أقلام فكرية
غالب المسعودي: التفاعل الجدلي بين الموروث الحيوي والسيادة الثقافية
تعد إشكالية التوتر القائم بين الدوافع الغريزية الفطرية وبين القدرة على التجاوز الثقافي واحدة من أعمق القضايا التي واجهت علم الإنسان الفلسفي والعلوم الحيوية المعاصرة على حد سواء. إن التساؤل عما إذا كانت "النزعات الحيوانية" لا تزال تهيمن على مسارات السلوك البشري في القرن الحادي والعشرين يتطلب تفكيكاً دقيقاً لمفهوم "الطبيعة البشرية" ومراجعة شاملة لآليات التطور التي شكلت جهازنا العصبي المركزي. إن المقاربة التكاملية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الإنسان كونه مجرد وعاء فارغ تشكله الثقافة، ولا كإنسان آلي تحركه البرامج الوراثية بشكل حتمي، بل كمحصلة نهائية لتفاعل ديناميكي معقد بين المسارات الوراثية والبيئية؛ حيث تمنحنا معداتنا الإحيائية إمكانية فهم أسباب رغباتنا، بينما تعيد التنشئة الاجتماعية صياغة تلك الرغبات وتوجيهها ضمن أطر حضارية.
الجذور التطورية والأساس الوراثي للسلوك
ينطلق التفسير الحيوي الحديث من حقيقة أن الإنسان هو نتاج عملية تطورية امتدت لملايين السنين، خضعت خلالها السمات الجسدية والنفسية لآليات الانتخاب الطبيعي والجنسي. فالتطور ليس مجرد تغير في الشكل الخارجي، بل هو تكيف نفسي ووظيفي يهدف لضمان البقاء والاستمرار. من هذا المنطلق، يمكن اعتبار "المورثات" هي وحدات الوراثة الأساسية التي تحمل المعلومات اللازمة لبناء الكائن وتوجيه سلوكياته لضمان استمرار نسخته الوراثية في الأجيال القادمة. تؤكد نظريات التطور السلوكي أن العديد من الأنماط التي نراها اليوم، مثل التعاون والإيثار وحتى النزعات العدوانية، لها جذور وراثية كانت توفر ميزات تكيفية لأسلافنا في بيئاتهم القديمة. فالإيثار، على سبيل المثال، يُفسر في ضوء "اللياقة الشاملة" حيث يميل الفرد لمساعدة أقاربه لضمان بقاء الصفات الوراثية المشتركة، وهو سلوك ذو جذور حيوية عميقة ينتقل وراثياً وليس مجرد نتاج للتعلم الاجتماعي الصرف.
التشريح العصبي: صراع الغريزة والعقل
يمكن قراءة الصراع بين الموروث الغريزي والسيادة البشرية من خلال بنية الدماغ البشري، التي تعكس تاريخنا التطوري بشكل مادي. فالدماغ ليس كتلة واحدة، بل هو نظام يتكون من وحدات متباينة في العمر التطوري وفي الوظيفة السلوكية:
أولاً: الجهاز الحوفي، وهو حارس الإرث الحيواني، والمسؤول عن الانفعالات الأولية مثل الخوف والغضب واللذة. يعمل هذا الجزء بسرعة فائقة كآلية دفاعية تضمن الاستجابة الفورية للأخطار.
ثانياً: الفص الجبهي الأمامي، وهو قمة الاستثناء البشري، حيث يسكن المنطق والتخطيط والقدرة على كبح الجماح. تؤكد الأبحاث العصبية أن عملية اتخاذ القرار هي نتاج تفاعل مستمر وأحياناً صراعي بين هذين النظامين. فالجهاز الحوفي قد يدفع الفرد نحو الاستهلاك المفرط أو الغضب الغريزي، بينما يقوم الفص الجبهي بممارسة "الرقابة" وتوجيه هذه الاندفاعات نحو أهداف مقبولة اجتماعياً. هذا "التنسيق الوظيفي" هو ما يسمح للإنسان بأن يكون كائناً حيوياً وحضارياً في آن واحد، حيث يزودنا النظام الحوفي بالدافع العاطفي، بينما يزودنا النظام القشري بالتوجيه والمنطق.
أثر الجغرافيا في صياغة الموروث والسيادة
لا يمكن فصل هذا الصراع عن المسرح الجغرافي الذي تم عليه. فالجغرافيا هي التي حددت "الضغوط الانتخابية" التي شكلت موروثنا. لقد لعب المناخ والتضاريس دوراً حاسماً في توزيع الصفات الوراثية؛ فالشعوب التي استوطنت المناطق الباردة طورت ميكانيكيات حيوية تختلف عن شعوب المناطق المدارية. إن الجغرافيا وضعت القوالب الأولى للثقافات؛ فالشعوب في البيئات المفتوحة طورت ثقافات تميل للانفتاح والتبادل، مما تطلب تهذيب غريزة "الخوف من الغريب"، بينما فرضت البيئات المعزولة أنماطاً من التضامن الداخلي الشديد. السيادة الثقافية تبرز هنا في قدرة الإنسان على "تطويع" الجغرافيا؛ فبينما يستسلم الحيوان لظروف بيئته، استطاع الإنسان عبر الوعي والابتكار أن يستوطن القفار والجليد، محولاً التحدي الجغرافي إلى محرك للرقي الحضاري.
اللدونة السلوكية ونظرية التعلم الاجتماعي
تمثل نظرية التعلم الاجتماعي رداً قوياً على دعاة الحتمية الحيوية، حيث تركز على قدرة الإنسان الفائقة على التعلم من خلال الملاحظة والنمذجة. ويبرز هنا مفهوم "الحتمية التبادلية"، الذي يرى أن السلوك البشري هو نتاج تفاعل مثلثي بين العوامل الشخصية (بما فيها الحيوية)، والبيئة، والسلوك نفسه. وعلى عكس الكائنات التي تعتمد بشكل كلي على الاستجابات المبرمجة وراثياً، يمتلك الإنسان القدرة على "الوكالة"؛ أي التأثير في الظروف التي تشكله. من خلال التفكير الرمزي واستباق النتائج، يستطيع الإنسان أن يتجاوز المحفزات الفورية التي تحرك الغرائز، وأن يتصرف بناءً على قيم ومبادئ طويلة الأمد. أثبتت التجارب العلمية أن العدوانية البشرية ليست مجرد "انفجار وراثي"، بل هي سلوك يتم تعلمه ونمذجته اجتماعياً، مما يعني أن الإنسان يمتلك "لدونة" هائلة تسمح له بتجاوز الميول الوراثية.
تحديات العصر الرقمي: اختطاف الغرائز
يواجه الإنسان المعاصر تحدياً فريداً يتمثل في كيفية استغلال التقنية الحديثة لغرائزه القديمة، وهو ما يسمى "اختطاف المورثات". تطور نظام المكافأة في الدماغ لتحفيز سلوكيات ضرورية للبقاء. اليوم، تستخدم المنصات الرقمية خوارزميات مصممة بدقة لاستهداف هذا النظام الغريزي. فكل إشعار يحفز دفقة كيميائية تخلق حلقات إدمانية تتجاوز رقابة العقل. هذا الاستغلال يوضح أن النزعات القديمة لا تزال موجودة كمفاتيح يمكن للتقنية الضغط عليها، مما يؤدي إلى ضغوط نفسية وتغييرات في بنية الدماغ نفسه لدى المستخدمين المفرطين.
البيولوجيا والسلطة: من العنصرية إلى المسؤولية
تاريخياً، استُخدمت فكرة "التحكم الوراثي" لتبرير التمييز. فالحتمية الحيوية كانت الأساس لحركات "تحسين النسل" والعنصرية التي ادعت وجود فئات بشرية أدنى وراثياً. إلا أن العلم المعاصر يؤكد أن الاختلافات البشرية "طيفية" وليست فئات منغلقة، مما يبطل فكرة وجود مورثات طبقية ثابتة. وفي سياق المسؤولية القانونية، يبرز التساؤل: إذا كان السلوك مرتبطاً بطفرات وراثية، فهل يظل الفرد مسؤولاً؟ يميز القانون المعاصر بين السببية الحيوية والوكالة العقلانية؛ فالإنسان يظل مسؤولاً لأنه يملك القدرة على التمييز بفضل نضج الفص الجبهي والتربية الثقافية. السببية لا تعني الحتمية، والوعي هو الدرع الذي يحمي الفرد من الانقياد الكلي لبيولوجيته.
كائن بيني وسيمفونية الوجود
إن الإنسان هو "كائن بيني"؛ فهو حيوي في جذوره، ولكنه ثقافي في غاياته. المورثات لا تزال توفر البنية التحتية للعواطف والرغبات، وهي "المستشار" الذي يهمس بالدوافع القديمة في مواقف الخطر. ومع ذلك، فإن السيادة البشرية تكمن في القدرة على "تنقيح" هذه الدوافع. نحن لا نأكل لمجرد إشباع الغريزة، بل حولنا الأكل إلى فن وعمل اجتماعي، ولا نتزاوج لمجرد تكرار الصفات، بل حولنا الرغبة إلى حب ومسؤولية أخلاقية. إن السلوك البشري المعاصر هو سيمفونية معقدة تعزفها المورثات والبيئة والجغرافيا والوعي الفردي معاً. التحدي الأكبر ليس في "تحكم" المورثات، بل في الحفاظ على "سيادتنا الثقافية" في مواجهة تقنيات تسعى لتجاوز وعينا العقلاني. إن فهمنا العميق لمكانتنا هو الضمان الوحيد لعدم العودة إلى حالة "الحيوانية" التي تجاوزناها بشق الأنفس عبر رحلة التطور الحضاري والروحي.
***
غالب المسعودي
......................
المراجع
الوردي، علي. (1954). مهزلة العقل البشري. بغداد: مطبعة المعارف. (لتحليل الصراع بين الطبيعة البشرية والقيود الاجتماعية)
دايموند، جاريد. (2007). أسلحة، جراثيم وفولاذ: قدر الشعوب البشرية. ترجمة: نبيل سليم. أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. (لفهم أثر الجغرافيا في التطور)
داوكينز، ريتشارد. (2009). الجين الأناني. ترجمة: هالة تعمري. بيروت: دار الساقي. (لتعميق فهم المورثات كوحدات وراثة)
باندورا، ألبرت. (1986). الأسس الاجتماعية للفكر والعمل. (المرجع الأساسي لنظرية التعلم الاجتماعي والوكالة البشرية)
مورين، إدغار. (2002). الإنسان والنشوء. ترجمة: حكيم بن حمودة. الدار البيضاء: دار توبقال. (يتناول تعقيد الهوية البشرية بين البيولوجيا والثقافة)






