عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: تعدد الزوجات.. انتصار الغريزة وهزيمة العقل

حين تعلق على أبواب الأسواق دورات لتعليم التجارة، أو البرمجة، أو اللغات، يبدو الأمر طبيعيا. أما حين يصبح الزواج، وهو أكثر العلاقات الإنسانية حساسية وتعقيدا، مادة تباع في دورة مدفوعة، فإن السؤال لم يعد عن الزواج، بل عن الكيفية التي ننظر بها إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى الإنسان ذاته.

إن المجتمعات التي تعاني من نسب مرتفعة من الطلاق، والعنف الأسري، والبطالة، وصعوبة زواج الشباب، لا تحتاج إلى مدربين على التعدد، بل إلى معلمين للحب، وخبراء في الحوار، وفلاسفة يعلمون الناس كيف يعيشون معا، لا كيف يضيفون إنسانا جديدا إلى قائمة العلاقات المأزومة.

ومن المؤسف أن يتحول الخطاب الديني أحيانا إلى خطاب يغذي الوهم الذكوري، فيصور للرجل أن خلاصه في زوجة ثانية، بينما يتجاهل أن مشكلته قد تكون في شخصيته، أو في فشله في إدارة علاقة واحدة. فالهروب من أزمة لا يكون بإضافة أزمة أخرى.

إن المرأة ليست جائزة يحصل عليها المنتصر، ولا احتياطا عاطفيا، ولا رقما يضاف إلى سجل الإنجازات. إنها إنسان كامل، له أحلامه، وكرامته، وحقه في علاقة تقوم على المودة والاحترام، لا على شعور دائم بأنه قابل للاستبدال.

لقد تحول الجسد عند بعضهم إلى وظيفة، والزواج إلى مهارة تباع وتشترى، والرغبة إلى سلعة مغلفة بعبارات دينية براقة.

كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها المجتمع الذي تتآكل فيه المدارس، وتنهار فيه الجامعات، وتتراجع فيه القراءة، وتفرغ فيه المكتبات، مشغولا بتعليم الرجال كيف يتزوجون امرأة ثانية؟

أي حضارة هذه التي تؤجل الحديث عن العلم لتتحدث عن السرير؟

أي عقل هذا الذي يرى خلاص الأمة في زيادة عدد الزوجات، بينما يعجز عن إنتاج فكرة واحدة تغير وجه التاريخ؟

لقد بات ينظر إلى الزوجة لا بوصفها ذاتا مستقلة، ووعيا، وعقلا، وشريكة وجود، بل بوصفها إمكانية قابلة للإضافة متى شاء الرجل، وكأنها قطعة أثاث يمكن تغييرها إذا تغير المزاج.

فالإنسان، كما قال كانط، لا يجوز أن يعامل أبدا كوسيلة، بل كغاية في ذاته. أما حين تتحول المرأة إلى "خيار إضافي"، فإننا لا نهين امرأة واحدة، بل نهين فكرة الإنسان نفسها.

أي أخلاق تلك التي تجعل الرجل يبحث عن دورة ليتزوج الثانية، بينما لم يبحث يوما عن دورة ليتعلم الاعتذار، أو الإصغاء، أو تحمل المسؤولية، أو احترام مشاعر زوجته؟

وما يثير السخرية أن أصحاب هذا الخطاب يتحدثون كثيرا عن نهضة الأمة، بينما لا يقدمون لها سوى خطاب يدور كله حول المرأة: حجابها، وصوتها، وخروجها، وزواجها، وطلاقها، وتعدد زوجها.

وكأن تاريخ البشرية اختزل في جسد امرأة.

أين العقل؟

أين البحث العلمي؟

أين الصناعة؟

أين الفلسفة؟

أين الأسئلة الكبرى التي صنعت الحضارات؟

لقد خرجت أوروبا من عصور الظلام حين نقلت اهتمامها من مراقبة الأجساد إلى تحرير العقول. أما نحن فما زلنا نعيد إنتاج الخطاب نفسه، لكن بوسائل أكثر حداثة: دورة إلكترونية، وإعلان ممول، ومنصة رقمية، بينما المضمون لم يتغير. إنه الاتجار بالدين، وتسويق الشهوة في ثوب الفضيلة.

لقد أصبحنا شعوبا يكاد يبتلعها الهوس بالجنس، والعورة، والمتعة، والمسيار، وتعدد الزوجات، بينما تتراجع قضايا الإنسان، والعلم، والحرية، والإبداع. ولم يعد السؤال: كيف نبني حضارة؟ بل: كيف نبرر المزيد من الامتيازات الذكورية؟

إن تعدد الزوجات، حين يتحول من استثناء تاريخي إلى مشروع ثقافي، يجسد علاقة التملك بكل هيمنتها على المرأة، وينفي في جوهره مبدأ المساواة بين الجنسين، ويدعم تفريغ المرأة من حقوقها، وتحويلها من شريك كامل في الحياة إلى موضوع يخضع لإرادة الرجل.

والأغرب أن المجتمع لا يكتفي بصناعة الأحكام، بل يصنع اللغة التي تحرسها. فالمرأة التي يطلب منها أن تتقاسم زوجها مع أخرى تمنح لقب "الصالحة" لأنها قبلت بالتضحية، بينما الرجل الذي تخالف زوجته تصوره للشكل أو المظهر قد يوصم بصفات تنتقص من رجولته.

هنا لا تصبح الألفاظ مجرد أوصاف، بل أدوات لإدارة السلطة. توزع الفضائل والرذائل وفق ميزان لا تحكمه العدالة، بل المصلحة الذكورية. فاللغة، حين تفقد حيادها، تتحول إلى مؤسسة خفية تعيد إنتاج الهيمنة، وتمنح الامتيازات لفئة، ثم تقنع الجميع بأن ذلك هو النظام الطبيعي للأشياء. وهكذا لا يقاس الإنسان بما يملكه من أخلاق، بل بمدى توافقه مع منظومة اجتماعية صاغت معاييرها بما يخدم طرفا واحدا، ثم ألبستها ثوب الفضيلة، وقداسة العرف.

نحن نغرق في جدل تعدد الزوجات، والعالم يتقدم ببحوث الخلايا الجذعية، ويطور علاجات السرطان، ويصنع أعضاء بشرية في المختبرات، ويقترب من فك شفرات الشيخوخة، بينما لا يزال وعينا أسير السؤال ذاته منذ قرون: كم امرأة يحق للرجل أن يتزوج؟

العالم يناقش مستقبل الإنسان، ونحن ما زلنا نتجادل حول امتيازات الذكر.

هم يستثمرون في العقل، ونحن نستثمر في الغريزة.

هم يبنون مختبرات، ونحن نبني منابر لإعادة إنتاج الأسئلة نفسها، حتى أصبح الماضي عندنا مستقبلا، وأصبح التقدم يقاس بمدى قدرتنا على استدعاء معارك انتهى زمنها.

ليست المأساة في وجود التعدد بوصفه حكما فقهيا، وإنما في تحويله إلى مشروع ثقافي وإعلامي، بينما تهمش القضايا التي تصنع الأمم: التعليم، والبحث العلمي، والحرية، والعدالة، والابتكار.

إن الحضارات لا تسقط لأنها اختلفت في تأويل نص، بل لأنها توقفت عن إنتاج المعرفة. وما من أمة دخلت التاريخ من باب غرفة النوم، بل دخلته من باب المختبر، والجامعة، والمكتبة، والعقل الحر.

والسؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا يا ساده ليس: هل نتعلم التعدد؟ بل: متى نتعلم كيف ننتج عالما، ونكتب نظرية، ونكتشف دواء، ونصنع مستقبلا؟

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم