عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أحمد فاتح: لماذا تنجح مجتمعات في تطبيق القانون وتفشل أخری؟

إن دراسة ظاهرة الامتثال للقانون في إطار علم الاجتماع القانوني لا تنصرف فحسب إلى رصد حركة الأفراد الظاهرة تجاه النص التشريعي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الكشف عن كينونة الرابطة الفلسفية التي تجمع بين السلطة السياسية والضمير الاجتماعي. فالامتثال ليس فعلاً ميكانيكياً ينجم عن مجرد وجود نص عقابي رادع، بل هو تعبير عن توازن قيمي واجتماعي داخل بنية الدولة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يغدو القانون في بعض المجتمعات سلوكاً تلقائياً يُحترم دون حاجة لقسر مادي مستمر، بينما يتحول في مجتمعات أخرى إلى مجرد عبء يترصد الأفراد الفرص للإفلات منه؟

يكمن المفتاح الأول لفك هذا اللغز في التمييز الفلسفي الدقيق بين "الشرعية" كبناء شكلي صدقته السلطة التشريعية، وبين "المشروعية" كقيمة موضوعية مستقرة في وجدان الجماعة. في المجتمعات التي تنجح في تطبيق القانون، لا يُنظر إلى النص التشريعي بوصفه إملاءً فوقياً تفرضه إرادة حاكمة مستبدة، بل بوصفه تجسيداً موضوعياً لفكرة العدالة المشتركة. هنا يتطابق القانون الوضعي مع الضمير الجماعي، فيتحول الامتثال من طاعة ناتجة عن الخوف من العقاب (الردع المادي) إلى التزام أخلاقي واجتماعي تلقائي (الردع الذاتي). أما في المجتمعات التي تخفق في فرض سلطة القانون، فإن القواعد غالباً ما تصدر منبتة الصلة عن الواقع وقيمه الأخلاقية، فتُعامل كأدوات قهر تفتقر إلى القبول الفلسفي، مما يولد مقاومة مستترة وصراعاً صامتاً بين الفرد والنص.

كذلك يرتبط الامتثال ارتباطاً وثيقاً بمدى رسوخ "فكرة الدولة" في الوعي العام. الدولة في التحليل القانوني الرصين ليست مجرد جهاز قمعي، بل هي مؤسسة المؤسسات ومجسد الصالح العام. في المجتمعات الناجحة، يدرك الفرد أن احترامه للقانون هو صيانة لكينونة الدولة التي تحمي حقوقه وحرياته، فالقانون هنا أداة تنظيم وتبادل منافع متبادلة. وفي المقابل نجد في المجتمعات التي تعاني من وهن في الامتثال غياباً للشخصية المعنوية للدولة في الأذهان، حيث تتماهى الدولة في نظر الأفراد مع اشخاص الحاكمين أو الفئات المسيطرة. هذا الخلط الفلسفي يجعل التهرب من القانون يظهر في الوعي الشعبي كنوع من أنواع المقاومة أو الدفاع عن الذات، بدلاً من كونه اعتداء على الصالح العام. إن القانون ليس نصوصاً جامدة تكتب على الورق، بل هو كائن حي يتنفس من خلال التطبيق  الاجتماعي اليومي. والخلل الكبير الذي يعتري النظم القانونية المتعثرة هو الاعتقاد الواهم بأن صياغة نصوص مثالية مستوردة كفيل بصناعة الانضباط. إن إقحام قواعد قانونية غريبة على النسق الثقافي والاقتصادی للمجتمع دون تهيئة فلسفية مسبقة، يولد حالة من "الانفصام القانوني"، حيث يعيش المجتمع بنظامين: نظام رسمي مكتوب في الدفاتر الحكومية، ونظام واقعي غير رسمي يدير شؤون الناس الفعلية.  إن نجاح مجتمع ما في تطبيق القانون ليس رهناً بغلظة العقاب أو كثرة الأجهزة الرقابية، بل هو رهن بمدى قدرة المشرع على صياغة قواعد تعكس روح الجماعة وتطلعاتها العادلة. إن الامتثال هو الثمرة الطبيعية لعقد اجتماعي حقيقي ومتوازن، لا يشعر فيه الفرد بأنه مستهدف بالتنظيم والتقييد، بل محمي بموجب قاعدة قانونية عادلة ومتجردة تضمن كرامته الإنسانية أولاً وأخيراً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم