عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: ما ينفع الناس.. رحلة في فلسفة العلم والحضارة

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي (1)

إنَّ العلم، بوصفه ممارسةً إنسانيةً واعية لحل المشكلات، هو أقدم أشكال النشاط الإنساني وأعمقها جذورًا، بل إنه يسبق السحر والأسطورة والدين بوصفها جميعًا أنساقًا رمزية جاءت لاحقًا لتفسير العالم أو تأويله. فالإنسان الأول لم يكن يملك ترف التأمل الميتافيزيقي، وإنما كان يواجه تحديات البقاء اليومية: الجوع والعطش، والبرد والحر، والوحوش والفيضانات، والليل والموت. ولم يكن في استطاعته أن يستمر في الحياة إلا إذا راقب الطبيعة، واستخلص من تجاربه قوانينها، وربط بين الأسباب والنتائج، وكرر ما أثبت نجاحه، وعدّل ما أثبت فشله. ومن هنا نشأ التفكير العلمي في صورته الأولى: معرفة عملية تراكمية قوامها الملاحظة، والتجربة، والخطأ، والتصحيح، قبل أن يصبح علمًا منظَّمًا أو نظريةً مكتملة. لقد سبق العلمُ الاعتقادَ بالسحر، لأن الإنسان جرَّب النار قبل أن يؤلِّهها، وصنع الأدوات قبل أن ينسج حولها الأساطير، وعرف مواسم المطر والزرع قبل أن يحيطها بالطقوس والشعائر. فالعلم لم يبدأ كتابًا أو معادلةً أو مختبرًا، وإنما بدأ فعلًا إنسانيًا يوميًا هدفه مقاومة الفناء، وصيانة الحياة، وتوسيع إمكانات البقاء. وكل ما أنجزته الحضارة الإنسانية لاحقًا لم يكن سوى امتدادٍ لذلك الفعل المؤسس الذي جعل من المعرفة العملية الشرط الأول لكل عمران، ومن التفكير العقلي الحليف الأوفى للإنسان في رحلته الطويلة على هذه الأرض.

وليس كل ما يملأ الدنيا ضجيجاً يترك أثراً، وليس كل ما يثير الناس اليوم يبقى غداً. فالتاريخ، مثل الطبيعة، يمتلك قانوناً صارماً في الانتقاء؛ يطوي ما هو زائف، ويحتفظ بما ينفع الإنسان. ومنذ سنوات طويلة وأنا أتأمل قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، حتى غدت هذه الآية بالنسبة إليَّ أكثر من موعظة إيمانية؛ إنها قانون فلسفي من قوانين التاريخ والحضارة، بل لعلها من أعمق النصوص التي يمكن أن يُبنى عليها تصور عقلاني لمعنى التقدم الإنساني.

«ما ينفع الناس». لم يقل: ما ينفع فرداً، أو جماعة بعينها، أو طائفة، أو سلطة، بل قال: الناس يعني كل بني الإنسان في هذا الكوكب الأرضي وهذه الكلمة الصغيرة تختزن رؤية حضارية كاملة؛ إذ تجعل الإنسان، بما هو إنسان، معياراً لكل ما يستحق البقاء. فما يسهم في تحسين حياة البشر، وتخفيف معاناتهم، وتوسيع آفاق حريتهم، وتعزيز قدرتهم على الفهم والإبداع، هو الذي يمكث في الأرض ويصبح جزءاً من تاريخ الحضارة فالعلم. فما العلم في جوهره إن لم يكن البحث المنظم عن كل ما ينفع الناس؟ وما الحضارة إلا الأثر التراكمي لهذا النفع حين يتحول إلى مؤسسات وقيم وتقنيات وثقافة؟

فالمعرفة هي المادة الأولى لكل عمران، والعقل هو الأداة التي حوّلت الإنسان من كائن يخشى الطبيعة إلى كائن يقرأ قوانينها، ويتنبأ بحركتها، ثم يسخرها لخدمة حياته غير أن المعرفة ليست نوعاً واحداً. فالإنسان يعيش في عالمين متداخلين: عالم الطبيعة، وعالم المجتمع. ولذلك نشأت منذ وقت مبكر منظومتان كبيرتان من المعرفة ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة ومظاهرها وفهم قوانين حركتها والتنبؤ بنتائجها وتلك هي وظيفة العلوم الطبيعية ولا تطور ولا تقدم ولا نماء ولا ارتقاء في التاريخ والحضارة الا بمعرفة حقيقة الكائن الإنساني والمجتمع البشري بوصفهما لحمة التاريخ وسداه؛ المعرفة القادرة على فهم حاجات الإنسان ودوافعه ومقومات الحياة الاجتماعية المدنية المستقرة وقوانين التاريخ وحركته والتنبؤ بمساراتها المستقبلية وتلك هي وظيفة العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفة في قلبها بل هي أمها التي ابدعت اخصب وانضج المفاهيم الأساسية في تاريخ المعرفة الإنسانية.

إذ دأبت الفلسفة، منذ بداياتها الأولى في الشرق القديم، ثم اليونان، ثم المرحلة العربية الإسلامية، وحتى العصر الحديث، علي تأمل العالم واعادة صياغته مفهوميا فكانت الأفق الذي يمنح العلوم معناها، ويطرح أسئلتها الكبرى: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ ما العدل؟ ما الخير؟ وما الغاية من كل هذا التقدم؟

فالفلسفة هي الوعي النقدي الذي يمنع العلم من التحول إلى قوة عمياء، ويمنع المجتمع من الوقوع في أسر الخرافة أو التعصب أو عبادة التقنية.

لقد جاءت الحداثة الأوروبية، في معناها العميق، نتيجة ثورة فلسفية قبل أن تكون ثورة صناعية. فقد قررت إعادة بناء المجتمع على أساس العقل، والتجربة، والحرية، والنقد، لا على أساس التقليد وحده. ومن هذا التحول ولد العلم الحديث، ثم ولدت الجامعة الحديثة، ثم الدولة الحديثة، ثم المجتمع الصناعي.

السؤال الملح الذي ناقشه البارحة مع الزملاء في ندوة وحدة الدراسات العلمية هو: لماذا بقي العلم عند العرب مادة تُدرَّس، ولم يتحول إلى ثقافة؟

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا. تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 700 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م. وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

ربما كان السبب أن كلمة «العلم» نفسها لم تستقر عندنا على معناها الحديث. فهي في الوعي التقليدي تشير إلى الفقه، أو الحديث، أو التفسير، أو المعرفة الدينية، كما تشير إلى كل أشكال المعرفة الأخرى، بينما أصبح مصطلح Science في التجربة الحديثة يعني المعرفة المنظمة القائمة على الملاحظة، والفرضية، والتجربة، والاختبار، وقابلية المراجعة والنقد.

انشغل فقهاء العلوم الشرعية في المجتمعات الإسلامية بالسؤال: هل هذا جائز أو غير جائز؟ بينما تتقدم أمم أخرى بالسؤال: هل هذا صحيح؟ وهل يمكن البرهنة عليه؟ وهل ينفع الإنسان؟

إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين مجتمع يستهلك المعرفة، ومجتمع ينتجها.

وبالعودة الى الآية الكريمة فما ينفع الناس هو الذي يستحق أن يبقى، وما لا ينفعهم، مهما علا ضجيجه، سيذهب جفاءً؛ إن الكهرباء التي تنير البيوت، والدواء الذي ينقذ المرضى، والجسر الذي يصل بين الضفتين، والجامعة التي تخرّج الباحثين، والكتاب الذي يوقظ العقل، والقانون الذي يحمي الحقوق، والمؤسسة التي تصون كرامة الإنسان، كلها تدخل، في تقديري، ضمن معنى «ما ينفع الناس».

وبالمقابل كل معرفة لا تضيف إلى حياة الإنسان فهماً، ولا تمنحه قدرة أكبر على الحرية والعمل والإبداع، فإنها تظل معرفة ضالة ومضلله مهما أحاطت نفسها بهالة من القداسة أو الضجيج.

من هنا تبدأ رحلتنا في فلسفة العلم والحضارة؛ رحلة لا تبحث عن تمجيد الماضي ولا عن جلد الذات، وإنما عن فهم الشروط التي تجعل أمةً ما قادرة على إنتاج العلم، وتحويله إلى ثقافة، ثم إلى حضارة.

وفي الحلقة القادمة سنقترب من السؤال الذي ظل يؤرقني طويلاً: كيف التبس مفهوم العلم في الثقافة العربية الإسلامية؟ ولماذا بقيت كلمة «العلم» أسيرة معانٍ متعددة، بينما استقر معناها الحديث في التجربة العلمية الغربية؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال تمثل الخطوة الأولى لفهم أزمة العلم في واقعنا العربي المعاصر.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم