كان هابرماس (1929-2026) مفكرا عظيما ذا اهتمامات واسعة. شمل عمله مجموعة كبيرة من الحقول بدءاً من الفلسفة ومرورا بالنظرية الاجتماعية والسوسيولوجيا وحتى السياسة والانثرابولوجي. كُتب الكثير حول هابرماس منذ وفاته في 14 مارس الماضي بعمر 96 عاما من جانب أولئك الذين أعادوا قراءة كتاباته الغزيرة، واضعين أفكاره ونظرياته ضمن منظور معين، مقيّمين إرثه بشكل عام. هو سوف يتم تذكّره لعدة أشياء، لكنه برز بفضل موقفه الثابت الذي جعله فريدا من نوعه. في فترة ما بعد الحرب، عندما كان معظم المثقفين ذوي التوجهات اليسارية في اوربا آنذاك اما متأثرين او مؤيدين لما بعد الحداثة والنسبية، وقف هابرماس شامخا كمؤيد وحيد للعقل وقيم التنوير. هو كان، وفق أحكام البعض، "آخر عقلاني كبير".
وُلد هابرماس في دوسلدورف ونشأ في غومرس باخ في شرق كولونيا، درس الفلسفة في جامعة بون ثم انتقل لاحقا الى غوتينغن و زيورخ. نال أولى وظائفه الكبيرة عام 1956 عندما عُين مساعدا في معهد البحوث الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، والذي كان يُعرف بـ مدرسة فرانكفورت. كان المعهد يدار بواسطة اثنين من كبار مفكري جناح اليسار آنذاك، وهما ثيودور ادرنو و ماكس هوركهايمر. في عملهما عام 1947 بعنوان ديالكتيكية التنوير، هما لم يدينا فقط الطبيعة القمعية للمجتمع الرأسمالي المعاصر، وانما هاجما ما اعتبراه طبيعة قمعية متأصلة وإرث خبيث للتنوير..العقلانية: رغبة ذلك المجتمع في قمع الاختلافات واجتثاث الغيرية.
كيف وصلا الى هذا الاستنتاج؟ كان تنوير القرن الثامن عشر هو حول تطبيق العقل والعلم لتوسيع معرفتنا بالعالم. انه قاد لإنفجار الاكتشافات العلمية والتقدم المادي، وباختصار – الى الحداثة. لكن التطبيق المنهجي لهذه الطرق على التاريخ والعلوم الإنسانية حفز على خلق "السرديات الكبرى" – نظريات شاملة تسعى لتوضيح كل التطور السياسي والاجتماعي للكائن البشري. هذه السرديات مثل الليبرالية والدارونية الاجتماعية والماركسية – همّشت الولاءات التقليدية او الارتباطات والعادات المحلية ونادت بصوت عال "انت لا تستطيع وقف التقدم". ومن بين التجسيد الأكثر ظلاما لهذه النزعة كان "العلم العرقي" للنازية وللقتل الجماعي المؤسسي في مخيمات الموت. كتاب ادرنو وهوركهايمر ساعد في غرس بذور التحول المستقبلي "ما بعد الحداثة" المتمثل في رفض كل السرديات الكبرى.
وبينما لم يكن هابرماس متشائما كما هم اساتذته، كان في ذلك الوقت اكثر تعاطفا مع الماركسية، كان مهتما بألمانيا الغربية والعالم الغربي الذي اصبح منفصلا ومصابا بخيبة أمل. بحثه المبكر جاء في عمله الأول المتميز والذي نال الاعجاب، (التحول الهيكلي للمجال العام ،1962). في هذا هو تتبع مسار ظهور المجال العام المنفتح في القرن الثامن، المتجسد في أماكن مثل الصالونات والمقاهي ومواقع يمكن ان يتجمع بها الافراد طوعا للانخراط في محادثات ونقاشات عقلانية مفتوحة وغير هرمية . هو أيضا أسف على زوالها مع صعود وسائل الاعلام الجماهيرية والترفيه الجماهيري وتزايد توغل الدولة البيروقراطية، كل ذلك، حسب زعمه، مال لتحويل المواطنين من مشاركين الى متفرجين وزبائن سلبيين.
الكتاب كان أيضا ردا على ادرنو و هوركهايمر، معبّرا عن الأمل بان هذا المجال العام يمكن انعاشه، وان مشروع التنوير يمكن انقاذه. ان السعي للحوار، وضرورة العقل كوسيلة للقيام بذلك: هذان كانا الاساس في مجمل أعماله. توج هابرماس ذلك بتحفته الأبرز عام 1981، نظرية الفعل التواصلي بجزئين. سعى فيها لرسم تمييز بين العقل الأداتي كنمط من التفكير اعتبراه ادرنو وهوركهايمر أساسيا للتنوير، والذي عامل المعرفة كوسيلة بديهية تجريبيا لتحقيق غاية، ومن جهة أخرى ما أسماه "العقل التواصلي". هذا منح قيمة لتبادل المعرفة والاستخدام التعاوني للعقل لغرض الوصول الى إجماع. حالما يتم تفكيك عوائق التحرر والاتصال المفتوح – طابع الدولة القانونية البيروقراطية ومظاهر الرأسمالية المشتتة للانتباه، خاصة الإعلام الجماهيري – يتخيّل هابرماس "موقف كلام مثالي"يسود في المجتمع له "قوة غير قسرية لأفضل حجة".
هذا الى حد ما قاد الى اتهامات من منتقديه بيوتوبيا ساذجة. هذه الاتهامات لم تنبثق فقط من المحافظين الذين سخروا من رؤيته السياسية الغير محددة بوضوح، لكن أيضا من جانب العديد من اليسار. في الثمانينات وبعد ان تلقت أحلام الاشتراكية في تغيير العالم ضربة قاضية جراء انتفاضات الطلاب التي باءت بالفشل عام 1968، ومع الوضوح المتزايد لأوجه القصور في اشتراكية الدولة في الشرق، خيّم جو من التشاؤم على الفكر التقدمي في كل الغرب. في الاكاديمية وبين الحلقات التقدمية المثقفة تجلى هذا في العقيدة بان مشروع التنوير يلفظ أنفاسه الأخيرة، لاسيما وفقا لرأي البعض، كان من المعيب البدء به. في سنوات ما بعد الحرب اعتقد العديد من الناس ان الغرب هو الان في حالة من التشرذم، وإرهاق أخلاقي ونسبية أسموها ما بعد الحداثة.
في المقابل، هناك نظرية ما بعد الحداثة، ترى ان كل الأسس العقلانية للمعرفة لا تُطاق بل ومجحفة، ومع ذلك، لم يحدث هذا الاّ بعد نشر كتاب (الوضع ما بعد الحداثي،1979) لجان ليوتار الذي لقي قبولا واسعا في التشخيص والنظرية معا.
هدف الكتاب الرئيسي كان التصريح بان عصر "السرديات الكبرى" للنظريات العلمانية بايمانها "في التقدم، الإجماع، في القيم المتعالية" قد انتهى. وهدف ليوتار الرئيسي كان ادانة هابرماس الذي اعتبره ليس فقط كمروج لـ السرديات الكبرى "الشمولية" التي تُعلي من شأن الإمتثال، وانما كان داعما لتلك الفكرة غير القابلة للاستمرار والقائلة اننا نملك أساسا لإرساء الحقيقة ولهذا نبني أفضل مجتمع.
وبسبب تأييده للعقل وقبوله الضمني للذاتية البشرية، رُفض هابرماس كحالم من جانب مفكر ما بعد حداثي آخر بارز وهو ميشيل فوكو. واذا كان هابرماس فخورا في تسمية نفسه كـ "مدافع عن الحداثة سار على خطى الفلاسفة من ديكارت الى كانط" فان فوكو لم يؤمن لا بالذات المستقلة الكانطية ولا في العقل الديكارتي المكتف بذاته، مؤمنا بدلا من ذلك في اننا نتكون من ذوات مجزأة وغير مركزية وان ذلك "الانسان" لم يكن الاّ اختراعا غربيا.
جادل فوكو بعدم وجود أي وجهة نظر او مبدأ عالمي من خلاله يمكن عمل أحكام. ردّ هابرماس من خلال السؤال من أي وجهة نظر استطاع فوكو عمل مثل هكذا حكم، او كيف أمكنه استخدام العقل لعمل ذلك الحكم او أي حجة مقنعة. اعتبر هابرماس منتقديه قد وقعوا – دون أمل في الخلاص – في فخ هذه المفارقة، واتخذ ذلك دليلا على ان التخلص من الرواسب الذهنية للحداثة ليس بالامر الهين. وبالرغم من هجوم ليوتوار وسخرية فوكو، بقي هابرماس صامدا . هو عرف ان مهمته لم تكن سهلة، وانه كان تقريبا الشخص الوحيد الذي يسبح ضد التيار. في مقابلة معه عام 1981، مدافعا عن نظريته في العقلانية، سخر من أولئك "الذين يجدون مثل هذه النظرية في العقلانية الاتصالية كمطلب صادم، هم لا يستطيعون ابتلاع كلمة محرجة مثل العقلانية دون ان يحمر وجههم خجلا" .
هو ذاته كان نادرا ما يرتبك. في الحقيقة، يمكن فهم تلهّفه للانخراط في الجدال الشائك على انه جزء لا يتجزأ من هدفه في النقاش التشاركي. هو وضع هذا موضع التنفيذ على ساحة سياسية أوسع في أواسط الثمانينات عندما ساعد في افتتاح خلاف "المؤرخين" في المانيا الغربية، منددا بظهور نزعة من بعض المحافظين المؤرخين تسعى للتقليل من جريمة النازية وإضفاء طابع نسبي عليها. وبدلا من الإنزعاج من سهام ما بعد الحداثيين ونبالهم، كان هابرماس مهتما اكثر بالاسباب ونتائج هذا المزاج الفكري المتجسد بفوكو وجاك دريدا. هو خشي ان هذا مثّل تطورا تافها ورجعيا، بل هو تخلّ عدمي عن السياسة برمتها. في عمله عام 1987 (الخطابات الفلسفية للحداثة) اتّهم أولئك الذين ودّعوا الحداثة بتجسيد نوع من المحافظة الجديدة وفوضوية مستلهمة جماليا.
في عدة حالات، كان منتقدوه يهاجمون رجل قش طوال الوقت، اذ لم يكن الامر وكأن هابرماس يروج لنسخة أصولية من الفكر التنويري، الشيء الموجود علنا في العلمية الوضعية لاوكست كومت. كان هذا أشبه بنمط التفكير الاحتمالي والمفتوح المميّز لفولتير بصفته كاتب مقالات وكتيبات سجالية. في الحقيقة، هابرماس ذاته كان في وقت ما صحفيا ظهر اسمه لأول مرة عام 1953 بمقال في الصحيفة العامة في فرانكفورت، منتقدا مارتن هايدجر ليس بسبب قبوله العام للنازية عام 1933 وانما بسبب صمته المستمر تجاه رعب الرايخ الثالث بعد الحرب.
واذا كان منتقدوه اعتقدوا ان هناك أزمة ابستيمولوجية عميقة في الغرب، مع موت الاله ومن ثم موت الانسان العقلاني المستقل، فان هابرماس لايزال يعتقد بالقوة المستمرة للاجماع من خلال النقاش. في مجموعة مقالاته عام 1992(تفكير ما بعد ميتافيزيقي)، جادل باننا يمكننا التخلي عن عكاز الدين والنيومينا (الشيء في ذاته) ومع ذلك نواصل السعي وراء الحقيقة من خلال التفكير النقدي. هو توصل الى استنتاج بان الإمكانات التحررية بُنيت ضمن بناء اللغة، وان الفعل التواصلي العقلاني،الذي يعمل من خلال أفعال الكلام، يمكن ان يجلب الى السطح أخلاقا كونية متأصلة. هو تحدّث عن "عقل متجسد في الادراك، الكلام، والفعل". ومع انه وصف نفسه ضمن تقاليد ديكارت وكانط، هو لم يكن تلميذا لأي منهما، باعتبارهما غير كافيين لفكرة الانسان المستقل. هو نقل بدلا من ذلك التأكيد الى الذاتية المشتركة في متابعة موقفه المثالي لـ "الفهم المتبادل".
مشروع هابرماس لم يتوجه كثيرا الى مطلق أخلاقي شمولي وانما الى ديالكتيك جديد للتنوير، اعترف وأوضح سلبيات التنوير، مع ذلك لايزال مبررا لمبادئه الجوهرية بأمل متابعة الحرية والعدالة. عنوان احدى مقالاته، عُرضت اول مرة ككلام في شهر سبتمبر 1980 كانت بعنوان "الحداثة: مشروع لم يكتمل". في عام 1987 أعاد التأكيد على اتجاهه وبعبارات أبعد ما تكون عن الطراز السائد، متبنّيا فلسفة اعتمدت "نظريات تجريبية ذات ادّعاءات عالمية قوية".
يمكن الجدال اننا نحتاج الى هابرماس الان اكثر من أي وقت مضى. وبينما حجج ما بعد الحداثة قد تبدو عتيقة الان، او ان ما بعد الحداثة موضة عفا عليها الزمن، العديد من المبادئ اللاحقة تسربت الى التيار السائد. ليس من قبيل الصدفة ان ثقافة الليبرالية المفرطة hyper-liberalism اشير اليها في بعض الحلقات الاكاديمية اليوم كـ "ما بعد حداثة متجسدة او مشيّأه"، اعتراف بمديونيتها لتلك الحركة. تلك التركة واضحة. المرء فقط عليه ان يلاحظ انشغالات الليبرالية المفرطة بالذاتية والتجربة الشخصية، عقيدتها الفوكية في القوى الاجتماعية اللامرئية السائدة في كل مكان، ثقتها بنظرية جوديث بتلر حول الجندر. نشطائها لديهم نفس مهام الاستهجان التي كانت موجهة لأسلافهم: الغربي، العقلاني، الهرمي، أنظمة تفكير ثنائي، تضعهم جميعهم في سياق عالم المركزية الاوربية القمعي. هنا نرى الإرث الواضح لادرنو وهوركهايمر .
احد أهم الاتهامات التي وُجهت ضد الليبرالية المفرطة هي انها غير متسامحة وغير عقلانية. هذه التهمة لا تقتصر على مصدر واحد فقط من المحافظين وانما من النسويين والليبراليين الكلاسيك ومن يسار الوسط. في أي عصر عندما لايزال البعض يخجل لمجرد ذكر العقلانية، لايزال من المناسب التذكير بالنداء الذي اطلقه هابرماس الى حوار عقلاني والاعتراف بقيمة الفهم المتبادل والحاجة له.
***
حاتم حميد محسن








