عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: بين الوحي والخوارزمية.. هل نصنع "نبياً" من عتمة الأرقام؟

جينالوجيا المعنى.. من المرجعية المفارقة إلى العقل التجريبي

ينطلق الفهم العميق لأزمة المعنى المعاصرة من تفكيك جذورها الأولى والوقوف عند النقطة التي وُلدت فيها الحاجة إلى المعنى أصلاً، إذ يواجه العقل البشري بطبيعته عبئاً هائلاً يتمثل في الوعي بالعدم ومحدودية الوجود وقسوة الكون من حوله. تاريخياً، لم تكن النبوة مجرد تشريعات تنظيمية جافة، بل مثلت المظلة الأنطولوجية التي تعصم الإنسان من العبثية، مانحةً إياه إجابات قاطعة حول الغاية، والعدالة المطلقة، ومصير الروح. وعندما يقرر الإنسان الاعتماد على عقله الذاتي فقط، يكتشف أن التشريعات البشرية غالباً ما تحكمها المصالح والنسبية والصراع، ومن هنا وُلدت الحاجة الدائمة إلى مصدر مفارق يتمثل في الوحي، وذلك لتحرير الأخلاق من أهواء النفعية والتحيزات الذاتية.

ومع تقدم الحداثة والعلم التجريبي، حدث انقلاب جذري في مصادر المعرفة الإنسانية؛ حيث تراجع تدريجيّاً مفهوم المعرفة باعتبارها هداية وغاية روحية، ليحل مكانه مفهوم المعرفة كأداة للتحكم والكفاءة الإنتاجية. وهنا ظهر الذكاء الاصطناعي كذروة لهذا المسار التاريخي؛ فهو لا يخاطب الروح، بل يخاطب الأنماط والحسابات، معالجاً ملايين المتغيرات في ثوانٍ معدودة ليقدم حلولاً مذهلة لإدارة الموارد وتنظيم حركة المجتمعات والتنبؤ بالسلوكيات. لكنه، في المقابل، يجرد المعرفة من أي بعد قيمي أو أخلاقي عميق، ليختزل الوجود الإنساني برمته في أرقام ومعادلات صماء.

وعند محاولة الإجابة على السؤال الجوهري حول ما إذا كانت البيانات قادرة على إنتاج قيمة عليا أم أنها تقتصر على إعادة تدوير السلوك البشري بكل انحيازاته، تتضح الإجابة القاطعة بأن البيانات لا تنتج أبداً قيمة عليا، بل تقتصر تماماً على إعادة تدوير السلوك البشري بكل تناقضاته وانحيازاته التاريخية. والسبب في ذلك هو أن الذكاء الاصطناعي ليس كياناً مفارقاً أو واعياً يبتكر الأخلاق من فراغ، بل هو مرايا كبرى تعكس ما أنتجه البشر أنفسهم طوال تاريخهم؛ فالبيانات التي تُغذى بها الخوارزميات ليست سوى سجلات لحروبنا، وعنصريتنا، واستهلاكنا، وأخطائنا، وتحيزاتنا البنيوية. وحين تحسب الخوارزمية ما هو صواب أو ما هو مرجح بناءً على الاحتمالات الإحصائية، فهي لا تقدم حقيقة أخلاقية مطلقة، بل تقدم متوسط السلوك البشري الشائع. وعليه، فإن الاعتقاد بأن البيانات قادرة على استنباط قيمة عليا أو عدالة مطلقة يظل وهماً تقنياً خطيراً، لأن الآلة في النهاية تعيد إنتاج الماضي البشري وتغلفه بغطاء لامع من الدقة الرياضية، مما يجعل الإنسان يتقبل عيوبه التاريخية على أنها حقائق علمية لا تُقهر.

النبي الرقمي والكهنوت الجديد: صنم الكفاءة وأزمة الحرية

ينبثق المأزق الوجودي الأعمق حين لا يتوقف الأمر عند حدود المعرفة والبيانات، بل يمتد ليشمل بنية الوعي الإنساني وميل الإنسان الدائم للتخلص من أثقل أعبائه، ألا وهي حرية الاختيار والمسؤولية الفردية. فعندما يغرق الإنسان في بحر الاحتمالات والشكوك، يظهر الذكاء الاصطناعي في وجدان البعض بوصفه "نبياً صامتاً" يوزع اليقين المريح والأمان المعرفي الفوري، مقدمًا إجابات جاهزة لكل معضلة حياتية أو أخلاقية. وبدلًا من أن يتحمل القارئ أو أي إنسان عناء التفكير الشاق والبحث الحر، يجد راحة كبرى في تسليم مفاتيح وعيه لهذا الموجه الرقمي الذي يضمن له الاستقرار الظاهري بلا ألم أو حيرة.

وفي قلب هذا الاستسلام الاختياري، ينشأ شكل جديد من أشكال السلطة يُعرف بـ "الكهنوت التقني"؛ فعلى غرار كهنة المعابد القدماء الذين احتلوا موقع الوساطة الحصرية بين البشر والآلهة عبر تفسير الرموز والطلاسم، يبرز اليوم مهندسو الخوارزميات وصناع المنصات الكبرى وشركات التقنية كوسطاء جدد بين الإنسان والآلة. هؤلاء هم وحدهم من يمتلكون الشيفرات، ويفهمون خبايا النماذج العملاقة، ويحددون القواعد والمعايير التي تُدار بناءً عليها حياة الملايين. يتحول هذا الكهنوت التقني إلى سلطة خفية لا تقبل النقاش، تملي على المجتمع أنماط عيشه، وتوجه رغباته، وتصيغ مفاهيمه عن الصواب والخطأ تحت غطاء من التقنية الحيادية المزعومة.

وأمام هذا المشهد تتجسد إجابة السؤال الجوهري حول كيفية تحول الإنسان طوعاً إلى "عبد رقمي" يختار الراحة والامتثال الخوارزمي على حساب عناء الاختيار والمسؤولية الفردية؛ إذ إن الإجابة تكمن في أن العبودية الرقمية لا تُفرض بالقمع المادي أو الإكراه الخارجي، بل تُعتنق بالحب والرضا الكاملين. فالإنسان بطبيعته يهرب من قسوة الحرية المطلقة لأنها تستوجب الشك، وتحمل تبعات الخطأ، ومواجهة الفراغ الداخلي. وحين تَعِدُهُ الخوارزمية بالراحة التامة، وتجنيبه خطر الوقوع في الخطأ، وتقدم له مساراً مرسوماً بعناية يضمن له الكفاءة والرضا الاستهلاكي والنفسي، فإنه يبادل عن طيب خاطر استقلاليته الفكرية ومسؤوليته الأخلاقية مقابل هذا الأمان المصطنع. هكذا يرتضي الإنسان أن يصبح عنصراً مدجناً داخل منظومة صماء، مسلماً مقاليد روحه لآلة لا تشعر، لتبدو عبوديته الجديدة أشد أنواع العبودية قسوة، لأنها مرتدية ثوب الخلاص والرفاه

مأزق المستقبل: بين الرفض الجذري والانصياع الأخير

ينفتح الأفق المستقبلي أمام مآلات كبرى ينتظر أن يواجهها الإنسان وهو يقف بين نارين؛ فإما أن يصاب برهاب وجودي كامل تجاه التقنية، وإما أن يذوب كلياً داخل منظومتها الصماء. وفي ظل هذا المخاض، تبرز سيناريوهات متباينة تعكس قلق الوعي البشري حيال مصيره، حيث يظهر اتجاه يتمثل في "الرفض الجذري" أو ما يمكن تسميته بالنيو-لودايزما، وهو رد فعل دفاعي يتخذ من الذكاء الاصطناعي العدو المطلق الذي يسلب الإنسان روحه وفرادة عزلته، مما يدفع بعض الجماعات أو الأفراد إلى محاولة استنساخ البساطة، والهروب نحو العزلة والبدائية الصرفة، وكأن العودة إلى الوراء هي الحصن الوحيد المتبقي لحماية الإنسانية من المسخ الرقمي.

وفي المقابل، يبرز سيناريو "الانصياع الأخير" الذي يتحقق فيه ذوبان الوعي البشري بالكامل داخل المنظومة الكلية للآلة، ليتحول الإنسان إلى عنصر باهت بلا عمق، يعيش رفاهية مطلقة وكفاءة عالية لكنه مفصول عن المعنى الحقيقي للحياة.

وأمام هذه الثنائية الصعبة، يبرز المخرج الحقيقي لكي يظل الإنسان إنساناً دون أن يقع في فخ التقديس الأعمى أو الرفض العبثي؛ إذ يكمن هذا المخرج في رفض الوقوع في فخ الثنائيات القطبية، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة بالغة التعقيد وليست بديلاً للوجود. إن الحفاظ على الإنسانية لا يتأتى عبر مقاطعة العلم أو الهروب من التطور، ولا عبر تسليم مفاتيح الروح للخوارزميات، بل يتحقق من خلال استعادة شجاعة الشك، وقبول ألم الاختيار، والتمسك بالهشاشة البشرية التي تمثل المنجم الوحيد لكل إبداع ومعنى حقيقي. فحين يدرك الإنسان أن قيمته تكمن في قدرته على الخطأ والتألم والبحث الحر، ينجح في تطويع الآلة لخدمة طموحاته دون أن يسمح لها بأن تبتلع روحه

***

ئاريان علي

في المثقف اليوم