عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد خليفة أحمد: الفلسفة في قفصِ الاتِّهام

في التاسعَ عشرَ من أغسطس عام ٢٠٢٤م، تم إلغاءُ مادة الفلسفة، كمادةٍ رئيسةٍ مضافة للمجموع في الثانويةِ العامةِ المصرية. هذه الواقعة ليست الأولى في الحقبة المعاصرة؛ فقد حدثَ في العهد الناصري، أن اتُّخِذَ قرارٌ من كمال الدين حسين بإلغاء مادة الفلسفة من الثانوية العامة، غير أن هذا القرار واجهَ اعتراضاتٍ قويةً من بعض أساتذة الفلسفة، وعلى رأس الذين قاموا بالتصدي لهذا القرار: د. مراد وهبة، د. زكي نجيب محمود، د. عثمان أمين، مما اضطَّرَّ مُتَّخِذي القرار إلى التراجعِ عنه، وعودة مادة الفلسفة كمادة رئيسة في الثانوية العامة(١).

إن الفلسفة تعني -من ضمن ما تعني- طَرْحَ السؤال، فهل هناك تقدُّم ونهضة علمية، في أي مجال كان، دون طَرْح السؤال؟

إن الفلسفةَ تتطلب التفردَ والتفكيرَ النقدي، ومعنى أنْ تتم المحاولةُ، أكثر من مرة، لإقصاء الفلسفة كمادة تعليمية؛ إذن فهذا ليس عَبَثًا، ولكنها ذهنيةٌ تريدُ الاتباعَ لا الإبداع، تريدُ إماتة كل تفكيرٍ نقدي مِن شأنه أن يوجد، ومعنى أن تُلغى في مرحلة الثانوية العامة، أي أننا نقول للجيل الذي في هذه المرحلة: لا قيمةَ للتفكير ولا لإعمال العقلِ، ونُربِّي فيهم السمع والطاعة، ومِن ثَمَّ تَسْهُل السيطرةُ على هذه العقول، وتكون لديها قابليةِ التطرفِ أكثر من غيرها، ومعنى هذا أيضًا أننا نُسلِّمُهم للتيارات المتطرفةِ تتلاعبُ بعقولهم، وتسخِّرُهم لتأكيد تمددها في بِنية مجتمعاتنا.

ومِن الغريب أن بعضهم لا يَكُفُّ عن المناداة باتِّباعِ خُطَى الغربِ، وفي نفس الوقت تصل بهم الحالُ إلى ازدراء الفلسفةِ إلى حد إلغائها، فهل هم بذلك مُقلِّدون للغرب الذي يأخذونه أنموذجًا للاتباع؟ وهل قامتْ أوروبا بإلغاء الفلسفةِ وازدراء التفكير النقدي، والسعي وراء تنشئة جيلٍ منزوع التفكير النقدي، وغير قادرٍ على طرْح السؤال؟

الفلسفة والنهضة الأوروبية

إن أوروبا الحالية، بكل ما فيها مِن تقدُّمٍ على المستوييْن: العلمي والفكري، تعود بهذا الفضل إلى عصر التنوير والذين أسسوا له، والذين جاءوا بعده وأكملوا المَسِيرةَ، وإذا عَلِمْنا أن هذا العصر قد دارتْ فيه، وفي الحقبة السابقةِ عليه، معاركُ طاحنةٌ بين الفكر اللاهوتي الأصولي المتشدد، الرافض لكل إبداعٍ وجديد، حتى على مستوى العلومِ التجريبيةِ، والرافض كذلك لأي خروجٍ عن النهْج التقليدي المتوارَث، هذه المعارك من قِبَل فلاسفة هذه الحقبة، كانت السبب الرئيس في القطيعة التي حدَثَتْ بين أوروبا المُظلمة، وأوروبا الحديثة(٢)، التي بدأتْ عصرًا جديدًا تُمثِّلُ الفلسفةُ الركنَ الرئيس فيه إلى جوارِ العِلْمِ التجريبي.

وإذا عَلِمْنا أن أبرز الأسماء في هذه الحقبة كانت أسماء مثل: ديكارت، فرانسيس بيكون،، سبينوزا، جون لوك، ديڤيد هيوم، إيمانويل كانط، ڤولتير...إلخ، كانوا فلاسفةً في المقام الأول، فأقولُ: أليست هذه دلالة على أن الفلسفةَ هي التي حَمَلَتْ على كاهلها عبء النهضة الأوروبية؟ وتَهْيئة الطريق أمام حضارةٍ عملاقة؟ إننا نرى أكثر الدول الغربية تقدمًا لم تفكِّر يومًا في إلغاء الفلسفة؛ بل على النقيض من ذلك؛ فإن الدراسات الفلسفية تزدهِرُ أكثر بشتى فروعها في هذه البلدان، ويتزايد عددُ المشتغلين بالفكر الفلسفي أضعاف ما كان عليه في السابق، وليس من ناحية العددِ فقط؛ وإنما من ناحية الموضوعاتِ الفلسفية المطروحة، والمشاكل التي تتصدَّى لها الفلسفةُ؛ للوصول فيها إلى حلول(٣).

إن الحاجةَ إلى الفلسفةِ تتمثلُ في الذي حلَّ بالعقل الإنساني من تغير من بنيته الذهنية، بحيث أصبح أداة لتدمير الحضارةِ الإنسانية بدلًا من أن يكون أداة لتطويرها، كما أن شيوعَ الفكر الأصولي من أبرز الأسبابِ الداعيةِ إلى إحياء الفلسفةِ والتفكيرِ الفلسفي؛ فالتوجُّه الأصولي المتزمت المنغلق دائمًا ما يَدَّعي أنه هو وحده القادر على حيازةِ الحقيقةِ المُطلقة، وحيث إن المُطَلَق بطبيعته واحدٌ لا يقبل التعدد؛ وبالتالي فإن مَن يدَّعي امتلاك الحقيقةِ المُطلقة لن يَسْمَحَ بظهورِ مُطْلَقٍ آخَر أو عِدة مُطلقات، وإذا تجرَّأتْ وتجاسَرَتْ هذه المُطلقاتُ وأرادت الظهورَ والإعلانَ عن نفسها؛ فالقضاءُ عليها أمرٌ لازمٌ عند مُلَّاك الحقيقة المُطلقة، ومِن هنا ينشأ صراعُ الأصولياتِ، وهو صراعٌ في حدِّهِ الأدنى التكفير، وفي حده الأقصى الإرهاب(٤).

ويكفي أن أنقلَ للقارئ نظرةَ الغربيين لمَن يحتقر الفلسفةَ ويهمِّشُها، ويظن أنها عديمة النفْع، ففي هذا الصدد، يرى الغربيون أن: الأصواتِ التي نسمعها اليوم تعلن عن قرْبِ انتهاء الفلسفة، أو الزَّعْم بأنها من الأمور الكمالية التي لا نفْعَ فيها، إنْ هي إلا أصوات تَصْدُرُ عن «جهل» بماهية الفلسفة ومعناها ورسالتها التي من المفترض أن تقوم بها، ونحن في بلادنا الناهضةِ، لا ينبغي أن نظنَّ أن الفلسفة الآن تُعَدُ نوعًا مِن الترفِ، وأن البلادَ النامية (يقصد دول العالَم الثالث المتخلفة) عندها ما يكفيها من التفكير في مسائل الحياة المادية؛ والفلسفة في حقيقةِ الأمرِ ليست ترفًا؛ وإنما الفلسفةُ -كما قال ديكارت- هي وحدها التي تميزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين، وأن حضارةَ الأمةِ وثقافتها إنما تُقاسُ بمقدار شيوعِ التفلسف والفكر الفلسفي فيها، ولذلك فإن أجَلَّ نعمةٍ ينعمُ اللهُ بها على بلدٍ من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين(٥).

أرأينا كيف يُنظَر إلى المُهمِّشين للفلسفة؟ يُنظَر إليهم على أنهم أقوامٌ همجيون، ويرى الغرب أن احتقار الفلسفة إنما هي سِمَة الدول المتخلفة/ دول العالَم الثالث، كما وردَ في النص السابق.

وفي رأيي، أن هناك سببًا آخر لمحاولات إقصاءِ الفلسفة، بالإضافة إلى العاملِ السابقِ المذكور من كون هؤلاء يجهلون الفلسفة وقيمتها، وينغمسون في التفكير المتخلف، فأقولُ: هناك سبب آخر غير جهْل هؤلاء بالفلسفة، وهذا السبب يتمثل في: خوف بعضهم من شيوع التفكير الفلسفي، لأن شيوعَ هذا التفكيرِ يعني أن الوسطَ الذي ستنتشرُ فيه الفلسفةُ سيكون لديه وعي بما يدور حوله من أمور، ولن ينظرَ إلى الأمورِ نظرة سطحية، ولن يقبلَ الانقيادَ كالقطيع، ولن يكون مِن السهلِ إقناعه بتوافه الأمور، ولا بالتنازلِ عن حقه، فالفكرُ الفلسفيُّ لا يتناسب مع البيئات الاستبدادية في الفكر وغيره؛ فهذه البيئات يناسبها التفكيرُ الديني الأصولي المنغلق؛ فهو القادر على التبرير للأمر الواقع البائس، وإيجاد المستندات الشرعية له، وإلباسه ثوْب الشرْع والقداسة.

وآية ذلك أننا في الوقتِ الذي نجِدُ أن الفلسفة تم إقصاؤها كمادةٍ مضافة للمجموع من الثانوية العامة، والتهميش للفكر الفلسفي على قَدَمٍ وساق؛ نجِدُ على الجانبِ الآخر الإعلاءَ مِن سُلطة رجال الدين على الناسِ، وإبراز كثير منهم بخطاباتهم المُدَجِّنة للعقول، ولا أبرِّئ المتلقين وكثير من الناس مِن سبب الإزراء بالتفكير الفلسفي، وشيوع الفكر الأصولي على حسابه؛ فنحن نتحمل جزءًا من هذا الأمر؛ وذلك بالاستماع إلى هؤلاء وتقديسهم، حتى حدثَتْ تسوية -تقريبًا- في العقل الجمعي بين هؤلاء -رجال الدين- وبين الدين نفسه؛ ونتيجة ذلك أنْ أصبح النقْد لهؤلاء نقْدًا وطعنًا في الدين ذاته، ولا يمكن أن تزدهِرَ الفلسفةُ في بيئةٍ كهذه تسيطرُ فيها الأصولياتُ المنغلقة؛ فالأصولياتُ تزْعم امتلاك الحقيقة المُطلقة، بينما الفلسفة تدعو إلى النسبيةِ والسلام والتعايش والتعدد، ولا يمكن -في العقل المُطْلَق- أن يلتقي المُطلَق بالنسبي في كأس واحد، فالمُطلقات لا تريد إلا التفرد بالساحة.

وإذا كانت المعاناةُ مِن التيارات الدينيةِ والمتطرفةِ ظاهرةً، بما تتسببُ فيه مِن تكريسِ، بل وتقديس الجمود والجهل، ومواجهة أيَّةِ محاولاتٍ للإصلاحٍ؛ فإنه لم يَعُد أمامنا إلا إحياء الفلسفة كمادة رئيسة وإرجاعها إلى وضعها، بل أفضل من وضعها الذي كانت عليه؛ وتقريرها حتى على الشعبةِ العلمية، لا في الثانوية العامة فقط؛ بل وفي كافة الجامعات والكليات؛ فالفلسفةُ تتعلقُ بالتفكير وبناء العقل، الذي يُنتِجُ المعارَفَ والفنونَ والعلوم، ولا يكفي هذا فقط؛ ولكن لابد من إحياء الفلسفة كأسلوب حياة، وليس حصْرها في القاعات الأكاديميةِ فقط، وكقيمةٍ عُليا، لمواجهة حالة الركودِ والانحطاط، الذي خَيَّمَ وسيطرَ على العقلِ الجمعي، بحيث لا نترْك الساحةَ لتياراتٍ متطرفةٍ أو جامدة تُقدِّسُ الجهلَ وتُفرِزُ التطرفَ، ولا تريد إلا ترسيخَ مزيد من هذا الجهل و القداسة على نفسها وعلى خطابها، الذي يرى «أن كل الناس على خطأ، وهذا يُعَد نوعًا مِن الحَوَلِ الثقافي، الذي يَبْخَثُ تجارِبَ الآخرين حقها، لأن الثقافةَ تُملي على صاحبها أن يقْبَلَ التعددَ، بل والتغير؛ فلا يسعى لِمَحْو ثقافةِ الآخرين أفرادًا وأفكارًا...فالحقيقةُ لم يُصِبْها ككل أحدٌ بعينه، ولم يُخطئها ككل أحدٌ بعينه»(٦).

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.....................

الهوامش

(١) د. مراد وهبة، حوار في جريدة «المصري اليوم»، الاثنين: ٢٤-١٠-٢٠١٦م:

https://www.almasryalyoum.com/news/details/1029534

(٢) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(٣) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ترجمة: د. محمود حمدي زقزوق، (ط٣، القاهرة، دار الفكر العربي، ١٩٩٦م)، ص ١٦: ١٧.

(٤) د. مراد وهبة، «رؤيتي للقرن الحادي والعشرين»، (ط١، القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ٢٠٢١م)، ص ١٥٩: ١٦٠.

(٥) جوزيف بوخينسكي، «مدخل إلى الفكر الفلسفي»، ص ٦.

(٦) د. سيد عبد الستار ميهوب، «هؤلاء المثقفون وفكرهم الإصلاحي»، (ط١، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، ٢٠٠٩م)، ص ١٦٥.

 

في المثقف اليوم