف صلة الإنسان بالفعل، وتفصل بين الوعي والإنجاز، وبين الطموح والمسؤولية، وبين الرغبة في التغيير والقدرة على صناعته .
من جهة أخرى، لا يمكننا الحديث عن نهوض حضاري من غير منظومة ذهنية بديلة تقوم على التعليم الجاد، والحرية الفكرية، وإنتاج المعرفة، والعمل المؤسسي، والعدالة، والمبادرة، والثقة بالنفس.
مثلًا التعليم، إذا أُنجز بمنطق التلقين، لا يصنع نهضة، أما إذا تحوّل إلى بناء للعقل الناقد والمبدع، فإنه يهيئ الإنسان لامتلاك أدوات الفهم والإضافة. حيث الحرية الفكرية لا تعني الانفلات، بل تعني القدرة على مساءلة المسلّمات ومراجعة الموروث دون قطيعة مع الجذور. أما إنتاج المعرفة فهو العلامة الفاصلة في خروج المجتمع من موقع الاستهلاك إلى موقع الفاعلية التاريخية، لأن المجتمعات التي تستهلك الأفكار والمنتجات دون أن تسهم في إنتاجها تظل على هامش الفعل الحضاري، حيث يبقى العامل الحاسم في كل ذلك هو الإنسان بما يحمله من وعي واستعداد ومسؤولية. بل من المؤكد أن الحضارة لا تُبنى فوق أرض صلبة فقط، بل عبر إنسان قادر على تحويل القيم إلى ممارسة، والمعرفة إلى مشروع، والغاية إلى عمل منظم ومتقن، والوعي الحضاري هو المدخل الأعمق لأي تحول حضاري مستدام، لأنه يُنتج "الاستعداد السيكولوجي" الذي يُوجه الفعل نحو الهدف. كما يتطلب الوعي الحضاري "تدبرًا" للحضارة، وتمييزًا بينها وبين الثقافة، وفهمًا لكيفية الوصول إلى النهضة وتحقيقها
من هنا، فإنّ إصلاح الذهنيات ليس مسألة تربوية جانبية، بل هو قلب المشروع الحضاري نفسه. إذ لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يعيد إنتاج الخوف والاتكالية والتبعية في تعليمه وإعلامه وخطابه العام، بل لا يمكنه أيضًا أن يتقدم إذا ظلّ ينظر إلى نفسه بعين النقص، وإلى الآخر بعين الإعجاب غير النقدي، وإلى المستقبل بعين الارتياب.
لهذا ، كان المدخل الأجدى إلى النهوض الحضاري يمرّ عبر إعادة بناء الذهنية الفردية والجماعية على أسس جديدة: أسس الثقة، والمعرفة، والحرية، والمسؤولية، والعمل. لأن التغيير الحقيقي لا يبدأ من رفع الشعارات، بل من تغيير البنية الداخلية التي تنتج السلوك، ومن إعادة وصل الإنسان بفعل التاريخ بوصفه فاعلًا لا متلقيًا ثم عندما تتحول الذهنية من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج، ومن موقع الاتكالية إلى موقع المبادرة، ومن موقع الانبهار إلى موقع النقد، يصبح النهوض ممكنًا لا بوصفه حلمًا أخلاقيًا، بل بوصفه مسارًا تاريخيًا قابلاً للتحقق.
يبقى أن نؤكد على ان التغيير الذهني هو "طريق المستقبل" الذي يُنتج "القابلية للاستنهاض"، والمواقف الذهنية عند الشعوب هي "سبب تطورها"، وليس الموارد أو الثروات.
لذلك المسؤولية الجماعية تتطلب من النخبة والسلطة والشعب معًا استلهام دروس التاريخ لاستخلاص الأخطاء والمزالق الحضارية، وتحديد الذهنيات المعيقة، وبناء الشروط الإيجابية للنهوض، والمسؤولية الجماعية هي "شرط أساسي" للنهوض، لأنها تُنتج "الاستعداد السيكولوجي" الذي يُوجه الفعل نحو الهدف. بينما يظل النهوض الحضاري هو "العملية الشاملة التي تقوم من خلالها الأمة أو المجتمع بإعادة بناء ذاته فكريًا، وقيميًا، ومؤسساتيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا"، إنه مشروع متكامل يقوم على توازن بين القيم الروحية والمادية، وعلى انسجام بين الفرد والجماعة والمؤسسات، وعلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى تسعى إلى بناء إنسان حرّ، كريم، مسؤول، قادر على العطاء والإسهام..
***
أ. مراد غريبي - الجزائر
07/06/2026







