في ذكرى ميلاد مارتن هايدغر، المولود في 26 سبتمبر 1889، والذي رحل في 26 مايو 1976، قد يبدو السؤال عن الطريقة الصحيحة لكتابة Dasein بالعربية سؤالًا صغيرًا يتعلق بالنقل الصوتي. غير أن المسألة، عند التأمل، تفتح بابًا أوسع على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الكتابة الفلسفية: كيف نتعامل مع المصطلح حين ينتقل من لغة إلى أخرى؟ وأين تنتهي حرية التعريب ويبدأ واجب الدقة؟
دازين؟ دازاين؟ ديزاين؟..
تنوع كتابة الكلمة بالعربية ليس مجرد اختلاف في الرسم، وإنما يكشف اختلافًا في التعامل مع اللفظ الألماني ومع موقعه داخل اللغة العربية. فحين ينتقل مصطلح فلسفي من لغة إلى أخرى، تتداخل اعتبارات النطق والنقل الصوتي والترجمة مع طبيعة المفهوم الذي يحمله.
ولعل Dasein مثال واضح على ذلك. ففي العربية نجد صيغًا متعددة لكتابتها، من بينها «دازين» و«دازاين» و«ديزاين». وإذا كان النقل الصوتي هو المقصود، فإن معرفة النطق الألماني تصبح أمرًا أساسيًا. حرف D في بداية Dasein يُنطق دالًا، والمقطع ei في الألمانية يُنطق صوتًا ثنائيًا قريبًا من «آي»، ولذلك تقترب «دازاين» من النطق الألماني أكثر من «دازين». أما «ديزاين» فتأخذ الكلمة إلى نطق مختلف عن الأصل الألماني، وقد توحي للقارئ العربي بكلمة design الإنجليزية المعروفة.
أما من الناحية الفلسفية، فالمسألة أكثر تعقيدًا. فـDasein تركيب ألماني من da، بمعنى «هنا» أو «هناك» بحسب السياق، وsein، بمعنى «يكون»؛ ويمكن، على المستوى الاشتقاقي، تقريب الكلمة إلى «الوجود-هناك» أو «الكينونة-هناك». غير أن هذا التقريب لا يستنفد معناها الاصطلاحي عند هايدغر؛ ولذلك يظل «الدازاين» في كثير من الكتابات العربية المتخصصة خيارًا يحافظ على خصوصية المصطلح، مع إمكان شرحه عند أول ورود له. فهايدغر حمّل الكلمة وظيفة مفهومية تتجاوز معناها المعجمي المباشر.
ولم يبتكر هايدغر لفظ Dasein؛ فقد كان اللفظ مستعملًا في الألمانية قبلَه، واستُخدم أيضًا في سياقات فلسفية سابقة. الجديد هو الوظيفة الاصطلاحية التي منحه إياها داخل مشروعه. فـDasein عنده تسمية للكائن الذي تكون كينونته موضع فهم وسؤال، والذي ينفتح له العالم وتتحدد أمامه إمكانات وجوده؛ ولهذا لا يصح اختزالها في مفهوم «الإنسان» بالمعنى الأنثروبولوجي المعتاد، كما لا يصح مساواتها ببساطة بـ Sein، أي «الكينونة» أو «الوجود» بحسب سياق الترجمة.
ومن ثم ينبغي التمييز بين تاريخ الكلمة وتاريخ المفهوم. فـDasein لفظ ألماني ذو تاريخ لغوي سابق على هايدغر، أما الأسئلة الفلسفية التي أعاد هايدغر صوغها من خلاله فتندرج ضمن تاريخ طويل للسؤال عن الكينونة، يمتد من الفلسفة اليونانية عبر تحولات الميتافيزيقا الغربية حتى الصياغة الهايدغرية للسؤال عن معنى الكينونة. وهذا يوضح لماذا لا يمكن اختزال المصطلح في مقابله القاموسي؛ فالكلمة تحمل تاريخًا لغويًا، بينما يحمّلها الفيلسوف وظيفة مفهومية جديدة.
وتتضح أهمية المصطلح في فلسفة هايدغر. فـDasein ليست مجرد كلمة عابرة في كتابه Sein und Zeit، أي «الكينونة والزمان»، وإنما هي من المفاهيم المركزية التي يقوم عليها التحليل الوجودي. ومن حولها تتشكل شبكة من المصطلحات المترابطة، مثل Geworfenheit وEntwurf وBefindlichkeit وErschlossenheit وEigentlichkeit وUneigentlichkeit وZuhandenheit وVorhandenheit، وهي مصطلحات تتعدد ترجماتها العربية بحسب المترجم والسياق. وقد تُقابل، على سبيل التقريب، بـ«القذف» أو «الإلقاء»، و«الإسقاط»، و«الوجدانية»، و«الانكشاف»، و«الأصالة»، و«اللاأصالة»، و«الجاهزية للاستعمال»، و«الحضور الماثل». غير أن هذه المقابلات ليست متطابقة في دلالتها ولا مستقرة على ترجمة واحدة، ولذلك يظل الرجوع إلى المصطلح الألماني مهمًا.
وتظهر، على نحو خاص، الصلة بين Geworfenheit وEntwurf في تحليل Dasein بوصفه وجودًا ملقى في العالم، لا يستنفد إمكاناته فيما أُلقي فيه، بل ينفتح على إمكانات مختلفة ويسقط نفسه عليها. فالقذف لا يعني مجرد وقوع الكائن في وضع معين، كما أن الإسقاط لا يعني مجرد اختيار حر منفصل عن ذلك الوضع؛ وإنما يتحدد وجود Dasein في هذا التوتر بين ما وجد نفسه فيه وما يمكن أن يكونه.
ولهذا لا تكفي معرفة المقابل العربي للمصطلح وحدها. فالمترجم قد يختار نقل Dasein إلى «الدازاين»، أو يترجم بعض المصطلحات بحسب سياقها، مع إبقاء الألماني حاضرًا بين قوسين عند الحاجة. وتظل هذه الطريقة أكثر احتياطًا في المصطلحات التي لا تستقر ترجمتها العربية على مقابل واحد، إذ تتيح للقارئ أن يتابع المفهوم في لغته الأصلية وأن يميز بين الترجمة والتأويل.
وهذه المسألة تتجاوز هايدغر نفسه. فكثير من المصطلحات الفلسفية التي نستعملها اليوم تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من الانتقال بين اللغات. وما نعدّه اليوم لفظًا مستقرًا في العربية قد يكون في أصله ثمرة رحلة طويلة بين لغة وأخرى، كما هي الحال في «فلسفة»، المنقولة إلى العربية عن اليونانية φιλοσοφία عبر تاريخ طويل من الترجمة والتفاعل اللغوي والحضاري. ومن ثم فإن كل ترجمة فلسفية تتضمن اختيارًا لغويًا وتأويليًا، وتؤثر في الطريقة التي يصل بها المفهوم إلى القارئ.
وتزداد أهمية هذه المسألة حين نكتب عن فيلسوف مثل هايدغر؛ لأن اللغة عنده ليست مجرد أداة خارجية للتعبير عن أفكار جاهزة، وإنما تدخل في صميم التفكير نفسه. ولذلك فإن التعامل مع مصطلحاته يحتاج إلى الإصغاء إلى لغتها، وإلى الاشتقاق الذي تقف عليه، وإلى العلاقات التي تنشئها داخل النص. وقد تكون جملة عربية سليمة من الناحية النحوية، واضحة في ظاهرها، لكنها تحمل مصطلحًا أُسيء فهمه، فتكون سلامة العبارة قد أخفت اضطراب الفكرة.
ولعل هذا يذكّرنا بأن الدقة ليست نقيض الوضوح. فالوضوح الذي يقوم على مصطلح غير دقيق قد يمنح القارئ سهولة في القراءة مع وهم في الفهم، بينما قد يحتاج المصطلح الدقيق إلى شيء من التمهل والعودة إلى الأصل ومقارنة الترجمات. تلك الصعوبة المؤقتة أكرم للفلسفة من وضوح سريع يقوم على معنى مضطرب.
في ذكرى ميلاد هايدغر، يعود السؤال إلى بدايته: دازين أم دازاين أم ديزاين؟
قد يبدو الاختلاف في كتابة كلمة واحدة أمرًا هامشيًا، لكنه يكشف شيئًا أساسيًا في علاقتنا بالفلسفة حين نعبر بها من لغة إلى أخرى. فالكلمة الفلسفية لا تُقرأ بمعزل عن لغتها وسياقها وتاريخها، واختيار صورتها في العربية جزء من الطريقة التي نُقدّم بها المفهوم إلى القارئ.
لهذا يستحق Dasein كل هذا التوقف: لأن السؤال عن كيفية كتابة الكلمة يقود، في المحصلة، إلى سؤال عن كيفية قراءة الفلسفة نفسها.
تدقّ الكلمة، فيتسع المعنى.
***
بولص آدم








