ان تقديم قراءة تفكيكية نقدية للمشهد الفلسفي المعاصر، ملتقطةً لحظة التحول الحرج من هيمنة الأنساق البنيوية الجافة إلى رحاب "الحاضرية الوجودية الشاملة". تمثل أزمة إزاحة للذات الإنسانية الفاعلة وتشييئها داخل المقولات اللسانية والنظم المغلقة، بعد استعراض نتائج إعلان "موت الإنسان" و"موت المؤلف". تطرح الحاضرية الوجودية الشاملة بدائل أنطولوجية وتأويلية قائمة على مفاهيم محورية:
الوعي الانخراطي، التورط الجميل، تفكيك الكوجيتو المغلق، أخلاق بلا أخلاق، نظرية الكود الأول، والتكاؤن التقدمي. يهدف هذا الطرح إلى إعادة شحن البنية بالحياة والفاعلية الأنطولوجية، وتأطير الوجود الإنساني بوصفه صيرورة حرة وانخراطاً خلاقاً في حاضرٍ معيش يرزح المشهد السياسي الراهن تحت وطأة ارتهانٍ مزدوج، تتقاطع فيه الإملاءات الخارجية مع التواطؤ الداخلي لمصادرة مقدرات الشعوب وتهميش إرادتها. وفي خضم هذا الواقع المأزوم، تتشابك التحديات المتسارعة مع انسداداتٍ عدمية تفرغ السياسة من جدواها، لتُفضي إلى حالة من السيولة المطلقة؛ حيث تذوب معالم المشاريع المحلية والدولية في دوامة من العبث، وتتلاشى دون أفقٍ واضح أو مسارٍ يلوح بالخلاص، اضافة الى التسيل التام للمشاريع الدولية والمحلية دون افق واضح.
إشكالية النسق وإزاحة الذات في المشهد الفلسفي المعاصر
شكّلت النظرية البنيوية في منتصف القرن العشرين منعطفاً معرفياً بارزاً في الفكر الإنساني؛ إذ طمحت إلى تحويل العلوم الإنسانية والدراسات اللسانية والنقدية إلى ميادين علمية صارمة ذات نظام مغلق، عبر إحالة الظواهر الإنسانية والثقافية والاجتماعية إلى أنساق صلبة وقواعد تنظيمية محايثة [سوسير، 1916]. غير أن هذا المشروع المعرفي في مسار تبلوره الممتد من اللسانيات البنيوية لدى فرديناند دي سوسير إلى أطروحات رولان بارت وميشيل فوكوأفضى بالتدريج إلى إزاحة جذرية للذات الإنسانية الفاعلة، ممهداً لإعلان "موت المؤلف" [بارت، 1967] و"موت الإنسان" [فوكو، 1966] داخل المنظومة المعرفية الحديثة.
لقد تحول النص والخطاب والثقافة، بموجب هذا التوجه الشكلي، إلى بنيات قائمة بذاتها ومغلقة على آلياتها؛ حيث اغتربت الذات الإنسانية ومُحي معها التاريخ المعيش والزمان الحي لصالح علاقات تجريدية محايثة. وفي هذا الفضاء المعرفي البارد، لم يعد الإنسان هو الكائن المتكلم أو الصانع الأصيل للمعنى، بل غدت السلطة الموزعة داخل النسق، والشبكات اللغوية المعقدة، هي التي تتكلم عبر الذات وتحدد شروط وجودها ومعرفتها وقيمها [فوكو، 1969].
أدى هذا الانغلاق الشكلي للبنيوية، وما تلاه من انزياحات تفكيكية وعلاماتية سعت لمعالجة التجريد بالوقوع في السيولة المطلقة، إلى أزمة سلب عميقة للمضمون الوجودي والحيوي للإنسان. وأمام تجذر هذه الأزمة في الفكر المعاصر، يبرز المشروع الفلسفي المتمثل في أطروحة "الحاضرية الوجودية الشاملة" ليعيد صياغة المعادلة الأنطولوجية. يتيح هذا الإطار صياغة رؤية وجودية وظاهراتية متقدمة تعمل على تفكيك المركزية الصلبة للنسق البنيوي؛ لا عبر نفي البنية كلياً كأداة تحليلية إجرائية، بل عبر إعادة شحنها باللحظة الأنطولوجية الحية، وإحياء الفاعلية القصدية للذات المنخرطة في العالم. إنها محاولة لتجاوز مأزق الذات المفكرة المغلقة والنسق الميت لصالح وجود حركي يتزامن فيه المعنى مع صيرورة الحاضر المعيش.
الركائز التأسيسية
تتأسس نظرية الحاضرية الوجودية الشاملة كنموذج معرفي يدمج مباحث الوجود بالظاهراتية المتقدمة، لتقديم قراءة ديناميكية ورابطية للوجود الإنساني تكسر الثنائيات التقليدية الحادة التي استقرت في الفلسفة الغربية، مثل: الذات والموضوع، المتن والهامش، أو الداخل والخارج. يرتكز هذا البناء النظري على متلازمة ثلاثية تتشابك فيها أبعاد الوعي والماهية والغيرية:
أ. الوعي الانخراطي
لا ينفك الوعي في هذا الطرح عن كونه مجرد كيان باطني معزول أو مرآة عاكسة تتلقى صور العالم المادي بسلبية، لكن سيصبح نشاطاً إبداعياً حركياً يُكتسب ويتحقق من خلال الانخراط المستمر والمباشر في الواقع [هوسرل، 1913]. الوعي هنا ليس متفرجاً على الأحداث، بل هو فعل توجّه وقصدية متجددة تصوغ الحاضر وتتأثر به في آن واحد.
ب. الماهية كمشروع مفتوح حاضراني
ترتبط هذه الرؤية بفهم جديد للماهية؛ حيث يُرفض التصور الكلاسيكي الماهوي الذي يتعامل مع الإنسان كجوهر ثابت ومكتمل سلفاً، لتُفهم الروح والماهية بوصفهما مشروعاً وجودياً مفتوحاً يتشكل ويتجدد عبر الاختيارات الحرّة والمسؤولية الكلية في كل لحظة حاضرة [سارتر، 1943]. إن الإنسان لا يمتلك ماهية جاهزة، بل يصنعها عبر صيرورة الفعل والانخراط،عبر صيررة متزامنة بين الوجود والماهية.
ج. الغيرية التفاعلية الشبكية
لا يكتمل هذا البناء الأنطولوجي إلا بُبعد الغيرية التفاعلية؛ حيث لا يتشكل المعنى في معزل عن الآخر، ولا تتحقق الذات في عزلة منغلقة، بل تتحدد الكينونة عبر الشبكة الرابطة التي تجمع الذات بالغير والعالم في أفق كوني مشترك [ليفيناس، 1961]. الآخر ليس تهديداً للذات أو مجرد موضوع للرؤية، بل هو شريك في تأسيس المعنى والحاضر.
ينطلق من نقد صارم لـ "الكوجيتو الديكارتي" التقليدي القائم على أولوية التفكير المجرد والمستقل ("أنا أفكر، إذن أنا موجود") [ديكارت، 1637]. إن الكوجيتو الكلاسيكي أسس لوعي خالص ومجرد، مفصول عن التموضع المادي والتعلق المباشر بالواقع العيني، وهو ما يحوله في التحليل الوجودي الحاضراني إلى مجرد وهم مثالي أو ذات مغلقة تعجز عن إنتاج وجود فاعل. وبدلاً من هذا الانغلاق المعرفي، تقرر الحاضرية الوجودية الشاملة أن الوجود الفعلي الانخراطي يسبق نقاء الوعي المجرد؛ إذ إن التعلق المباشر بجدلية الواقع والموضوع هو الذي يمنح الوعي حقيقته الوجودية، ويحوله من حالة تأملية سلبية إلى قوة مبدعة تمنح المعنى للموجودات وتتحمل مسؤولية الحاضر.
الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر
إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية وحولته إلى نقطة تقاطع داخل شبكة علاماتية صماء، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم ومقاومة التشيؤ من خلال:
أ. ماهية التورط الجميل وفلسفته
التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. تتألف هذه المقولة المركبة من دلالة مزدوجة وعميقة:
التورط: الشجاعة الوجودية في الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض موقف التفرج المحايد أو الانسحاب التأملي من مسرح الكينونة.
الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي والمسؤولية الثقيلة إلى فعل تخلق جمالي متجدد يمنح الحياة قيمة ومعنى.
ب. التورط الجميل في مواجهة الحياد الأكاديمي البارد
إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية الممتدة كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات وتحليل الأنساق دون أن ينخرط فيها أو يتأثر بآلامها ومصائرها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب الأخلاقي والأنطولوجي من الموقف الوجودي الأصيل. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية دون إرجاء أو تسويف.
ج. التجلي الجمالي للحاضر
في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد بسلاسة ميكانيكية من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشرية والإمكانيات الإبداعية. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها؛ حيث يتطابق المفهوم النظرية مع التجربة الحية، وتتحول الحرية الإنسانية من "عبء ثقيل ومقلق" كما وصفها جان بول سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ الجمال والمعنى على الوجود الإنساني المشترك.
العدمية الوجودية عند إميل سيوران
في مسار تشريح الانسدادات المفهومية والفلسفية التي واجهت الإنسان الحديث، تبرز العدمية الوجودية الحادة التي صاغها المفكر "إميل سيوران" بوصفها التعبير الأكثر قسوة عن اغتراب الذات وفقدان الأمل في الجدوى الحضارية [سيوران، 1934، 1949]. تتجلى الكينونة عند سيوران كخطأ كوني لا علاج له، ويتحول الوجود لديه إلى مأساة مدمرة ونزيف مستمر، لا يملك الإنسان حيالها سوى نفي الفعل، والتنصل من إرادة الحياة، والتعلق بأوهام العدم والصمت.
تشريح الأصول المعرفية لعدمية سيوران
تكشف الحاضرية الوجودية الشاملة أن عدمية سيوران المطلقة ليست سوى النتيجة الحتمية لسقوط "الكوجيتو المغلق" في يأسه الخاص. تتأسس رؤية سيوران على افتراض ميتافيزيقي مضمر يطالب الكون بتقديم "معنى جاهز ومطلق ومكتمل"، فلما وجد أن الكون صامت ولا يقدم إجابات مسبقة أو ضمانات ميتافيزيقية، ارتد على الوجود بالنفي الكامل ورأى في الولادة نفسها "محنة غير مجدية" وفي الوجود عبئاً طفيلياً [سيوران، 1973].
التجاوز الحاضراني للانسداد العدمي
يجابه مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة هذا الانسداد العدمي القاتل من خلال ثلاث آليات نقدية وتأسيسية:
المعنى ليس اكتشافاً بل خلق متجدد: إن صمت الكون وغياب المعنى المسبق ليس برهاناً على عبثية الوجود كما زعم سيوران، بل هو الشرط الأساسي والفرصة العظمى للحرية الإنسانية. إن غياب "المعنى الجاهز" يمنح الإنسان الحق والواجب في صياغة معناه الخاص وإسباغه على الواقع عبر الانخراط الفعلي والتورط الجميل.
تفكيك شلل الزمانية: ينشأ يأس سيوران من الرؤية السكونية والخطية للزمان؛ حيث يُسقط ركام الماضي وخيباته على الحاضر، فيصيب المستقبل بالشلل التام. بينما تعيد الحاضرية الوجودية الاعتبار للحاضر المعيش بوصفه نقطة انبعاث دائم؛ فكل لحظة حاضرة هي بداية جديدة غير محكومة بحتميات السلف أو إحباطات الماضي.
تحويل القلق من الشلل إلى التأسيس: بدلاً من الاستسلام للقلق الوجودي وتحويله إلى مبرر للعدمية والاستقالة من العيش والتنصل من الفعل، ترى الحاضرية الوجودية في القلق محركاً أنطولوجياً أصيلاً يدفع الذات نحو التكاؤن والالتزام الأخلاقي والجمالي بالعالم.
الكوجيتو المغلق وتفكيك النزعة الثقافوية في الفضاء الإقليمي
عند تطبيق أدوات التفكيك الخاصة بالحاضرية الوجودية الشاملة على الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في المنطقة، يظهر نموذج خاص شديد الانغلاق والخطورة يُعرف بـ "الكوجيتو المغلق".
أ. طبيعة الكوجيتو الهوياتي المغلق
هذا الكوجيتو هو ذات انكفائية تعيش في إسار الهويات المغلقة والسرديات النمطية، ممارِسةً القهر الأيديولوجي والإقصاء الطائفي أو العرقي. إنه وعي مستلب يعيش كاملاً في الماضي، ويستمد مشروعيته الوحيدة من تقديس السلف والنصوص التاريخية دون فحص نقدي أو مراجعة عقلانية، مما ينتج إنساناً مسكوناً بـ "المظلوميات التاريخية" ومحتجزاً داخل بؤرة النقاء الهوياتي المتوهم، ومقطوع الصلة عن متطلبات الحاضر المعيش.
ب. تفكيك النزعة الثقافوية والسرديات الميتافيزيقية
بالتقاطع مع نقد النزعة الثقافوية، تفكك الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات الفكرية والاستشراقية التي تختزل الصراعات المادية والجيوسياسية والاجتماعية في المنطقة إلى مجرد "جواهر ثقافية" صلبة أو صراعات أزلية بين أديان وأعراق ثابته لا تتغير. إن هذا التوظيف السياسي للتاريخ وسرديات الخداع الميتافيزيقي يسهم في تعميق التبعية وإيقاف العقل النقدي وتبرير العنف البنيوي.
تطرح الحاضرية الوجودية البديل الناجع المتمثل في تحرير الذات الإقليمية من أسار الهوية المغلقة، عبر نقل التركيز من الموروث المتخيل والمقدس التاريخي إلى اللحظة الحاضرة المعيشة، وتأسيس الهوية كصيرورة إنسانية مفتوحة تتشكل وتتجدد عبر الفعل، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة الفاعلة، والتفاعل الحضاري المفتوح مع الآخر.
القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"
عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب الكونية، الانهيارات البيئية المناخية، والسيطرة الخوارزمية الفائقة)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشرية. في هذه اللحظات الحرجة من تاريخ الإنسانية، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التقليدية التي بنيت على التقاليد الصارمة أو الوصايا المؤسسية الفوقية.
هنا، تقدم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق" بوصفه أفقاً أنطولوجياً جديداً يتجاوز الامتثال الشكلي إلى الممارسة الحية:
القلق الوجودي وتفكك البقاء: نحو مفهوم "أخلاق بلا أخلاق"
عندما تتصاعد الأزمات البنيوية العنيفة (مثل الحروب، والانهيارات البيئية، والسيطرة الخوارزمية)، يرتفع القلق الوجودي إلى مستويات حادة تهدد شروط البقاء والديمومة البشريّة. وفي هذه اللحظات الحرجة، تنهار المنظومات الأخلاقية المعيارية التي بُنِيَت على التقاليد أو الوصايا المؤسسية الصارمة.
هنا، تُقدِّم الحاضرية الوجودية الشاملة مفهوم "أخلاق بلا أخلاق". فبينما تعتمد الأخلاق المعيارية التقليدية في مرجعيتها على أوامر مؤسسية وسرديات قَبْليَّة صلبة، ينطلق الأفق الوجودي الجديد من الوعي المباشر بالهشاشة البشرية والمصير المشترك. وفي حين يكون الدافع في النسق التقليدي هو الخوف من العقاب أو الامتثال المجرد، يتحول في هذا المفهوم إلى استجابة حية للقلق الوجودي بهدف صيانة الكينونة. أما على مستوى الممارسة، فبدلاً من التطبيق الآلي لقواعد جاهزة، نشهد ابتكاراً أخلاقياً لحظياً ينبثق من الانخراط الحقيقي في الحاضر.
إنَّ هذا الطرح لا يعني السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. فعندما تنهار المؤسسات، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع دليل إرشادي خارجي، بل يصبح نابعاً من إدراك الإنسان لذاته وللآخر، وبضرورة حماية الحياة من الفناء.
إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر الماثل أمامنا، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء.
إن هذا الطرح الفلسفي لا يعني بحال من الأحوال السقوط في الفوضى أو العدمية الأخلاقية، بل هو تسامٍ بالأخلاق من الامتثال الشكلي الميت إلى الفاعلية الأنطولوجية الجذرية. عندما تنهار المؤسسات والمعايير القبلية، لا يعود السلوك الأخلاقي ناتجاً عن اتباع إرشادات خارجية، بل يصبح نابعاً من إدراك الوعي بذاته وبالآخر، وبضرورة حماية الحياة نفسها من الفناء والاندثار. إنها أخلاق تنبثق من قلب القلق؛ أخلاق تتأسس في كل لحظة حاضرة عبر الفعل المسؤول الذي يستجيب لمعاناة الآخر العيني، ويجعل من التضامن البشري شرطاً أنطولوجياً للبقاء والاستمرار.
نظرية "الكود الأول" وتفكيك الإقطاع الرقمي السحابي
في قراءة متقدمة للتحولات التقنية والمعلوماتية المعاصرة، تتناول الحاضرية الوجودية الشاملة الأطروحات العلمية والفيزيائية التي تصوغ الكون كشبكة معلوماتية رقمية صماء، مثل أطروحة الفيزيائي جون ويلر: "الشيء من الخانة الثنائية". [ويلر، 1989].
أ. نظرية الكود الأول والتفكيك المعرفي للكون الرقمي
تؤسس نظرية الحاضرية الوجودية لنقد جديد يُعرف بـ "نظرية الكود الأول". تنطلق هذه النظرية من تفكيك خطورة اختزال الوعي البشري العضوي والتجربة الوجودية الحية إلى مجرد "بيانات" أو "رموز رقمية" قابلة للمعالجة الخوارزمية والتنبؤ الاستهلاكي. إن الاختزال التقني للوجود يسعى لإعادة صياغة المكوّن الميتافيزيقي الأسطوري (صانع العالم أو "الديميورغ") ولكن في صورة "ذكاء اصطناعي فائق" يُفرض كمعبود تقني جديد يحدد للقيم شروطها وللإنسان معناه وحريته.
تؤكد "نظرية الكود الأول" أن اللحظة الأنطولوجية الحية للتجربة الإنسانية المباشرة هي الأسبق والأصل، وأن الرقمي والمعلوماتي هو مجرد مشتق تقني لا يستطيع استيعاب حرارة الوعي أو ألم الوجود أو إرادة الحرية. إن محاولة اختزال الإنسان في شفرة رقمية هي تجسيد للتشيؤ النهائي واغتراب الذات في أقصى صوره.
ب. تفكيك الإقطاع الرقمي ورأس المال السحابي
تتمدد الأدوات التفكيكية للنظرية لتشريح تحولات الرأسمالية المعاصرة؛ حيث ننتقل بخطى حثيثة من الرأسمالية الصناعية الكلاسيكية إلى "الإقطاع الرقمي" القائم على احتكار رأس المال السحابي والخوارزميات الفائقة.
في هذا النظام الجديد، لا يمتلك الإقطاعي الرقمي أراضٍ أو مصانع تقليدية، بل يمتلك "منصات وخوادم سحابية" تحول الفضاء الرقمي العالمي إلى إقطاعيات مجازية تستعبد انتباه البشر، وتستنزف وجودهم الحي، وتحول تجاربهم الحياتية وانفعالاتهم إلى بيانات خامة قابلة للتسليع والبيع. إن التراكم المالي المفرط لدى النخب الرقمية يتحول إلى مشروع "خلود وهمي" لصد قلق الفناء عبر حلول التقانة الفائقة، بينما يُفرض على الفئات المسحوقة عنف بنيوي رقمي يسلبها كرامتها وحقها في العيش الحر والانخراط الفعلي في العالم.
التكاؤن التقدمي والالتزام الأخلاقي: أفق الخروج وتشييد المعنى
تختتم الحاضرية الوجودية الشاملة طرحها بضبط العلاقة الجدلية بين التفكيك والتأسيس. إن الفعل الفلسفي الأصيل لا يمكن أن يستمر كـ "تفكيك أعمى" يؤدي إلى السيولة المطلقة وانهيار المعنى، كما لا يمكنه الانغلاق داخل "تأسيس وثوقي" يعيد إنتاج العقائد المغلقة والأنساق القمعية.
إن التفكيك بدون تأسيس يفقد الفكر قدرته على البناء والالتزام والمواجهة، والتأسيس بدون تفكيك يحول النظرية إلى عقيدة دوغمائية ميتة تحارب الحرية. يتجلى المخرج الفلسفي الأبرز من هذا التناقض في مفهوم "التكاؤن التقدمي".
التكاؤن: هو العملية المعرفية والعملية التي يتشكل فيها الإنسان والكون بشكل متزامن ومتبادل؛ فالذات لا تنفصل عن موضوعها، والوعي لا يتحقق إلا بالانخراط المباشر في قضايا الجماعة والعدالة الإنسانية والبيئية
الالتزام الأخلاقي في "أخلاق بلا أخلاق": يفرض التكاؤن التزاماً أخلاقياً شمولياً؛ حيث تتحول الحرية من عبء فردي عزلي إلى مسؤولية كونية حرة تهدف إلى مواجهة أشكال الاستلاب التقني والسياسي، وحماية الكينونة البشرية، وإرساء التضامن الإنساني العابر للهويات الضيقة.
التورط الجميل: الفلسفة العميقة للانخراط الوجودي في الحاضر
إذا كانت العقلانية المغلقة والبنيوية الجافة قد جردت الكائن البشري من حرارة التجربة الحية، فإن الحاضرية الوجودية الشاملة تطرح مفهوم "التورط الجميل" بوصفه الركيزة الأنطولوجية والجمالية الأكثر أصالة لإعادة وصل الذات بالعالم.
ماهية التورط الجميل
التورط الجميل ليس مجرد انفعال طارئ بالحدث، ولا هو امتثال قسري للحتميات الاجتماعية أو الفيزيائية؛ بل هو قرار وجودي واع وشجاع بتدشين الملامسة المباشرة للحاضر. إن الكلمة بحد ذاتها تحمل دلالة مزدوجة:
التورط: الانغماس الكامل والمسؤولية التامة عن اللحظة الراهنة، ورفض التفرج المحايد على مسرح الكينونة.
الجميل: الشغف الإبداعي والحرية الاستمتاعية التي تحول العبء الوجودي إلى فعل تخلق جمالي متجدد.
التورط الجميل في مواجهة الحياد البارد
إن الفلسفات البنيوية والأنظمة الصورية كبلت الإنسان بموقف الملاحظ المحايد الذي يكتفي بفك شفرات العلامات دون أن ينخرط فيها. يرفض "التورط الجميل" هذا الحياد الأكاديمي البارد، ويرى فيه شكلاً من أشكال الهروب من الموقف الوجودي. إن الذات عندما تتورط جميلاً في حاضرها، تجعل من جسدها ووعيها وفعلها أدوات لتوليد المعنى في اللحظة العينية.
التجلي الجمالي للحاضر المعيش
في التورط الجميل، لا يعود الزمان خطاً وهمياً يمتد من ماض مفقود إلى مستقبل مجهول، بل يصبح "صهريجاً أنطولوجياً" تتكثف فيه الطاقات البشريّة. إن هذا الانخراط الجميل يحول الممارسات اليومية والخيارات الأخلاقية إلى أعمال فنية قائمة بذاتها، حيث يتطابق المفهوم مع التجربة الحية، وتتحول الحرية من "عبء ثقيل" كما عند سارتر [سارتر، 1946] إلى طاقة انخراط بهيجة تسبغ المعنى على الوجود.
إن مشروع الحاضرية الوجودية الشاملة، عبر هذه الرؤية المتكاملة، يقدّم بديلاً فلسفياً عميقاً يتجاوز جمود البنيوية الميتة وعدمية التفكيك السائل والعدمية السيورانية، ليُعيد للذات الإنسانية حريتها، وللحاضر معناه الأنطولوجي، وللإنسان كرامته وانخراطه الجميل الخلاق في العالم.
***
غالب المسعودي
......................
احالات:
1. سوسير، فرديناند دي. (1916). دروس في اللسانية العامة. باريس: بايو.
2. بارت، رولان. (1967). موت المؤلف. باريس: سوي.
3. فوكو، ميشيل. (1966). الكلمات والأشياء: حفريات العلوم الإنسانية. باريس: غاليمار.
4. فوكو، ميشيل. (1969). حفريات المعرفة. باريس: غاليمار.
5. هوسرل، إدموند. (1913). أفكار خاصة بظاهراتية خريطة وفلسفة ظاهراتية. هالي.
6. سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم: بحث في الظاهراتية الأنطولوجية. باريس: غاليمار.
7. سارتر، جان بول. (1946). الوجودية مذهب إنساني. باريس: ناغل.
8. ليفيناس، إيمانويل. (1961). الكلية واللانهائي: مقال في الغيرية. لاهاي: نيجوف.
9. ديكارت، رينيه. (1637). مقالة في المنهج. ليدن.
10. سيوران، إميل. (1934/1949). على قمم اليأس / المياه العكرة. باريس: غاليمار.
11. ويلر، جون. (1989). المعلومات، الفيزياء، الكم: الشيء من الخانة الثنائية. أتوك: طوكيو.








