عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الله الهميلي: كتاب كانط «في شكلانية ومبادئ العالم الحسي والعقلاني»

أطروحة 1770 وولادة السؤال النقدي

تحتل أطروحة إيمانويل كانط اللاتينية الصادرة سنة 1770، والمعروفة اختصارًا باسم «الأطروحة الافتتاحية»، موقعًا فريدًا في تطوره الفكري. فهي خاتمة المرحلة السابقة على النقد من جهة، والنواة المباشرة للمشروع الذي سيتبلور في «نقد العقل المحض» سنة 1781 من جهة أخرى . وفيها ينجز كانط قطيعة حاسمة مع التصور اللايبنتزي-الفولفي الذي يردّ الاختلاف بين الحس والعقل إلى اختلاف في درجة الوضوح؛ إذ يجعل الحساسية والفهم مصدرين متمايزين للمعرفة، لكل واحد منهما قوانينه ومجاله وموضوعه صدرت الترجمة العربية تحت عنوان: "شكلانية ومبادئ العالم الحسّي والعقلاني "عن دار أبكالو الطبعة الأولى 2026 من ترجمة: سعاد حمداش. ومراجعة: الزواوي بغورة

تذهب الأطروحة إلى أن الزمان والمكان صورتان قبليتان خالصتان للحساسية الإنسانية، وليسا خاصيتين للأشياء كما توجد في ذاتها ولا مفهومين مستخلصين من التجربة. وبذلك تصبح الضرورة الرياضية ممكنة؛ لأن كل ظاهرة لا بد أن تنتظم سلفًا داخل هاتين الصورتين. ومع ذلك يظل كانط سنة 1770 متمسكًا بإمكان استعمال حقيقي للعقل الخالص يمنح معرفة بالعالم المعقول وبالله والنفس.

يحلل هذا المقال بنية الأطروحة ومفاهيمها المركزية: العالم، والمادة والصورة، والظاهرة والشيء المعقول، والاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للفهم، والزمان والمكان، ومبدأ اتصال الجواهر، ومغالطة الاستدخال الميتافيزيقي. كما يقارن بين موقف 1770 وموقف «نقد العقل المحض»، ويبين أن القيمة التاريخية للعمل تكمن في أنه اكتشف ذاتية شروط الظهور قبل أن يكتشف الشروط التي تمنح مفاهيم الفهم صلاحيتها الموضوعية. ومن هنا تبدو الأطروحة جسرًا غير مكتمل: لقد فصلت بين مصدري المعرفة، لكنها لم تفسر بعدُ كيف يتحدان في تجربة واحدة ذات موضوع.

لا تُقرأ أطروحة 1770 بوصفها نصًا تمهيديًا صغيرًا سبق الكتاب النقدي الكبير وحسب؛ فهي اللحظة التي غيّر فيها كانط موضع السؤال الفلسفي. قبلها كان النزاع يدور غالبًا حول ماهية المكان والزمان: أهما موجودان مطلقان كما في القراءة النيوتنية، أم نظام علاقات بين الأشياء كما عند لايبنتز؟ أما في الأطروحة فيتحول السؤال إلى شرط إمكان تمثل الأشياء مكانيًا وزمانيًا لدى ذات بشرية محدودة. وبذلك ينتقل البحث من وصف بنية العالم المفترضة إلى فحص البنية التي تجعل العالم قابلًا للظهور لنا.

لكن الانعطاف لم يكتمل بعد. فإذا كان كانط قد جعل صورة العالم المحسوس ذاتية، فإنه ظل يعتقد أن الفهم الخالص يستطيع أن يتجه إلى الأشياء كما هي وأن يكوّن معرفة إيجابية بالعالم المعقول. لهذا يجمع النص بين حدس نقدي بالغ الخصوبة وبقايا ميتافيزيقا عقلانية قوية. إن توتره الداخلي، لا اتساقه وحده، هو الذي يمنحه قيمته؛ فهو يتيح أن نرى ولادة النقد في أثناء انفصاله التدريجي عن الدوغمائية.

تتمثل الإشكالية في السؤال الآتي: كيف أعاد كانط في أطروحة 1770 توزيع العلاقة بين الحس والعقل؟ وكيف أسس قبلية الزمان والمكان؟ ولماذا ظل هذا التأسيس عاجزًا عن حل مشكلة الصلاحية الموضوعية للمفاهيم العقلية؟

المقال يقوم على فرضية أن الأطروحة أنجزت نصف الثورة النقدية: فقد كشفت أن الحس لا يستقبل عالمًا مكتمل الصورة، وإنما ينظم المعطى وفق صور قبلية؛ لكنها لم تصل بعد إلى أن مفاهيم الفهم لا تنتج معرفة إلا داخل مجال التجربة الممكنة.

أولًا: البيانات التاريخية وموقع الأطروحة في مسار كانط

قدّم كانط هذه الرسالة سنة 1770 عند توليه كرسي المنطق والميتافيزيقا في جامعة كونيغسبرغ، ودافع عنها في الحادي والعشرين من أغسطس، وكان ماركوس هيرتس مشاركًا في المناقشة الأكاديمية. كُتبت باللاتينية وفق تقاليد الرسائل الجامعية، وجاءت في خمسة أقسام وثلاثين فقرة. وتقع في طبعة الأكاديمية ضمن المجلد الثاني، في الصفحات 385–419، ولذلك يُشار إليها عادة بصيغة AA 2 متبوعة برقم الصفحة.

سبق الأطروحة مسار طويل اشتغل فيه كانط بالطبيعة والكون والقوة والمكان. ففي بحثه عن الاتجاهات في المكان سنة 1768 وجد في ظاهرة اليدين اليمنى واليسرى، المتشابهتين تمامًا وغير القابلتين للتطابق، ما يصعب تفسيره عبر العلاقات المفهومية وحدها. وقد صار هذا المثال في أطروحة 1770 حجة على أن المكان حدس مفرد سابق على المفاهيم، وأن معرفة الاختلاف المكاني تحتاج إلى حضور حدسي لا يستطيع التحليل المنطقي أن يستنفده.

ولا تعني أهمية سنة 1770 أن كانط صار نقديًا بالمعنى الناضج دفعة واحدة. فبين الرسالة و«نقد العقل المحض» يمتد ما يسمى عادة بالعقد الصامت، وهو زمن إعادة بناء المشروع. وفي رسالة شهيرة إلى هيرتس في 21 فبراير 1772 أقرّ كانط بأنه لم يفسر في الأطروحة كيف يمكن لتمثل عقلي، لا ينتج عن تأثر الذهن بالشيء، أن يتعلق مع ذلك بموضوع. كان هذا السؤال، أي أساس مطابقة التمثل القبلي للموضوع، المدخل إلى مشكلة الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات.

تأتي الأطروحة، إذن، في نقطة فاصلة من تطور كانط. فهي من ناحية ما تزال تستعمل مفردات الميتافيزيقا المدرسية، مثل الجوهر والعلة والكل والكمال والموجود الضروري؛ ومن ناحية أخرى تبدأ في تحويل وظيفة الفلسفة من بناء نسق عن الموجودات إلى فحص مصادر التمثلات وحدود صلاحيتها.

ثانيًا: بنية الكتاب وخطته الحجاجية

لا يتقدم النص من نظرية المعرفة إلى الميتافيزيقا في خط مستقيم؛ بل يبدأ بمفهوم العالم، ثم يعود إلى شروط معرفته، وبعد ذلك يميز صورة العالم المحسوس من مبدأ العالم المعقول، وينتهي بمنهج يمنع خلط المجالين.

يبحث القسم الأول، الذي يضم الفقرتين الأولى والثانية، في فكرة العالم بوجه عام. ويعرّف العالم بوصفه كلًا لا يكون جزءًا من كل أكبر، ثم يحلل مادته وصورته وكليته.

ويتناول القسم الثاني، الممتد من الفقرة الثالثة إلى الفقرة الثانية عشرة، التمييز بين المحسوس والمعقول. وفيه يفصل كانط الحساسية عن الفهم، ويعرّف الظاهرة والنومين، ويميز بين الاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للعقل.

أما القسم الثالث، الممتد من الفقرة الثالثة عشرة إلى الخامسة عشرة، فيبحث في صورة العالم المحسوس، ويقيم الحجج على أن الزمان والمكان حدسان قبليان خالصان وقانونان ذاتيان لكل ظهور ممكن.

وينتقل القسم الرابع، من الفقرة السادسة عشرة إلى الثانية والعشرين، إلى مبدأ العالم المعقول، باحثًا عن الأساس الموضوعي لاتصال الجواهر ووحدة العالم، ليرد هذه الوحدة إلى علة مشتركة.

ويختتم القسم الخامس، من الفقرة الثالثة والعشرين إلى الثلاثين، البحث بمناقشة منهج الميتافيزيقا وتشخيص المغالطة التي تنشأ عن نقل شروط الحس إلى الأشياء المعقولة.

تكشف هذه الخطة أن المسألة المحورية لا تتمثل في تعداد موجودات عالمين منفصلين، وإنما في تعيين نوعين من المبادئ: مبادئ ذاتية تشكل كيفية ظهور الأشياء للحس، ومبادئ يدّعي كانط سنة 1770 أنها موضوعية وتفسر اتصال الأشياء في ذاتها. ومن هذه الثنائية ينشأ نجاح الأطروحة وحدّها في آن واحد.

ثالثًا: مفهوم العالم بين الكل والتركيب

يفتتح كانط الرسالة بتعريف العالم على أنه كل لا يكون جزءًا من كل آخر. وكما ينتهي تحليل المركب الجوهري إلى البسيط، تنتهي عملية تركيب الأجزاء إلى كلية نهائية هي العالم. ولا يُراد بالعالم هنا كوكب أو مجموع ما وقع تحت الملاحظة، وإنما كلية الجواهر التي تتبادل علاقات التنسيق، بحيث تكون كل واحدة منها محدِّدة ومتحددة داخل نسق واحد.

يميز التحليل ثلاثة عناصر في مفهوم العالم. المادة هي الجواهر التي تؤلفه، والصورة هي تنسيق تلك الجواهر واتصالها المتبادل، لا خضوع بعضها لبعض في سلسلة علة ومعلول، ثم تأتي الكلية التي تجعل المجموع واحدًا تامًا لا مجرد حشد. وهذه التفرقة بين المادة والصورة ستتكرر على مستوى التمثل الحسي: فالإحساس يمنح المادة، وقانون الذهن يمنح الصورة.

ويظهر منذ البداية اختلاف بين ما يستطيع العقل تصوره وما يستطيع الحس تمثله في حدس متعين. يستطيع العقل أن يفكر في كل مركب بوصفه مؤلفًا من أجزاء، وفي العالم بوصفه كلية؛ لكن الخيال الحسي لا يستطيع إتمام تركيب عدد غير متناهٍ من الأجزاء داخل زمن محدود. لذلك لا تساوي عدم القدرة على العرض الحسي الاستحالة العقلية.

تمثل هذه الفكرة نواة مبكرة لما سيصبح لاحقًا تعارضات العقل في «نقد العقل المحض». فالنزاع ينشأ حين تُعامل شروط التمثل المتعاقب كما لو كانت شروطًا لوجود العالم في ذاته. عجز الخيال عن إتمام سلسلة غير متناهية لا يبرهن بذاته على أن العالم متناهٍ، كما أن قدرة العقل على تصور استمرار الانقسام لا تقدم حدسًا مكتملًا للامحدود.

يتضح هنا أن مفهوم العالم يؤدي وظيفتين. فهو مفهوم ميتافيزيقي يدل على وحدة الموجودات، ومشكلة معرفية تكشف محدودية ملكاتنا. العالم بوصفه كلية يمكن أن يكون موضوعًا للعقل، لكنه لا يُعطى للحس دفعة واحدة. ومن ثم فإن المسافة بين التفكير في الكل وحدسه ستبقى مصدرًا دائمًا للأوهام الكوسمولوجية.

رابعًا: القطيعة مع اختزال الحس إلى فكر غامض

1. الحساسية والفهم مصدران مختلفان

يعرف كانط الحساسية بأنها قابلية الذات لأن تتأثر حالتها التمثيلية بحضور موضوع، ويعرف العقل أو الفهم بأنه قدرة الذات على تمثل ما لا يستطيع، بحسب صفته، أن يدخل في الحواس. موضوع الحس هو المحسوس أو الظاهرة، وموضوع العقل الخالص هو المعقول أو النومين. ووفق هذا التعريف لا يكون الحس عقلًا ضعيفًا، ولا يكون العقل حسًا شديد الوضوح؛ إنهما نمطان مختلفان في أصل التمثل وقانونه.

كان المذهب اللايبنتزي-الفولفي يميل إلى اعتبار الفرق بين المعرفة الحسية والعقلية فرقًا منطقيًا في الوضوح والتميّز. تكون المعرفة حسية عندما تكون غامضة أو مختلطة، وتصير عقلية حين تصبح واضحة ومتميزة. يعترض كانط بأن التمثل الحسي قد يكون بالغ التميّز، كما في الهندسة، بينما قد تكون المفاهيم الميتافيزيقية شديدة الالتباس.

المعيار الحقيقي للتمييز بين الحس والعقل هو مصدر التمثل، لا درجة وضوحه. وهذه الحجة تهدم تصورًا طبقيًا للمعرفة يجعل الصعود من الحس إلى العقل مجرد تنقية متزايدة للمحتوى نفسه. فالاختلاف بينهما اختلاف في النوع: الحس يستقبل موضوعه بحسب كيفية تأثر الذات، بينما يفكر الفهم بواسطة مفاهيم عامة.

2. مادة التمثل الحسي وصورته

في كل تمثل حسي مادة وصورة. مادته هي الإحساس الذي يشهد بتأثير شيء في الذات، أما صورته فهي القانون الذي ينسق تعدد الانطباعات في هيئة قابلة للظهور. ولا ترسم الصورة نسخة من الشيء، ولا تأتي إلى الذهن كإحساس إضافي؛ إنها مبدأ داخلي ثابت يجعل الانفعالات المتفرقة تتآلف في تمثل واحد.

يفتح هذا التمييز طريقًا ثالثًا بين واقعية ساذجة تعتبر الإدراك استنساخًا مباشرًا للشيء، ومثالية نفسية تجعل التجربة وهمًا خاصًا. فالظاهرة مرتبطة ببنية الذات، لكنها ليست اختراعًا اعتباطيًا؛ ثمة شيء يؤثر فينا، وثمة قوانين مشتركة وثابتة لتنظيم أثره. لذلك يستطيع كانط القول إن معرفتنا بالظواهر معرفة حقيقية، لأن الموضوع كما يظهر والحكم عليه يخضعان للشروط نفسها.

ومن هنا تتضح دلالة «الصورة» وليس "شكلانية" كما في الترجمة في عنوان الأطروحة. فصورة العالم لا تعني هيئته الخارجية المرئية فقط، وإنما مبدأ التنسيق الذي يجعل تعدد الموجودات أو تعدد الانطباعات يظهر في صورة كل مترابط. الصورة هي شرط الوحدة، سواء تعلق الأمر بوحدة العالم المعقول أو بوحدة المجال الحسي.

3. الاستعمال المنطقي والاستعمال الحقيقي للفهم

يميز كانط استعمالين للفهم. في الاستعمال المنطقي يرتب الفهم تمثلات معطاة من أي مصدر، فيعمم ويقارن ويخضع الجزئي للكلي وفق مبدأ عدم التناقض. وهذا الاستعمال لا يغير أصل المعرفة؛ فالمفهوم التجريبي يظل حسيًا مهما ارتفعت درجة تجريده.

أما الاستعمال الحقيقي فيُفترض أنه يمنح، من طبيعة الفهم نفسها، مفاهيم خالصة مثل الإمكان والوجود والضرورة والجوهر والعلة. ولا تكون هذه المفاهيم، بحسب موقف 1770، مجرد طرائق لترتيب الظواهر، وإنما وسائل لتمثل الأشياء كما هي في ذاتها.

لهذه الثنائية أثر بالغ. فهي تمنع، من جهة أولى، الخلط بين التجريد من التجربة والمفهوم القبلي. فكون المفهوم عامًا لا يجعله عقلي الأصل؛ قد يكون مفهومًا تجريبيًا جرى تعميمه. وهي، من جهة ثانية، تمنح الفهم في الأطروحة حقًا إيجابيًا في معرفة المعقول.

هنا تحديدًا ستقع المراجعة النقدية اللاحقة. سيحتفظ كانط بالمفاهيم القبلية، لكنه سيعيد تفسير وظيفتها بوصفها شروطًا لتوحيد معطيات الحس في موضوع تجربة، لا نوافذ تكشف جواهر مستقلة عن كل تجربة.

4. حدود الحدس الإنساني

يقرر كانط أن الإنسان لا يمتلك حدسًا عقليًا. معرفتنا الحدسية انفعالية: لا تدرك موضوعًا مفردًا إلا حين تتأثر به، وتظل محكومة بصور الحس. أما المفاهيم العقلية فمعرفتنا بها رمزية وخطابية وعامة.

ويقابل كانط الحدس الإنساني بحدس إلهي نموذجي يكون علة لموضوعاته، لا نتيجة لتأثره بها. فالإله، في التصور الكانطي لهذه المرحلة، لا ينتظر أن يؤثر فيه الشيء كي يدركه؛ بل يكون إدراكه الأصلي متصلًا بإيجاد الموضوع نفسه.

تضع هذه المقابلة تناهي الإنسان في قلب النظرية. الذات البشرية لا تخلق مادة وجود الأشياء، لكنها تسهم في صورة ظهورها. ومحدوديتها ليست نقصًا طارئًا يمكن أن يزول بزيادة المعلومات، وإنما بنية تحدد معنى الموضوع الممكن لها. ولهذا ستكون فكرة العقل البشري المحدود أساس التمييز اللاحق بين التفكير في الشيء في ذاته ومعرفته.

خامسًا: الزمان بوصفه الصورة الأولى للعالم المحسوس

يعرض كانط في الفقرة الرابعة عشرة سلسلة حجج ستنتقل، بعد تعديلها، إلى الاستطيقا الترانسندنتالية في «نقد العقل المحض».

أولًا/لا ينشأ مفهوم الزمان من تعاقب الوقائع؛ لأن فهم التعاقب نفسه يفترض سلفًا التمييز بين «قبل» و«بعد». التجربة توقظ استعمال الزمان، لكنها لا تنتجه بالتجريد. فلكي نلاحظ أن حدثًا أعقب حدثًا آخر، يجب أن يكون لدينا مسبقًا الإطار الذي يجعل التقدم من السابق إلى اللاحق قابلًا للتمثل.

ثانيا/ الزمان تمثل مفرد. الأزمنة المختلفة ليست أفرادًا مستقلة تندرج تحت مفهوم عام يسمى الزمان، وإنما أجزاء أو تحديدات من زمان واحد غير محدود. العلاقة بين الزمان والأزمنة الجزئية تشبه العلاقة بين الفضاء الواحد والأمكنة الجزئية؛ الكل يسبق أجزاءه من حيث إمكان التمثل.

ثالثا/ يترتب على مفردية الزمان أنه حدس خالص لا مفهوم خطابي. المفهوم العام يحتوي أفرادًا تحته، أما الحدس فيحتوي أجزاءه فيه. حين نفكر في «إنسان» بوصفه مفهومًا عامًا، لا يكون الأفراد أجزاء مادية منه؛ أما اللحظات الزمنية فتوجد داخل زمان واحد بوصفها تحديدات له.

رابعا/ الزمان مقدار متصل. اللحظات ليست أجزاء بسيطة تؤلفه بالطريقة التي تؤلف بها الحبات كومة، وإنما حدود داخل استمراره. ومن هذه الاستمرارية يستمد كانط قانون اتصال التغير: فالانتقال بين حالتين متضادتين يمر بسلسلة وسطى من الحالات.

خامسا/ الزمان غير موضوعي بالمعنى الميتافيزيقي. فهو ليس جوهرًا قائمًا بنفسه، ولا عرضًا قائمًا في الأشياء، ولا علاقة مستخرجة من تعاقب حالاتها. إنه شرط ذاتي ضروري لتنسيق كل ما يقع تحت الحس.

ينتقد كانط بذلك تصورين متعارضين. ينتقد تصور الزمان بوصفه مجرى مطلقًا قائمًا حتى لو لم توجد أحداث، وينتقد في الوقت نفسه رده اللايبنتزي إلى علاقات التعاقب؛ لأننا لا نستطيع تعريف التعاقب من دون افتراض الزمان.

لكن مثالية الزمان لا تسلبه الحقيقة التجريبية. فما دام كل حدث يمكن أن يظهر لنا لا بد أن يخضع لقانون الحس الزماني، فإن قضايا الزمان صادقة بالضرورة في كامل مجال الظواهر الممكنة. هنا يولد البناء الذي سيُصاغ لاحقًا بعبارتي «المثالية الترانسندنتالية» و«الواقعية التجريبية»: الزمان لا يصف الأشياء في ذاتها، لكنه صالح بصورة كلية وضرورية لكل ما يمكن أن يكون موضوع خبرة بشرية.

وتحتوي الأطروحة على صياغة انتقالية دقيقة؛ إذ يشير كانط إلى أن الزمان والمكان «مكتسبان» من فعل الذهن حين تنبهه الإحساسات، لكنهما غير مستخلصين منها، وأن الفطري هو قانون النفس الذي ينسق الانطباعات. يريد كانط تفادي نظرية الأفكار الفطرية الجاهزة، غير أن هذه اللغة تترك توترًا بين قبلية الصورة وبين اكتساب تمثلها. وسيصبح الحديث في «نقد العقل المحض» أكثر تركيزًا على كونهما صورتين قبليتين للحساسية.

سادسا/ المكان والهندسة وحدود المفهوم

يبدأ برهان المكان من أولوية الموضع على الإدراك الخارجي: لا أستطيع تمثل شيء خارجًا عني إلا بوضعه في مكان مختلف عن مكاني، ولا أستطيع تمثل أشياء خارج بعضها إلا في فضاء يسبق علاقاتها. لذلك لا تخلق الأحاسيس الخارجية مفهوم المكان، وإنما تفترضه.

والمكان، مثل الزمان، تمثل مفرد يحتوي الأمكنة الجزئية في داخله. ليست الأمكنة أفرادًا مستقلة يجمعها مفهوم كلي، وإنما تحديدات وحدود في فضاء واحد. ولهذا يعدّه كانط حدسًا خالصًا.

وتقدم الهندسة الشاهد الأوضح على طبيعة هذا الحدس. فقضايا مثل إمكان رسم خط مستقيم واحد بين نقطتين أو القول بأبعاد المكان الثلاثة لا تُستنبط من تحليل مفهوم عام للمكان، وإنما تُرى في بناء حدسي. الضرورة الهندسية، وفق كانط، لا تأتي من تكرار الملاحظة، لأن الملاحظة لا تمنح سوى عمومية احتمالية، بينما تزعم الهندسة ضرورة كلية.

ويستخدم كانط الأجسام المتشابهة غير المتطابقة، وفي مقدمتها اليد اليمنى واليد اليسرى، لإظهار قصور الوصف المفهومي. يمكن أن تتساوى العلاقات الداخلية بين أجزاء اليدين، ومع ذلك يستحيل أن تشغل إحداهما موضع الأخرى من دون انعكاس. الفرق بينهما اتجاهي ولا يُستخرج من صفات مفهومية عامة؛ إنه يُدرك داخل حدس الفضاء.

ومن هنا يكتسب المكان سلطة معرفية لا تختزل إلى منطق العلاقات. يمكن للعقل أن يقدم وصفًا مطابقًا لكل جزء في اليدين، لكنه لا يفسر اختلاف اتجاههما. لا يُعطى اليمين واليسار بواسطة مفهوم مجرد، وإنما عبر وضع الجسم داخل المجال المكاني الكلي.

يرفض النص تصورين متنافسين. التصور النيوتني يجعل المكان وعاءً مطلقًا لا نهائيًا قائمًا حتى لو لم توجد أشياء، والتصور اللايبنتزي يجعله علاقة بين أشياء موجودة. يرى كانط أن الأول يحول علاقة بلا أطراف إلى كيان غامض، بينما يجعل الثاني يقين الهندسة تابعًا للاستقراء التجريبي.

البديل الكانطي هو مكان ذو بنية كلية وضرورية، لكنه مثالي وذاتي من حيث منشؤه؛ إنه الإطار الذي تضفيه الحساسية على كل إدراك خارجي. وهكذا يحتفظ كانط من نيوتن بوحدة الفضاء وأسبقيته على العلاقات الجزئية، ويحتفظ من لايبنتز برفض تحويله إلى جوهر مستقل، ثم يعيد تأسيسه بوصفه صورة للحساسية.

ولا تعني «الذاتية» أن لكل فرد فضاءه الخاص، ولا أن المكان خيال يمكن تغييره بإرادة نفسية. المراد أن صلاحيته مشروطة بنمط الحساسية البشرية، وأن ضرورته تنبع من ثبات هذا النمط. ونتيجة ذلك أن الطبيعة، بقدر ما تظهر للحس، توافق الهندسة؛ فالذهن لا يفرض قوانين اعتباطية على مادة صامتة، وإنما لا يستطيع استقبال موضوع خارجي أصلًا إلا ضمن البنية التي تجعل العلاقات الهندسية ممكنة.

سابعا/ العالم المعقول ومبدأ اتصال الجواهر

إذا كان العالم المحسوس يستمد صورته من قانون ذاتي للتنسيق، فإن العالم المعقول يحتاج، بحسب كانط سنة 1770، إلى مبدأ موضوعي يفسر لماذا تدخل جواهر متعددة في اتصال متبادل فتؤلف عالمًا واحدًا.

لا يكفي وجود الجواهر منفردة كي تنشأ بينها علاقات. فالعلاقة بين العلة ومعلولها قد تكون علاقة تبعية أحادية، بينما صورة العالم تتطلب تأثيرًا متبادلًا بين أجزائه. العالم ليس مجرد مجموعة موجودات، وإنما نسق تتحدد عناصره من خلال ارتباطها بعضها ببعض.

يقرر كانط أن العالم لا يتألف من جواهر ضرورية؛ لأن الموجود الضروري قائم بذاته ولا يعتمد في حالاته على غيره. مكونات العالم، إذن، موجودات ممكنة أو حادثة، وتقوم وحدتها على اعتمادها جميعًا على علة مشتركة واحدة.

هذه العلة خارج العالم، لا بوصفها موجودًا يشغل مكانًا وراء حدوده، وإنما لأنها ليست جزءًا داخل شبكة الاعتماد المتبادل. وهي خالق مادة العالم ومنشئ صورته في آن واحد: تمنح الجواهر وجودها وتؤسس إمكان دخولها في اتصال متبادل.

يناقش النص ثلاثة تصورات لاتصال الجواهر: التأثير الفيزيائي الحقيقي، والانسجام السابق التأسيس، والمناسبية. ويفضل كانط صورة معدلة من التأثير الحقيقي، حيث تؤسس العلة المشتركة إمكان التبادل بين الجواهر، لكنه يعترف بأن البرهان غير مكتمل.

تكشف هذه الصفحات مقدار ما بقي في الأطروحة من الميتافيزيقا العقلانية. فالله يؤدي وظيفة أنطولوجية تفسر وحدة العالم المعقول، لا وظيفة تنظيمية لفكرنا وحسب. ولا يقف العقل هنا عند حد التفكير في إمكان العلة الأولى، وإنما معرفة دورها في بناء نسق الموجودات.

ويقترح كانط في هامش تأملي أن المكان يمكن أن يسمى «الحضور الكلي الظاهري» للعلة الأولى، والزمان «أبديتها الظاهرية»، ثم يتراجع بحذر عن هذا المسار القريب من مالبرانش. وتبين هذه اللغة أن ذاتية الزمان والمكان لم تُفهم بعد ضمن نظرية متكاملة لتكوين الخبرة، وأن كانط كان ما يزال يبحث عن جسر لاهوتي بين شروط الحس وبنية الموجودات.

ثامنًا: منهج الميتافيزيقا ومغالطة الاستدخال

القسم الخامس هو أكثر أجزاء الرسالة اقترابًا من الروح النقدية. ففي الرياضيات والطبيعيات يتشكل المنهج بعد تراكم الممارسة؛ لأن مبادئها معطاة في حدس خالص أو تجريبي. أما الميتافيزيقا، حيث يدّعي العقل أنه يمنح المفاهيم والمبادئ من ذاته، فينبغي أن يسبق المنهج العلم؛ إذ لا توجد تجربة خارجية تصحح انتقالاته.

لذلك تصبح مراقبة حدود الملكات شرطًا لإمكان الميتافيزيقا، لا ملحقًا بها. قبل أن نستعمل مفهومًا ما، ينبغي أن نحدد مصدره: هل جاء من الحس؟ أم من الفهم؟ وفي أي مجال تصح أحكامه؟

يسمي كانط الخطأ الرئيس «مغالطة الاستدخال الميتافيزيقي». والمقصود بها تمرير شرط ذاتي للمعرفة الحسية على أنه محمول موضوعي للأشياء المعقولة. فإذا كان كل ما يمكننا حدسه يظهر في مكان وزمان، فلا يلزم من ذلك أن كل موجود ممكن في ذاته مكاني وزماني.

الخطأ لا يكمن في استعمال الزمان والمكان داخل الخبرة، وإنما في توسيع نطاق صلاحيتهما من الظاهرة إلى الوجود بإطلاق. إننا نعرف أن كل موضوع حسي ممكن لنا يخضع لهما، لكننا لا نملك الحق في القول إن كل موجود، بصرف النظر عن علاقته بالحساسية الإنسانية، يجب أن يخضع لهما.

يرد كانط صور المغالطة إلى أنماط متعددة. ففي النمط الأول يتحول شرط إمكان حدس الموضوع إلى شرط لإمكان الموضوع نفسه. ومن أمثلته القول إن كل موجود يوجد في مكان وزمان، وما يترتب عليه من سؤال عن موضع النفس أو عن حضور الله المكاني.

وفي النمط الثاني يتحول شرط مقارنة المعطيات وبناء مفهوم إلى شرط إمكان الشيء. ومن أمثلته توهم أن كل كثرة فعلية قابلة للعد، أو أن كل ما لا يتناقض منطقيًا ممكن واقعيًا. عدم التناقض شرط منطقي ضروري، لكنه لا يكفي وحده لإثبات الإمكان الحقيقي.

وفي النمط الثالث يتحول شرط التعرف التجريبي على انطباق مفهوم إلى شرط وجود موضوعه. ومن أمثلته الاستدلال من أن ما لم يوجد في وقت ما حادث إلى أن كل حادث يجب أن يكون قد سبقه زمان لم يكن موجودًا فيه. مثل هذا الحكم قد يصح على الأشياء الواقعة داخل الخبرة الزمنية، لكنه لا يطبق تلقائيًا على كل موجود ممكن.

يميز كانط أيضًا «مبادئ الملاءمة» التي يتبعها العقل لأن التخلي عنها يعطل البحث، لا لأنها حقائق أنطولوجية مثبتة. ومن ذلك افتراض انتظام الطبيعة، والاقتصاد في المبادئ، وثبات المادة عبر التغيرات.

تمهد هذه المبادئ لفكرة الاستعمال التنظيمي للعقل. إنها توجه الاستقصاء نحو الوحدة والنظام، لكن فائدتها المنهجية لا تكفي لإثبات أن الواقع في ذاته مطابق لها. نجاح مبدأ ما في تنظيم المعرفة لا يعني بالضرورة أنه وصف كامل لبنية الموجود المستقل عن المعرفة.

بهذا القسم يقترب كانط من معنى النقد بوصفه محكمة للحدود. العقل لا يُدان لأنه يطلب الكلي وغير المشروط، وإنما لأنه ينسى المصدر الذي منح تمثلاته صلاحيتها. تصبح الميتافيزيقا علمًا ممكنًا فقط حين تميز بين ما يخص موضوع الخبرة، وما يخص طريقة حضوره للذات، وما يمكن التفكير فيه دون أن يكون قابلًا للمعرفة.

تاسعًا: حوار الأطروحة مع أفلاطون ولايبنتز ونيوتن وفولف

1. العنصر الأفلاطوني

يستعيد كانط التمييز القديم بين الظاهرة والنومين، ويمنح المثال العقلي وظيفة معيارية. فالكمال النوميني الأقصى هو مقياس درجات الواقع؛ ويتمثل نظريًا في الله، وعمليًا في الكمال الأخلاقي.

ويرفض كانط تأسيس الحكم الأخلاقي على اللذة والألم، مؤكدًا أن مبادئ الأخلاق تُعرف بالعقل الخالص. هذا هو الجانب الأفلاطوني الذي سيبقى منه لاحقًا استقلال المعيار الأخلاقي، بينما ستُقيد دعوى المعرفة النظرية بالعالم المعقول.

2. نقد لايبنتز وفولف

تتمثل القطيعة الأعمق مع المدرسة العقلانية في رفض جعل الحس معرفة عقلية مشوشة. لا يمكن الوصول من الظاهرة إلى النومين بمجرد إزالة الغموض؛ لأن لكل منهما مصدرًا وقانونًا مختلفين.

كذلك ينتقد كانط رد المكان والزمان إلى علاقات بين الأشياء، ويرى أن هذا الرد يهدد الضرورة الرياضية. فإذا كانت العلاقات المكانية مستخرجة من ملاحظة الأشياء، فلن تمنحنا إلا معرفة تجريبية قابلة للتعديل، بينما تطالب الهندسة بضرورة سابقة على التجربة.

ومع ذلك يحتفظ كانط بمفردات الجواهر والإمكان والضرورة والعلة، ويستبقي الاعتقاد بأن الفهم الخالص يفتح طريقًا إلى ميتافيزيقا خاصة. ولهذا لا تكون الأطروحة قطيعة مكتملة مع العقلانية، وإنما إعادة بناء داخلها.

3. تجاوز البديل النيوتني

لا يعود كانط إلى نيوتن ببساطة. فهو يستفيد من فكرة وحدة المكان وبنيته السابقة على العلاقات الجزئية، لكنه يرفض وجوده كوعاء مطلق مستقل عن الذهن.

يمكن وصف موقف 1770 بأنه يجمع بنية قريبة من الإطلاق الرياضي مع مثالية من حيث الاعتماد على الذات. وهذا التركيب هو الذي يسمح لكانط بحفظ يقين الهندسة مع تفادي تحويل المكان إلى جوهر أو محمول قائم بذاته.

4. أثر الميتافيزيقا المدرسية

تظل لغة النص مشبعة بقاموس باومغارتن وفولف: الجوهر، والكل، والبسيط، والممكن، والضروري، والكمال. غير أن كانط ينقل الثقل من ترتيب المفاهيم إلى نقد مصدرها.

لم تعد سلامة التعريف ومبدأ عدم التناقض كافيين؛ فالسؤال هو: من أي ملكة صدر التمثل؟ وفي أي مجال يملك صلاحية؟ بهذا التحول تبدأ الفلسفة الترانسندنتالية داخل جهاز اصطلاحي لم تتحرر منه بعد.

عاشرًا: من أطروحة 1770 إلى «نقد العقل المحض»

يمكن قياس المسافة بين النصين من خلال بيان ما احتفظ به كانط، وما أعاد بناءه، وما تخلى عنه.

1. الحس والفهم

في أطروحة 1770 يظهر الحس والفهم بوصفهما مصدرين متغايرين يتجه كل منهما، في الأصل، إلى مجال مختلف: الحس إلى الظواهر، والفهم إلى الأشياء المعقولة.

أما في «نقد العقل المحض» فيصبحان مصدرين متغايرين لا تنتج المعرفة إلا من اتحادهما داخل التجربة الممكنة. الحس يمنح المعطى، والفهم يوحده بواسطة المفاهيم. الحدس من دون مفهوم يظل غير موحد، والمفهوم من دون حدس يظل خاليًا من الموضوع.

2. الزمان والمكان

في 1770 يُقدَّم الزمان والمكان بوصفهما حدسين خالصين ذاتيين وصورتي العالم المحسوس.

وفي الموقف النقدي الناضج يصبح المكان صورة الحس الخارجي، بينما يكون الزمان صورة الحس الداخلي والشرط الأعم لكل الظواهر. ويصفهما كانط بأنهما مثاليان ترانسندنتاليًا وواقعيان تجريبيًا: لا يصفان الأشياء في ذاتها، لكنهما صالحان لكل موضوع يمكن أن يظهر لنا.

3. المفاهيم الخالصة

تفترض الأطروحة استعمالًا حقيقيًا للفهم يتيح تصورًا إيجابيًا للنومينات. مفاهيم الجوهر والعلة والضرورة، وفق هذا الموقف، تستطيع أن تتجه إلى الأشياء المعقولة نفسها.

أما «نقد العقل المحض» فيحول هذه المفاهيم إلى مقولات لا تملك صلاحية معرفية إلا بتطبيقها على معطى حسي ممكن. لا تستطيع المقولات أن تنتج معرفة بشيء يقع خارج كل تجربة؛ لأنها لا تمنح الموضوع، وإنما توحد ما تقدمه الحساسية.

4. النومين

يظهر النومين في أطروحة 1770 بوصفه موضوعًا يمكن أن يمثله الفهم باعتباره الشيء كما هو، مستقلًا عن شروط الحس.

أما في الفلسفة النقدية فيتحول النومين إلى مفهوم حدي يقيّد دعوى الحس. يمكن التفكير في الشيء في ذاته من حيث إنه غير مستنفد بظهوره، لكن لا يمكن تكوين معرفة نظرية إيجابية به؛ لأن المعرفة البشرية تحتاج إلى حدس، وحدسنا حسي.

5. الله والعالم

تجعل الأطروحة العلة المشتركة أساس اتصال الجواهر ووحدة العالم المعقول. ويدخل الله داخل البرهان الميتافيزيقي بوصفه مبدأ أنطولوجيًا يفسر مادة العالم وصورته.

أما في «نقد العقل المحض» فتصبح أفكار الله والنفس والعالم أفكارًا للعقل لا تمنح معرفة نظرية بأشياء متعالية. يكون لها استعمال تنظيمي يدفع المعرفة نحو الوحدة، ويظهر لها لاحقًا الدور العملي.

6. مشكلة الموضوعية

لا تتضمن أطروحة 1770 استنباطًا يفسر كيف يطابق المفهوم القبلي موضوعًا مستقلًا عنه. وهي تفترض أن المفاهيم العقلية تكشف الأشياء كما هي، من دون بيان أساس هذه المطابقة.

أما الاستنباط الترانسندنتالي في «نقد العقل المحض» فيربط المقولات بوحدة الوعي وشروط إمكان الخبرة. تكون المقولات صالحة موضوعيًا لأن أي شيء يمكن أن يكون موضوعًا لنا يجب أن يخضع لوظائف التركيب التي تؤسس وحدة التجربة.

7. الخيال والتركيب

يظل دور الخيال والتركيب في أطروحة 1770 جزئيًا وغير منظم داخل نظرية موحدة.

وفي الموقف النقدي تصبح عمليات التركيب والمخيلة والوحدة الأصلية للإدراك الذاتي شروطًا لتكوّن موضوع الخبرة. الموضوع ليس معطى مكتملًا تستقبله الذات، وإنما وحدة تتشكل من خلال تركيب المتعدد وفق قواعد الفهم.

التحول الأهم، إذن، أن كانط لم يعد يقسم المعرفة بين عالمين مفتوحين لكل من الحس والفهم، بل جعل الحس والفهم وظيفتين متكاملتين في معرفة عالم الظواهر. وبذلك تنتقل المقولات من وصف الأشياء المعقولة إلى تأسيس موضوعية الخبرة.

أما الشيء في ذاته فلا يختفي؛ إنه يذكّر بأن الظاهرة ليست الواقع كما يمكن أن يكون مستقلًا عن شروط حساسيتنا. لكنه لا يعود موضوع معرفة نظرية إيجابية. لذلك ينبغي الحذر من القول إن كانط الناضج يثبت وجود عالمين منفصلين بالطريقة نفسها التي توحي بها أطروحة 1770؛ فكثير من القراءات ترى التمييز النقدي تمييزًا بين طريقتين في اعتبار الشيء، وإن ظلت المسألة موضع خلاف تفسيري.

تكشف رسالة هيرتس سنة 1772 سبب هذا التحول. فإذا لم تكن المفاهيم الخالصة آثارًا سببية للأشياء في الذهن، وإذا لم يكن الفهم البشري يخلق موضوعاته كالفهم الإلهي، فمن أين تأتي مطابقتها للموضوع؟

جواب «نقد العقل المحض» سيكون أن الموضوع القابل للخبرة نفسه لا يتحدد إلا وفق وظائف التركيب والمقولات. لا تُفسر المطابقة بنسخ الذهن لشيء جاهز، وإنما ببيان الشروط التي لا يكون من دونها شيء ما موضوعًا لنا أصلًا.

الحادي عشر: القيمة الإبستمولوجية للأطروحة

أول إنجاز إبستمولوجي للأطروحة هو إعادة تعريف الموضوعية. الموضوعية ليست خروجًا سحريًا من الذات، وإنما صلاحية مشتركة وضرورية داخل الشروط التي تجعل الموضوع ظاهرًا. وحين تكون صورة الحس ثابتة وكلية، تخضع لها كل ظاهرة ممكنة، فتكتسب القضايا الرياضية ضرورة لا يوفرها التعميم الاستقرائي.

والإنجاز الثاني هو تحرير الحس من مرتبة النقص. للحساسية نظام إيجابي ومحتوى لا يستطيع المفهوم تعويضه. يمكن للفكر أن يصف اليدين اليمنى واليسرى بالصفات نفسها، لكن الحدس المكاني يكشف اختلافًا لا يلتقطه الوصف. بذلك يمنح كانط للحدس دورًا معرفيًا أصيلًا، وهو ما سيصبح لاحقًا أساس القول إن المعرفة الإنسانية تحتاج دائمًا إلى إعطاء الموضوع وإلى التفكير فيه معًا.

والإنجاز الثالث هو تأسيس فلسفة للحدود. إن عبارة «لا نستطيع تمثل شيء إلا زمانيًا ومكانيًا» لا تساوي عبارة «كل شيء في ذاته زماني ومكاني». يفصل كانط بين ضرورة تخص بنيتنا المعرفية وضرورة تخص الوجود نفسه.

هذه المسافة هي أصل المنهج الترانسندنتالي: تحليل ما يجب أن يكون صادقًا قبليًا عن خبرتنا، من غير تحويله مباشرة إلى أنطولوجيا مطلقة. فالفلسفة الترانسندنتالية لا تسأل أولًا عما تكون عليه الأشياء في ذاتها، وإنما عما يجعل معرفتنا القبلية بالأشياء ممكنة.

والإنجاز الرابع هو التمييز بين المبادئ التأسيسية والمبادئ التنظيمية. انتظام الطبيعة، ووحدة التفسير، والاقتصاد في الفروض، ضرورية لعمل البحث، لكن نجاحها الإجرائي لا يبرهن وحده على أنها أوصاف مكتملة للواقع في ذاته. يسبق القسم الأخير نظرية أفكار العقل بوصفها مطالب توجه المعرفة نحو النسق من دون أن تمنح موضوعًا متعاليًا.

والإنجاز الخامس يتمثل في تحرير السؤال الفلسفي من الاختيار المباشر بين الواقعية والمثالية. لم يعد السؤال: هل المكان موجود خارج الذات أم داخلها؟ وإنما: ما نوع الصلاحية التي يملكها المكان؟ وفي أي مجال يمكن تطبيق أحكامه؟ إن المكان مثالي من حيث علاقته بالأشياء في ذاتها، وواقعي من حيث صلاحيته لكل تجربة خارجية ممكنة.

الثاني عشر: قراءة نقدية في حدود المشروع

1. غياب تفسير الصلاحية الموضوعية للمفاهيم

المشكلة الأشد في الأطروحة هي أنها تعلن وجود مفاهيم عقلية خالصة، ثم تنتقل سريعًا إلى القول إنها تكشف الموجود كما هو. لكنها لا تفسر لماذا ينبغي لقوانين صادرة من الفهم أن تطابق جواهر مستقلة عنه.

كان الفصل بين الحس والفهم ضروريًا، لكنه جعل علاقة كل منهما بالموضوع أكثر تعقيدًا. فإذا كانت الحساسية لا تكشف الأشياء كما هي في ذاتها، وإذا كان الفهم لا يتأثر بالأشياء المعقولة، فبأي حق نقول إن مفاهيمه تصفها؟

هذا الفراغ هو الذي سمّاه كانط لاحقًا «مفتاح سر الميتافيزيقا». ومنه ستنشأ الحاجة إلى الاستنباط الترانسندنتالي بوصفه برهانًا على الصلاحية الموضوعية للمقولات داخل حدود التجربة.

2.نظرية غير مكتملة في الخبرة

تظهر الخبرة في الرسالة بوصفها انعكاسًا منطقيًا يقارن الظواهر ويجمعها تحت قوانين عامة. ولا نجد بعدُ نظرية تفصيلية في التركيب، ولا وحدة الإدراك الذاتي، ولا المخيلة الترانسندنتالية، ولا مخططية تصل المقولات بالحدس.

يستطيع النص تفسير صورة المعطى الحسي، لكنه لا يفسر بصورة كافية كيف يصير هذا المعطى موضوعًا واحدًا يمكن الحكم عليه. إن القول إن الزمان والمكان ينظمان الانطباعات لا يكفي لتفسير وحدة الشيء واستمرار هويته ودخوله في علاقات سببية موضوعية.

3.الهندسة الإقليدية بعد الهندسات اللاإقليدية

ربط كانط يقين الهندسة ببنية المكان الخالص كما تصوغها هندسة إقليدس. وقد جعل ظهور الهندسات اللاإقليدية ثم النسبية العامة الدعوى القائلة إن الفضاء الفيزيائي يجب أن يطابق البناء الإقليدي موضع مراجعة.

لكن هذا التطور لا يلغي السؤال الترانسندنتالي نفسه: ما الشروط التمثيلية والمفهومية التي تجعل القياس المكاني والخبرة الفيزيائية ممكنين؟ الذي ضعف هو تعيين بنية واحدة نهائية لهذه الشروط، لا ضرورة البحث في شروط التمثيل.

ويمكن، تبعًا لذلك، فصل الحدس الكانطي العام عن الصياغة العلمية التاريخية التي ارتبط بها. يبقى السؤال عن إسهام البنية الإدراكية في تشكيل الفضاء المعيش قائمًا، حتى لو لم تعد الهندسة الإقليدية وصفًا ضروريًا وحيدًا للفضاء الفيزيائي.

4.غموض مفهوم «الذاتي»

قد توحي كلمة «الذاتي» بأن المكان والزمان حالتان نفسيتان فرديتان، وهو فهم مضلل. فهما عند كانط قانونا حساسية مشتركان يحددان مجال الموضوعية الممكنة.

ومع ذلك لم تطور الأطروحة بعدُ تمييزًا كاملًا بين الذاتي النفسي والذاتي الترانسندنتالي؛ ولهذا يسهل أن تُقرأ مثاليتها كإنكار للعالم الخارجي، مع أن كانط يصر على أن الإحساس يشهد بحضور مؤثر وأن معرفة الظواهر صادقة.

الذاتي الترانسندنتالي لا يعني المحتوى الخاص بوعي فرد، وإنما البنية الضرورية التي يجب افتراضها في كل ذات بشرية يمكن أن تكون لها خبرة موضوعية. المكان والزمان ذاتيان من حيث مصدر صورتهما، لكنهما موضوعيان من حيث انطباقهما الضروري على كل ما يمكن أن يظهر لنا.

الثالث عشر: إمكان قراءة فينومينولوجية ومعاصرة

يمكن النظر إلى الأطروحة من منظور فينومينولوجي بوصفها انتقالًا من سؤال «مم يتكون العالم؟» إلى سؤال «كيف يتشكل معنى العالم في الظهور؟». إلا أن كانط لا يصف التجربة المعيشة من داخلها كما سيفعل هوسرل؛ فالزمان والمكان عنده شرطان قبليان عامان، بينما ستبحث الفينومينولوجيا في بنية القصدية، والاحتفاظ والاستباق، والأفق، والجسد المعيش، وكيفية تكون الموضوع عبر مجرى الوعي.

تتصل الأطروحة خصوصًا بفينومينولوجيا الزمن. فالزمان ليس شيئًا يواجه الوعي، وإنما شرط ترتيب التعاقب والتزامن. غير أن هوسرل سيحوّل هذا الشرط العام إلى تحليل دينامي للآن الحي واحتفاظه بالماضي القريب وتوقعه للمقبل. يمكن القول إن كانط يحدد ضرورة الصورة الزمنية، بينما يحلل هوسرل كيفية اشتغال التزمين في التجربة.

ويظهر اختلاف آخر في مفهوم الذات. الذات الكانطية في أطروحة 1770 مصدر لقوانين الترتيب الحسي، لكنها لا تزال غير محللة بوصفها مجرى قصدية حية. أما الفينومينولوجيا فستجعل من العلاقة بين الوعي والموضوع محورًا للتحليل، بحيث لا يظهر الموضوع بوصفه معطًى ساكنًا، وإنما بوصفه وحدة تتكون عبر منظورات واحتفاظات وتوقعات متعاقبة.

وفي حوار مع علوم الأعصاب المعاصرة يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات. المستوى العصبي يبحث في الآليات التي تتيح التنسيق المكاني والزماني، والمستوى الفينومينولوجي يصف كيف يُعاش المكان والزمان، والمستوى الترانسندنتالي يسأل عن الشروط التي تجعل التمثل ذا صلاحية موضوعية.

لا يجوز اختزال الصورة القبلية مباشرة إلى شبكة عصبية محددة؛ لأن البرهان الكانطي تبريري لا سببي. كانط لا يسأل عن العضو أو الدارة التي تنتج الإدراك المكاني، وإنما عن الشرط الذي يجعل تمثل موضوع خارجي ممكنًا من حيث المبدأ.

لكن الاكتشاف العام بأن التجربة ليست استقبالًا خامًا، وأن الجهاز المعرفي يفرض تنظيمًا سابقًا على المعطيات، يظل نقطة حوار خصبة مع النماذج البنائية والتنبؤية للإدراك. فهذه النماذج ترى أن الدماغ لا ينتظر وصول معلومات مكتملة، وإنما يشارك في بناء التمثلات عبر التوقع والتقدير وتصحيح الخطأ.

ولا يعني هذا التطابق بين كانط وعلم الأعصاب. فالبنية العصبية واقعة تجريبية يمكن فحصها وتعديل الفرضيات المتعلقة بها، بينما الشرط الترانسندنتالي يتعلق بما يجب افتراضه كي تكون الخبرة الموضوعية ممكنة. الخلط بين المستويين يحول السؤال الفلسفي إلى وصف فيزيولوجي، أو يحول الوصف الفيزيولوجي إلى ادعاء ميتافيزيقي.

وبالنسبة إلى مشروع فينومينولوجيا عصبية مستقبلية، تمنح الأطروحة تحذيرًا منهجيًا ثمينًا: شروط الظهور ليست بالضرورة صفات للأشياء في ذاتها، وشروط القياس العصبي ليست بالضرورة ماهية الخبرة المعيشة. المطلوب وصل المستويات دون خلطها؛ أي تفسير كيف تسند البنى العصبية إمكان التجربة، مع إبقاء الوصف الظاهراتي والسؤال الترانسندنتالي متميزين من التفسير الفيزيولوجي.

يمكن كذلك ان يتمد الحوار حول مفهوم الجسد المعيش. المكان عند كانط صورة للحس الخارجي، لكن ظاهرة اليمين واليسار تكشف ضمنيًا أن الاتجاه المكاني لا ينفصل عن تموضع ذات متجسدة. فما يظهر يمينًا أو يسارًا يتحدد انطلاقًا من جسد ذي اتجاه. وسيوسع ميرلو-بونتي هذا الحدس، فيجعل الجسد مركزًا عمليًا للاتجاه والحركة، لا مجرد موضوع يقع داخل فضاء متجانس.

ومن هنا يمكن القول إن أطروحة 1770 تقف في بداية مسار طويل: من المكان بوصفه حدسًا خالصًا، إلى الفضاء بوصفه بنية للخبرة المتجسدة، ثم إلى البحث العصبي في الخرائط الحسية-الحركية التي تسند التوجيه والإدراك. ومع ذلك يحتفظ كل مستوى بسؤاله الخاص، ولا يغني أحدها عن الآخر.

الرابع عشر: النتائج الرئيسة

يمكن استخلاص النتائج الآتية:

1. أسست أطروحة 1770 التمييز الجيني بين الحساسية والفهم، ونقلت الفرق بينهما من درجة الوضوح إلى اختلاف المصدر والقانون.

2. أثبتت أن الزمان والمكان حدسان خالصان مفردان يسبقان الخبرة ويؤسسان صورتها، مع الجمع بين مثاليتهما بالنسبة إلى الأشياء في ذاتها وصدقهما الضروري في مجال الظواهر.

3. حررت المعرفة الحسية من اعتبارها صورة ناقصة من المعرفة العقلية، ومنحت الحدس وظيفة معرفية لا يستطيع المفهوم أن يحل محلها.

4. جعلت نقد تعدي الحدود جزءًا من منهج الميتافيزيقا، وصاغت في مغالطة الاستدخال نموذجًا مبكرًا للوهم الترانسندنتالي.

5. ميزت بين المبادئ المؤسسة للموضوع والمبادئ المنهجية التي توجه البحث نحو الوحدة والانتظام، ممهدة لفكرة الاستعمال التنظيمي للعقل.

6. أبقت للفهم، مع ذلك، استعمالًا إيجابيًا في معرفة النومينات، وردت وحدة العالم إلى علة إلهية مشتركة؛ ولذلك بقيت معلقة بين الميتافيزيقا المدرسية والنقد.

7. أظهر تطور كانط بعد 1770 أن الفصل بين ملكات المعرفة لا يكفي؛ إذ يلزم بيان كيفية اتحادهما وكيف تكتسب المفاهيم القبلية صلاحية على الموضوعات.

8. من هذه الحاجة نشأت المقولات والاستنباط الترانسندنتالي ونظرية التركيب ووحدة الإدراك الذاتي في «نقد العقل المحض».

9. تحتفظ الأطروحة بقيمة معاصرة لأنها تميز بين بنية الظهور وبنية الأشياء في ذاتها، وهو تمييز يفيد الحوار بين الفينومينولوجيا وعلوم الأعصاب وفلسفة الإدراك.

10. لا تكمن أهميتها في الأجوبة التي قدمتها فقط، وإنما في المشكلة التي تركتها مفتوحة: كيف يمكن لذهن محدود أن ينتج أحكامًا قبلية ذات صلاحية موضوعية؟

خاتمة

تكمن عظمة «في صورة العالم المحسوس والعالم المعقول ومبادئهما» -وهو العنوان الأدق للأطروحة- في كونها نصًا يقف على العتبة. لقد خرج كانط فيها من الاعتقاد بأن الحس نسخة غامضة من الفكر، فاكتشف أن الظهور يمتلك شروطًا لا تُستمد من الأشياء ولا من التجربة، وأن المكان والزمان قانونان يكوّنان أفق العالم المحسوس.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد السؤال: كيف يبلغ العقل واقعًا جاهزًا؟ وإنما صار: ما الذي يجب أن تسهم به الذات حتى يكون ثمة موضوع وخبرة وعالم؟

غير أن كانط سنة 1770 لم يسحب النتيجة إلى نهايتها. فقد جعل الحساسية ذات مجال محدود، ثم منح الفهم جواز مرور إلى العالم المعقول. وحين سأل بعد عامين عن أساس علاقة التمثل العقلي بموضوعه، انكشف أن هذا الجواز بلا تبرير.

عندئذ بدأ العمل الذي سيقلب الميتافيزيقا: المفاهيم الخالصة لا تصف عالمًا خلف الظواهر، وإنما تشارك في تكوين وحدة التجربة الممكنة. لا يكون العقل مرآة تنسخ موضوعًا جاهزًا، ولا تكون الذات خالقة لوجود الأشياء؛ بل تتحدد المعرفة في المجال الذي يلتقي فيه المعطى الحسي بوظائف التركيب.

لهذا لا تمثل الأطروحة مسودة ناقصة لـ«نقد العقل المحض» فقط. إنها مختبر يظهر فيه الفرق بين اكتشاف قبليّة الصورة واكتشاف حدود المعرفة. تحقق الإنجاز الأول فيها بوضوح، وبدأ الإنجاز الثاني في منهجها، ثم احتاج إلى عقد كامل كي يتخذ صورة نقد للعقل نفسه.

وبين الإنجازين يتحدد معناها الدائم: العالم الذي نعرفه ليس معطًى بلا وسيط، والعقل الذي يطلب تجاوزه لا بد أن يفحص أولًا الشروط التي منحته إمكان السؤال.

***

عبد الله الهميلي

في المثقف اليوم