عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

وسام حسين: الذاكرة الانتقائية وسياسة الهوية.. كيف يُصنع العدو في الوعي الجمعي؟

إن الذاكرة الجمعية – في منظور النقد الثقافي - ليست أرشيفًا بريئًا للماضي، وإنما هي نتاج صراع دائم على المعنى. فما نتذكره، وما ننساه، ليس دائمًا نتيجة لأهمية الحدث، بل نتيجة للقوى التي تمتلك القدرة على إنتاج الخطاب وتوجيهه. ومن هنا تأخذ الذاكرة الانتقائية طريقها لصناعة الهوية، وذلك حين تستدعي وقائع بعينها، وتُهمِّش وقائع أخرى، تبعًا لما يخدم هوية الجماعة ومصالح النخب التي تتحدث باسمها.

وفي هذا السياق تبرز سياسة الهوية بوصفها إحدى أكثر الأدوات فاعلية في تشكيل الرأي العام. فبدل أن يُنظر إلى المواطن باعتباره شريكًا في وطن، يُعاد تعريفه من خلال انتمائه المذهبي أو الطائفي أو القومي. وعندما تُبنى الهوية على هذا الأساس، يصبح استدعاء الذاكرة الانتقائية ضرورة لاستمرارها؛ لأن كل هوية مغلقة تحتاج إلى "آخر" تُعرِّف نفسها من خلال معاداته؛ ولهذا لا يُستدعى التاريخ كله، بل يُنتقى منه ما يُغذّي مشاعر الخوف أو المظلومية أو الريبة. فتُستحضر أخطاء بعض الدول المجاورة كلما طُرح مشروعٌ للتقارب معها، بينما تُغفَلُ أحداثٌ مماثلة إذا تعلقت بدول أخرى تنتمي إلى المحور السياسي أو الأيديولوجي الذي تنتمي إليه الجماعة نفسها. وهكذا لا يعود معيار التذكر هو الحقيقة التاريخية، وإنما المنفعة السياسية. هذه الازدواجية تكشف لنا أن الذاكرة الانتقائية لم تعد تؤدي وظيفة معرفية، بل أصبحت تؤدي وظيفة هوياتية؛ فهي لا تهدف إلى فهم الماضي، وإنما إلى ترسيخ حدود نفسية بين "نحن" و"هم". ومن ثم يتحول التاريخ إلى خزان للرموز والانفعالات، يُفتح عند الحاجة لتعبئة الجمهور، ويُغلق عندما يتعارض مع الخطاب المطلوب.

وفي الحالة العراقية، يمكن ملاحظة نمط من الخطاب السياسي يستدعي بعض الأزمات التاريخية كلما طُرح الانفتاح على دول بعينها، بينما يتراجع استحضار وقائع مماثلة عندما يتعلق الأمر بدول أخرى، فتُبعث صور الماضي لتأليب الرأي العام وإثارة المخاوف. وفي المقابل، قد تُمارَس درجة عالية من الصمت أو التسامح تجاه مواقف أو تدخلات صادرة عن دول أخرى، لأن تلك الدول تدخل ضمن الإطار الهوياتي أو المذهبي الذي يتبناه ذلك الخطاب. وهنا لا يصبح التاريخ معيارًا للحكم، بل يصبح أداةً للانتقاء السياسي.

ولا أريد أن يُفهم من كلامي أعلاه أنّ الخطر الحقيقي يكمن في اعتزاز الإنسان بانتمائه، فهذا حق طبيعي، وإنما في تحويل هذا الانتماء إلى معيارٍ وحيد لتحديد الصديق والعدو، ولتقييم العلاقات الخارجية، بحيث تُقاس مصلحة الدولة بميزان الولاء للهويات الفرعية، لا بميزان المصلحة الوطنية. ومن هنا فإن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تبني سياسة خارجية مستقلة ما دامت ذاكرتها الوطنية تُدار بذاكرات فرعية متنافسة، لكل واحدة منها أبطالها وأعداؤها وتحالفاتها الخاصة. فالوطن لا يمتلك قرارًا سياديًا كاملًا إلا عندما تصبح الذاكرة الوطنية أوسع من الذاكرة الطائفية، وأرحب من الذاكرة الحزبية، وأقدر على التمييز بين حقائق التاريخ ومتطلبات المستقبل.

لم أكتب ما كتبتُ أعلاه، إلا بعد أنْ بدأت بقراءة كتاب (قصة سنغافورة) الذي كتبه مؤسس نهضتها "لي كوان يو" متحدثًا عن ذكرياته بالتفصيل، وقد استوقفني في تلك السيرة – وما زلتُ أقرأ فيها ولم أكملها بعد – ما أشار إليه من احتلال لليابان في النصف الأول من عقد الأربعينات من القرن العشرين، حين ذاقت سنغافورة الويلات والظلم والمجازر الجماعية ارتكبها الجيش الياباني في العزّل من أبناء الشعب السنغافوري، وكل مظاهر الاستغلال والأذى على يد ذلك الاحتلال، ما جعله يسرد تلك التفاصيل في أكثر من ثلاثين صفحة من مذكراته، ولكن هل منعت تلك المآسي التي عاشها الشعب السنغافوري وكبار قادته من التقدّم للأمام وطيّ صفحة الماضي، ومدّ علاقات متينة بين دولتهم واليابان فيما يرتقي بمستوى البلد من مختلف المجالات..؟! وهذا هو الدرس الذي قدمته سنغافورة بامتياز؛ إذ لم تسمح لذاكرة الاحتلال الياباني أن تتحول إلى عقيدة سياسية تمنعها من بناء شراكة مع اليابان، لأنها أدركت أن وظيفة رجل الدولة ليست إدارة الأحقاد، بل إدارة المصالح، وأن الذاكرة الحية لا تعني العيش في الماضي، وإنما الاستفادة منه لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. فالأمم لا تتقدم حين تنسى تاريخها، بل حين تمنع الآخرين من احتكار ذاكرتها؛ لأن الذاكرة حين تُدار بمنطق الهوية الضيقة ستنتج خصومات لا تنتهي، أما الذاكرة التي تُدار بمنطق الدولة فتُنتج سياسةً قادرة على تحويل أعداء الأمس إلى شركاء في بناء المستقبل.

***

د. وسام حسين العبيدي

في المثقف اليوم