عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: هل يمكن للعقل البشري إدراك الماورائيات؟

لن يمنحك مقالي هذا إجابة مبتذلة قريبة المنال بقدر ما يفتح بصيرتك على تساؤلات أشرس وأعند، فالسؤال الجاد لا بد من أن ينتهي إلى تساؤلات أثقل تنقلك إلى مدى أبعد مما تصوّرت وجوده يوما ما.

وقبل أن أحاول التعريج إلى حيثيات السؤال وأبعاده، دعوني أوطّئ طرحي بتعريف الماورائيات حتى نبدأ سويا من أرضية مشتركة، ولنتبنَّ تعريفا ينأى عن التعقيد والإطناب، فأقول: الماورائيات ما لا تطوله الحواس عادةً، أي: ما وراء الحسّ وما يتجاوز المعقول، وبغضّ النظر عن مدى كونه تعريفا جامعا مانعا، إلا أن الغاية هي - كما أسلفت - الانطلاق من أرضية مشتركة حول المفهوم المحوري للسؤال المطروح: الماورائيات.

إنّ المُعطى للعقل البشري يأتيه من طريق حواسنا، فالمرئيات تدخل عن طريق حاسة البصر، والمسموعات عن طريق حاسة السمع، وهلمّ جرا، ثم يأتي دور الدماغ ليعالج هذه المعطيات القادمة استجابةً لما رصده من العالم الخارجي عبر قنواته، حواسِّه، فلا يُصدِر إلا عن مَعين الحواسّ، وهو ما نطلق عليه المُخرَجات؛ وعليه فالعقل البشري رهين مُعطى الحواسّ، ولا يمكنه تقبّل ما جاوز ذلك واستيعابُه، هذا من الناحية المنطقية والنظرية.

ولكن من أين تأتي مادة الخيال والأحلام والأساطير؟ يبدو أنّ للعقل البشري قدرة فائقة على تصوّر ما هو غير موجود مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر! فمثلا: يمكننا جميعا أن نحلم أو نتخيل أو نتوارث سردية قديمة تدور مثلا حول كائنٍ له جسد فيل ورأس أفعى وقوائم نعامة، وصورة هذا الكائن رغم عدم وجوده حقيقة إلا أن عقولنا قادرة على تصوّره، وهناك مثلا منطقة الأديان الخصبة بتصورات ماورائية لا يقبلها العقل البشري في تفاصيل حياته الأخرى، بل لربما يتندّر منها؛ لكنه يستسيغها عقله ويتقبّلها، رغم ما فيها من خروقات صارخة لقوانين عقله، وهكذا في أساطير التاريخ، التي تتجاوز الاستيعاب إلى الاقتناع.

هذه القدرة على تصور ما هو غير محسوس، هل تحيلنا إلى حقيقة ما؟ ولماذا لدى عقولنا القدرة على الخيال في المقام الأول؟ وحين أقول الخيال فإنني أعنيه بشقّيه خيال اليقظة - بأشكاله كافّة - والمنام، مع فارق أن المنامات تتشكّل بعيدًا عن إرادتنا الحرة، وإذا كانت هذه القدرة متطورة فلأي احتياج نشأ هذا التطور؟ وماالداعي إليه؟ وهل هناك ما طُمِس عنّا أنشأ هذه القطيعة بين إدراكنا الماورائي وبين حالنا اليوم وكأننا كائنات تكاد تكون مادية بحتة؟ إذْ لا يمكنني إخفاء استغرابي من وجود هذه القدرة على تصوّر الماورائي دون وجود غاية، بل وغاية عظيمة لها، ناهيك عمّا إذا اعتبرنا وجود عقل جمعي أدرك في بعض مراحله بعض المدرَكات في وقت مضى، ولتقادم العهد بها أطلقنا عليها ما ورائيات، بَيْدَ أنها ليست كذلك.

وأحب أن أختم لفتتي هذه بسؤال يراودني منذ أَمَدٍ بعيد، وتحديدا منذ أن تعرّى أمامي قصور العقل وسقطت هيبته وأدركت أنه ليس سوى زوبعة في فنجان، ولكننا مرهونون به شئنا أم أبينا، هذا السؤال هو: هل لدينا آلة إدراكية أخرى تنافس العقل تتستّر خلف ما نسميه إحساسا داخليا وحدسا لا يمر عبر قنوات الحواسّ؟ أم هل هو العقل نفسه ولكن بمستوى عميق من الإدراك؟ ولو تسالَمنا على دقة المعلومة السائدة من كون الدماغ يمثله ذلك العضو المحبوس تحت قضبان جمجمتنا، وأن العقل شيء آخر، وهو المفكر الحقيقي، وهو غير ملموس! وهذه بذاتها مفارقة محيّرة وهي أن العقل برمّته كيانٌ ماورائي! بالدرجة الأولى، وأنه غير خاضع لبُعدي الزمان والمكان - بحسب كارل يونغ - فهو يغذّي الدماغ بمادة الماورائيات! أقول لو تسالَمنا، وما أكثر ما نتسالَم عليه لأننا لا نملك جوابا أقل ثغرات منه، فسيكون السؤال حينها هل يمكن للماورائي - أي العقل - إدراك الماورائيات؟ وهذه قفزة في ارتدادات السؤال تستحق الالتفات.

***

محمد سيف - عُمان

 

في المثقف اليوم