برفقة صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف، كانت لنا زيارة إلى متحف كوربوس (CORPUS) في أوستخيست بالقرب من مدينة لايدن الهولندية؛ ذلك المتحف العلمي الفريد الذي لم أرَ مثله في حياتي، والذي ما زلت، بعد مغادرته، واقعاً تحت تأثير الدهشة التي تركها في نفسي. دخلناه وكأننا ندخل مبنى من مباني المتاحف، لكننا سرعان ما اكتشفنا أننا لا ندخل متحفاً بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما ندخل الإنسان نفسه؛ ندخل إلى جسده، ونسافر بين أعضائه، ونرى بأعيننا ما يحدث في ذلك العالم الخفي الذي نحمله معنا أينما ذهبنا دون أن نراه.
يعد كوربوس متحفا مجسما للجسد الإنساني الحي يقف هنا كأنه كائن بشري عملاق خرج من الأرض ليقول للعابرين: انظروا إلى الإنسان! مجسم ضخم لرجل جالس يبلغ ارتفاعه نحو خمسة وثلاثين متراً، يتحول فيه الإنسان من موضوع للعرض إلى بناء معماري، ومن صورة بيولوجية إلى فضاء يمكن الدخول إليه واكتشافه. وهذه، في تقديري، هي أولى مفاجآت المكان: أن تتحول العمارة إلى تشريح، وأن يتحول التشريح إلى تجربة، وأن يتحول المتحف من مكان ننظر فيه إلى الأشياء إلى مكان ننظر فيه إلى أنفسنا ونتجول في دهاليزها.
بدأت رحلتنا من الركبة، ثم صعدنا عبر الجسد، وتجولنا في أول منازل الكينونة ومواطن النبض الأول (الرحم) وشاهدنا البيوضة وصراع ملايين الحيوانات المنوية للوصول اليه تموت كلها ويصل الأقوى. شاهدنا الكرموسومات وكيف تتشكل الجينات وفي المعدة والأمعاء شاهدنا العجب العجاب ثم تجولنا في القلب والكبد، والرئتين وصعدنا إلى الرأس وتجولنا في الدماغ. لم يكن الأمر مجرد انتقال من طابق إلى طابق، وإنما رحلة من عضو إلى عضو، ومن وظيفة حيوية إلى أخرى، ومن المعرفة الخارجية بالجسد إلى الإحساس بأننا جزء من هذا الجسد الذي نحاول فهمه وهكذا صار القلب الذي كنا نقرأ عنه في كتب الطب فضاءً ندخله، والرئة التي نعرف وظيفتها في التنفس تجربة حسية، والدماغ الذي نتصوره مركزاً للوعي والمعرفة مكاناً تنتهي عنده الرحلة.
وأنا في غرفة العقل تحديداً، تذكرت العبارة الشهيرة التي كانت مكتوبة على بوابة أكاديمية أفلاطون: «من لم يكن مهندساً لا يدخل علينا» بما تحمله دلالة فلسفية عميقة تستحق التأمل؛ لأن المعرفة لا تقوم على التأمل المجرد وحده، كما لا تقوم على التقنية الهندسية وحدها. ثمة علاقة قديمة بين التفكير في العالم ومحاولة قياسه وبنائه وتنظيمه. وفي تلك اللحظة شعرت أن كوربوس نفسه يقدم لنا، بطريقة معاصرة ومذهلة، درساً في هذه العلاقة القديمة بين العقل الذي يفكر واليد التي تبني بين الفيلسوف والمهندس. وهنا فهمت معنى عبارة إسبينوزا عن حاجة الفلسفة إلى الهندسة وحين يكون رفيقك في السفر مهندساً معمارياً واسع الاطلاع على التاريخ والجغرافيا والأدب والفلسفة، فإن الرحلة تتحول من نزهة عابرة إلى درس مفتوح في فئ الجغرافيا والتاريخ والحضارة. فالأماكن لا تُرى بالعين وحدها، وإنما تُقرأ بالعقل، ويُصغى إليها بالقلب، ويُعاد اكتشافها بالحوار. وهذا هو تماماً ما عشته مع صديقي الدكتور المهندس حسين جعفر السقاف في تلك الزيارة الرائعة.
كان المتحف بالنسبة إلينا موضوعاً للمشاهدة، لكنه كان أيضاً موضوعاً للحوار. كنت أنظر إلى المكان بعين الفيلسوف، وكان حسين ينظر إليه بعين المهندس المعماري؛ ومن خلال تداخل النظرتين بدأ المبنى يكشف لنا عن معنى أوسع من وظيفته التعليمية. فالهندسة هنا لم تكن مجرد بناء جدران وأرضيات وسلالم وأجهزة، والفلسفة لم تكن مجرد أسئلة معلقة في الهواء؛ بل رأينا كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى فضاء، وكيف يمكن للفضاء أن يولد فكرة.
وهنا تذكرت أن الهندسة والفلسفة، رغم اختلاف أدواتهما، تنتميان في عمقهما إلى سؤال واحد: كيف يمكن أن نفهم العالم ونمنحه شكلاً قابلاً للحياة والبناء والسكن والفهم فالفلسفة تبحث عن المعنى، والهندسة تبحث عن الإمكان؛ الفلسفة تضع السؤال، والهندسة تختبر قدرة الواقع على الإجابة عنه. ولهذا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة ترف فكري، وإنما علاقة ضرورية في بناء الحضارة.
فالهندسة من دون فلسفة يمكن أن تتحول إلى علم تقني جامد، قادر على بناء الأبراج والجسور والمدن والأنفاق والمصانع، لكنه قد ينسى السؤال الأهم: لماذا نبني؟ ولمن نبني؟ وما أثر ما نبنيه في الإنسان والبيئة والمجتمع؟ يمكن للمهندس أن يبني بيتاً بالغ القوة، لكنه إذا غابت عنه الرؤية الإنسانية قد يصبح البيت مجرد كتلة من الخرسانة لا تستشعر حاجات سكانها الروحية والنفسية والجمالية. ويمكنه أن يبني جسراً متيناً من الناحية الإنشائية، لكنه إذا تجاهل البعد الإنساني والاجتماعي قد يكون جسراً يربط نقطتين في الخريطة ولا يربط إنساناً بإنسان.
ويصور الدكتور (سعيد إسماعيل علي) العلاقة بين الفلسفة والتربية بقولة: "أن المربي أشبه بمقاول البناء هذا يبني حجرا وذلك يبني بشرا والمقاول رجل تنفيذي لا يستطيع أن يعمل إلا وفق تصميم نظري هندسي معين وواضح يقوم برسمه ومهندس التصميمات وفقا لطلب العميل وما يريد، عمارة، أم قصرا، فيلا أم فندقا، مدرسة أم جسرا، وفيلسوف التربية هو ذلك المهندس التصميمي الذي يرسم ويخطط بناء على حاجة المجتمع وتوجهاته وثقافته وإمكانياته وأهدافه وما على المربي "المعلم" إلا الالتزام بهذا المخطط العام وهو يقوم بعمل اليومي. فالعملية التربوية ليست مجرد تعليم معلومات للتلاميذ وإنما هي أولا وأخيرا عملية تنمية بشرية، بناء مجتمع، وكيف يمكن لنا أن نطمئن إلى تنمية بشرية سليمة إذا افتقدنا الشراع الموجه، إذا افتقدنا القدرة على رؤية الهدف والطريق إليه. " وما لم تكن متأكدا من تحديد المكان الذي تذهب إليه، فأنت معرض لان ينتهي بك إلى مكان آخر" على حد قوله روبرت ف. ميكر، في كتابة الأهداف التربوية، وربما هذا ما كان يقصده الفيلسوف الروماني سينكان (60م)،
بقوله "(لا رياح طيبة لمن لا يعرف طريقه، ولا لمن تحطم مقوده)
ومن هنا تصبح الهندسة نوعاً من اختبار الفلسفة في الواقع. إنها تمنح الفكرة شكلاً، وتقيس قدرتها على الصمود، وتضعها أمام مقاومة المادة والفضاء والزمن والقوانين. الفيلسوف يستطيع أن يتخيل المدينة المثالية، لكن المهندس يعرف أن المدينة لا تقوم على الأحلام وحدها؛ إنها تحتاج إلى طرق ومياه وطاقة ومساكن ومؤسسات ومساحات عامة، والأهم من ذلك كله تحتاج إلى إنسان يعيش فيها.
وهنا بالذات يصبح كوربوس مثالاً بالغ الدلالة للمعنى الذي يهم كل إنسان عاقل. لقد أخذ مصمموه شيئاً لا نستطيع الدخول إليه في حياتنا اليومية ــ جسم الإنسان ــ وحولوه إلى فضاء معماري يمكن للإنسان أن يسير داخله. لقد جعلوا التشريح مكاناً، والمعلومة تجربة، والجسد عمارة، والتعليم رحلة.
والتجربة التعليمية في كوربوس لا تعتمد على أن يقف الزائر أمام لوحة ويقرأ أسماء الأعضاء، وإنما على أن يعيش التجربة ويتجول في اعضاء الجسم كلها مع الاستماع إلى شرح تفاعلي ذكي. إذ يستخدم المتحف الصوت والصورة والإضاءة والمؤثرات البصرية والتقنيات التفاعلية ليجعل العمليات الحيوية أقرب إلى التجربة الحسية. وهكذا يتحول التعليم من عملية تلقين إلى عملية اكتشاف.
وهكذا تكون فلسفة التعليم للمستقبل فالإنسان لا يتعلم فقط عندما يسمع المعلومة، وإنما عندما يراها ويختبرها ويربطها بتجربته الخاصة. ولذلك فإن كوربوس لا يقول للزائر فقط: «هذا هو قلبك»، بل يجعله يشعر بأن القلب الذي يتحدث عنه ليس شيئاً بعيداً عنه، وإنما هو ذلك العضو الذي يعمل الآن في داخله، بصمت، من دون أن يطلب منه إذناً.
والأمر نفسه ينطبق على الدماغ. أن تنتهي الرحلة في العقل ليس مجرد ترتيب مكاني؛ إن فيه دلالة رمزية عميقة. فنحن نبدأ بالجسد، ونصعد خلال أعضائه ووظائفه، ثم نصل إلى الدماغ؛ أي إلى ذلك العضو الذي يجعل الإنسان قادراً على أن يعرف جسده، وأن يسأل عن وجوده، وأن يبني المتاحف التي تشرح له كيف يعمل.
هنا تكتمل الدائرة: الإنسان يدخل إلى جسده لكي يفهم عقله، والعقل يبني متحفاً لكي يفهم الإنسان جسده.
ولعل أجمل مفارقات تجربة كوربوس أننا، نحن الذين نعيش داخل أجسادنا منذ لحظة الميلاد، نكتشف فجأة كم نجهل ذلك العالم الهائل الذي يسكننا. القلب ينبض بلا استئذان، والرئتان تعملان في صمت، والدم يجري في شبكة لا نراها، والخلايا تتجدد، والدماغ يستقبل ويحلل ويتذكر، فيما ننشغل نحن غالباً بالعالم الذي يقع خارجنا. هنا أدركت أن الإنسان ليس مجرد كائن يعيش في العالم، بل عالم قائم بذاته؛ كوناً حياً بالغ التعقيد، له خرائطه وشبكاته ومراكزه وطاقته ووسائل دفاعه واتصاله.
زيارة جسم الإنسان في كوربوس كانت رحلة فلسفية من الجسد إلى العقل، ومن العقل إلى الوعي، ومن الوعي إلى السؤال القديم المتجدد: ما الإنسان؟
خرجنا من كوربوس، لكن كوربوس لم يخرج منا. فقد ترك في الذاكرة دهشة لا تنتهي، وأيقظ في العقل رغبة في السؤال. ولذلك أرى أن من يريد أن يزور هولندا لا ينبغي أن يكتفي برؤية مدنها وقنواتها وطواحينها؛ عليه أن يدخل أيضاً إلى الإنسان نفسه. ففي كوربوس لا تشاهد متحفاً عن الإنسان، بل تكتشف أن الإنسان هو المتحف الأكثر إدهاشاً على الإطلاق.
***
ا. د. قاسم المحبشي








