عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ياسر البتانوني: استبداد الجاهل بجهله

حين يتحول الوهم إلى سلطة والعناد إلى منهج

في مقالنا السابق "اعرف نفسك بنفسك... فلسفة معرفة النفس وآفة الإسقاط النفسي" انتهينا إلى أن معرفة الإنسان لنفسه ليست ترفا فكريا، ولا ممارسة تأملية منعزلة عن الواقع، وإنما هي الشرط الأول لبناء شخصية متوازنة، قادرة على رؤية ذاتها قبل أن تحاكم غيرها. فالإنسان الذي يجهل نفسه لا يكتفي بسوء فهم الآخرين، بل يقع أسير أوهامه، فيرى الحقائق من خلال أهوائه، ويقيس الناس بمعاييره الخاصة، ويصبح أكثر استعدادا لإسقاط عيوبه على غيره، ثم الدفاع عنها باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

ومن هذا المنطلق، ننتقل إلى آفة أخرى تنبت في التربة نفسها، هي آفة استبداد الجاهل بجهله؛ ذلك اللون الخفي من الاستبداد الذي لا يعتمد على قوة السلاح، ولا على سلطان المنصب، وإنما على وهم المعرفة، وغرور النفس، ورفض الاعتراف بالخطأ.

والاستبداد في معناه العام هو انفراد شخص أو جماعة بالرأي أو القرار أو السلطة مع إقصاء الآخرين، ورفض الاحتكام إلى الضوابط التي تكفل العدل والإنصاف. وهو ليس مقصورا على المجال السياسي كما يتصور كثير من الناس، بل هو نزعة قد تتسلل إلى مختلف مجالات الحياة. فقد يكون استبدادا سياسيا حين يحتكر الحاكم القرار، أو اجتماعيا حين تفرض فئة وصايتها على المجتمع، أو أسريا حين يلغي أحد أفراد الأسرة شخصية غيره، أو إداريا حين تتحول الوظيفة إلى وسيلة لفرض الأهواء، أو فكريا حين يتوهم الإنسان أنه وحده يملك الحقيقة، وأن كل رأي سواه باطل أو ناقص.

غير أن أخطر هذه الصور جميعا هو ذلك الاستبداد الذي يولد داخل النفس قبل أن يظهر في الواقع؛ لأن من استبد بنفسه سهل عليه أن يستبد بغيره. وهذا هو استبداد الجاهل بجهله، وهو استبداد لا يقوم على نقص المعرفة وحده، وإنما على تقديس هذا النقص، وتحويله إلى يقين مغلق، لا يسمح لصاحبه بأن يسمع، أو يتعلم، أو يراجع نفسه.

وليس المقصود بالجاهل هنا من لم تتح له فرصة التعلم، فذلك قد يكون أكثر الناس تواضعا، وأشدهم شغفا بالمعرفة. وإنما المقصود ذلك الذي يجهل، ثم يرفض أن يعترف بجهله، ويغضب إذا صحح له أحد خطأه، ويعد التراجع عن رأيه انتقاصا من كرامته، فيتشبث بخطئه كما يتشبث صاحب العقيدة بعقيدته، لا لأن لديه دليلا، بل لأنه يخشى أن يهتز البناء الوهمي الذي أقامه حول ذاته.

وهنا تتحول المشكلة من كونها نقصا في المعرفة إلى أزمة في الوعي، لأن الجهل البسيط يمكن علاجه بالتعلم، أما الجهل الذي يلبس ثوب اليقين فقلما يجد طريقه إلى العلاج، إذ كيف يطلب الإنسان الدواء وهو لا يشعر بمرضه؟ وكيف يبحث عن الحقيقة من يعتقد أنه قد امتلكها كاملة؟

ولعل أخطر ما يميز هذا النمط من البشر أنه لا يدخل أي حوار بحثا عن الحقيقة، وإنما يدخله بحثا عن الانتصار. فهو لا يصغي إلى الآخرين ليفهم، وإنما ينتظر انتهاءهم من الكلام ليعيد تكرار ما يؤمن به. ولا ينظر إلى الرأي المخالف باعتباره فرصة للمراجعة، وإنما يراه تهديدا لصورته، فيقاومه بعناد، ويخلط بين نقد الفكرة والطعن في شخصه.

ولذلك فإنك تراه شديد الحساسية تجاه أي تصحيح، سريع الغضب من كل نقد، قليل الاعتراف بالفضل، كثير التعلق برأيه، يظن أن التراجع ضعف، وأن الإصرار على الخطأ قوة، مع أن الحقيقة على النقيض من ذلك تماما؛ فالقوي هو من ينتصر للحقيقة ولو كانت على حساب رأيه، أما الضعيف فهو من ينتصر لرأيه ولو كان على حساب الحقيقة.

ومن سماته أيضا أنه ينتقي من الأدلة ما يوافق هواه، ويغض الطرف عن كل ما يخالفه، فإذا وجد نصا يؤيد رأيه تشبث به، وإذا وجد نصا آخر ينقضه بحث عن أي تأويل يخرجه عن ظاهره، أو تجاهله تماما. فهو لا يجعل رأيه تابعا للدليل، وإنما يجعل الدليل تابعا لرأيه، فيتحول العقل عنده من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لتبرير ما يريد الوصول إليه سلفا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل كثيرا ما يحيط نفسه بمن يوافقونه، وينفر من كل ناصح صادق، لأن وجود المخالف يزعزع يقينه الزائف، أما وجود المصفقين فيمنحه شعورا مؤقتا بالاطمئنان. ولهذا تراه يضيق بأهل الخبرة، ويستريح إلى أهل المجاملة، لأن الأولين يوقظون عقله، والآخرين يداعبون غروره.

ومن المفارقات اللافتة أن المستبد بجهله كثيرا ما يتهم غيره بالاستبداد، ويتهم أهل العلم بالتعالي، ويتهم الناصحين بالغرور، وهو في الحقيقة إنما يسقط ما في نفسه على الآخرين. وهنا تتجلى مرة أخرى آفة الإسقاط النفسي التي تحدثنا عنها في مقالنا السابق؛ فالإنسان إذا عجز عن رؤية عيوبه، راح يفتش عنها فيمن حوله.

ومن الوجهة النفسية، فإن هذا السلوك لا يصدر غالبا عن قوة، كما يظن أصحابه، بل عن ضعف مستتر. فكثير من المستبدين بجهلهم تحركهم نرجسية مرضية تجعلهم يرون أنفسهم فوق النقد، أو شعور دفين بالنقص يحاولون ستره بالتعالي، أو خوف عميق من انهيار الصورة التي صنعوها لأنفسهم أمام الناس. ولذلك فإنهم لا يدافعون عن آرائهم لأنها صحيحة، وإنما يدافعون عنها لأنها أصبحت جزءا من ذواتهم، فيتصورون أن سقوط الرأي هو سقوط للشخص نفسه.

إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخجل من الاعتراف بخطئه، لأن كرامته لا تقوم على العصمة، وإنما على الصدق. أما المضطرب من داخله، فإنه يجعل من العناد درعا يحتمي به، ومن المكابرة وسيلة لإخفاء هشاشته، فيزداد بعدا عن الحقيقة كلما ازداد تمسكا برأيه.

ولهذا فإن المجتمعات لا يهددها الجهل وحده، فالجهل بداية كل تعلم، وإنما يهددها أولئك الذين يحولون جهلهم إلى سلطة، ورأيهم إلى قانون، وأهواءهم إلى مقياس للحق والباطل. فالجاهل المتواضع مشروع عالم، أما الجاهل المستبد فمشروع طاغية، وإن لم يملك من أدوات الطغيان سوى لسانه أو منصبه أو رأيه.

ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر كثيرا من صور الظلم التي نراها في حياتنا اليومية؛ إذ يبدأ الظلم في أغلب الأحيان بفكرة خاطئة، ثم تتحول هذه الفكرة إلى قناعة مغلقة، ثم إلى تعصب، ثم إلى استبداد، ثم إلى ممارسة عملية تفضي إلى إهدار الحقوق وإفساد العلاقات وتعطيل العدل.

وإذا كان استبداد الجاهل بجهله يولد في أعماق النفس، فإنه لا يظل حبيسها طويلا، بل يفرض نفسه على الواقع في صورة قرارات جائرة، وأحكام متعجلة، ومواقف متعنتة، حتى يصبح ضرره متعديا إلى كل من يتعامل معه. فصاحب هذا النمط لا يكتفي بأن يعيش أسير أوهامه، وإنما يسعى - عن وعي أو غير وعي - إلى إلزام الآخرين بها، وكأن رأيه قانون، واجتهاده حقيقة، وهواه ميزان للعدل.

ولعل أخطر البيئات التي يظهر فيها هذا اللون من الاستبداد هي المؤسسات التي تقوم على اللوائح والقوانين. فالأصل أن القواعد وضعت لتحكم الجميع، وأن يكون القائمون على تنفيذها أمناء عليها، لا أوصياء فوقها. فاللائحة لا تنتظر من الموظف أن يعيد صياغتها وفق مزاجه، وإنما تنتظر منه أن يطبقها بأمانة وتجرد وعدل.

غير أن الواقع يكشف أحيانا عن صورة مؤلمة تتكرر في أكثر من مؤسسة. توضع قواعد واضحة للترقي أو للمفاضلة أو لمنح الحقوق، وتحدد شروطها بدقة، ثم يتقدم أحد الأفراد مستوفيا جميع تلك الشروط. وهنا يكون دور اللجنة أو المسؤول هو التحقق من استيفاء الشروط، لا اختراع شروط جديدة، ولا تعطيل حق قررته اللائحة.

لكن المستبد بجهله لا يقف عند حدود النص، بل يقفز فوقه. فإذا وجد في اللائحة مادة تمنح المتقدم حقا معينا متى استوفى شروطها، رفض تطبيقها لمجرد أن قناعته الشخصية لا تستسيغها، وربما أصر على موقفه، مع وضوح النص، واتفاق بقية المختصين على سلامة تطبيقه. وهنا لا يكون الخلاف في فهم القانون، وإنما في رفض الاحتكام إليه، لأن هوى الفرد أصبح أقوى من سلطان القاعدة.

وهذا النموذج لا يقتصر على مؤسسة بعينها، بل يمكن أن يتكرر في أي مكان يغيب فيه الضمير، ويحل الهوى محل الأمانة. فالمستبد بجهله لا يرى نفسه منفذا للقانون، وإنما يرى القانون تابعا لرأيه، فإن وافقه استشهد به، وإن خالفه عطله أو أوله أو التمس له المخارج. ومن هنا تبدأ العدالة في التآكل، لا بسبب ضعف النصوص، وإنما بسبب ضعف النفوس.

ولا يقف الأمر عند حدود الإدارة، بل يمتد إلى الأسرة. فقد ترى أبا يرفض الاستماع إلى أبنائه، لا لأنهم مخطئون، وإنما لأنه اعتاد أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة. فإذا قدموا له رأيا أكثر صوابا، أو أشاروا إلى تغير ظروف الحياة، عد ذلك تمردا على سلطته. وهكذا تتحول الحكمة التي يفترض أن تمنحها الخبرة إلى استبداد يمنع الحوار ويقتل الثقة.

وتتجلى الظاهرة أيضا في ميدان التعليم، حين يرفض معلم أو محاضر تصحيح معلومة ثبت خطؤها، لأن الاعتراف بها - في ظنه - ينتقص من هيبته. وهو لا يدرك أن هيبة المعلم لا تصنعها العصمة، وإنما يصنعها صدقه العلمي، وشجاعته في الرجوع إلى الحق متى تبين له.

وفي ساحات الفكر والحوار تبدو الصورة أكثر وضوحا. فكم من إنسان يدخل النقاش وقد حسم النتيجة قبل أن يسمع الطرف الآخر. إنه لا يحاور ليفهم، بل ليغلب، ولا يناقش ليصل إلى الحقيقة، بل ليؤكد ما يعتقده مسبقا. فإذا أعوزه الدليل لجأ إلى السخرية، أو التشكيك في النيات، أو التقليل من شأن المخالف، لأن الحجة خانته، فلم يبق له إلا الطعن في صاحبها.

بل إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم بيئة خصبة لهذا النمط من السلوك. فكثير من الناس يكتفون بقراءة عنوان، أو سماع مقطع مبتور، ثم يبنون عليه أحكاما قاطعة، ويرفضون كل تصحيح، وربما هاجموا أهل الاختصاص أنفسهم، لا لأنهم يملكون علما أوسع، وإنما لأنهم استراحوا إلى جهلهم حتى توهموا أنه معرفة.

ومن السمات اللافتة لهذا النموذج أنه لا يفرق بين الثبات على المبدأ، والإصرار على الخطأ. فالثبات فضيلة إذا كان قائما على الحق، أما العناد فهو تمسك بالرأي بعد ظهور بطلانه. والفرق بينهما هو الفرق بين صاحب الضمير الذي يتبع الدليل حيث قاده، وصاحب الهوى الذي يجر الدليل إلى حيث يريد.

إن أخطر ما يفعله الجاهل المستبد أنه لا يظلم الأفراد وحدهم، بل يفسد البيئة التي يعيش فيها. فهو يشيع الخوف من إبداء الرأي، ويعاقب المبادرة، ويجعل الناس يفضلون الصمت على الصدق، والمجاملة على النصيحة، لأنهم يعلمون أن الحقيقة لن تجد أذنا تسمعها، بل كبرياء يرفضها.

ولهذا فإن المجتمعات لا تنهض بكثرة القوانين وحدها، وإنما تنهض بوجود رجال ونساء يؤمنون بأن القانون فوق الجميع، وأن الحقيقة لا تعرف الأشخاص، وأن الاعتراف بالخطأ شجاعة، لا ضعف، وأن الوظيفة أمانة، لا امتياز.

أما علاج استبداد الجاهل بجهله، فلا يبدأ بالعقوبات، وإن كانت ضرورية حين يترتب على الاستبداد ظلم للناس، وإنما يبدأ بتربية العقل والضمير معا. فالعقل يحتاج إلى أن يتعلم أن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن كل إنسان معرض للخطأ، وأن الرأي يوزن بالدليل لا بصاحبه. والضمير يحتاج إلى أن يتربى على أن الرجوع إلى الحق فضيلة، وأن الاعتذار عن الخطأ رفعة، لا مذلة.

كما أن المؤسسات مطالبة بأن ترسخ ثقافة المراجعة، وأن تجعل اللوائح فوق الأشخاص، وأن تمنع احتكار تفسير النصوص، وأن تفتح أبواب الاعتراض والتظلم، لأن العدالة لا تكتمل بوجود النصوص، وإنما تكتمل بوجود الضمانات التي تمنع العبث بها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يوجهه إلى غيره: هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم أبحث عما يؤيد رأيي؟ وهل أغضب لأن الحق خفي علي، أم لأن صورتي اهتزت أمام نفسي؟

إن الجاهل لا يصبح خطرا لأنه لا يعلم؛ فكلنا بدأ حياته جاهلا، وإنما يصبح خطرا حين يقدس جهله، ويغلق أبواب التعلم، ويجعل من رأيه سلطة تعلو على العقل، ومن هواه حكما فوق العدل. فهناك يبدأ الاستبداد الحقيقي، لا من قاعات الحكم وحدها، بل من داخل النفس، يوم ترفض أن ترى نفسها على حقيقتها.

ولهذا فإن أول خطوة في مقاومة كل أشكال الاستبداد ليست أن نحاسب الآخرين فحسب، بل أن نحاسب أنفسنا أيضا. فمن عرف نفسه هذبها، ومن هذبها تواضع، ومن تواضع تعلم، ومن تعلم اقترب من الحقيقة. أما من جهل نفسه، ثم استبد بجهله، فقد خسر أعظم نعمة وهبها الله للإنسان: نعمة العقل الحر، والبصيرة المنصفة، والضمير الحي.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني - أستاذ الفلسفة الإسلامية

كلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم