كنا نحلم بعكس ما جرى.. بمناسبة مرور ثلاثين عام على نشر هذا المقال
في الصفحة الأخير من صحيفة 14 اكتوبر العدنية المصادف هذا اليوم؛ طلبت من صديقي الذكي اعادة صياغته بما يتناسب مع عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي فأنتج لي هذا النص الرائع الذي عزز وجهة نظري.
ليس هناك سؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا من السؤال الذي يسبق كل مشروع حضاري: ماذا نريد أن نكون؟ فهذا السؤال لا يبحث عن هوية جاهزة، بل عن مستقبل لم يولد بعد، ولا عن وصفٍ لواقع قائم، بل عن إرادة تاريخية قادرة على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع معًا. ومن هنا فإن التربية ليست مؤسسة تعليمية فحسب، وإنما هي الورشة الكبرى التي يصنع فيها الإنسان ذاته، ويعيد المجتمع إنتاج مستقبله.
تختلف الكائنات الحية عن الإنسان في أنها تولد مكتملة الهوية. فالعصفور يولد عصفورًا، والحصان حصانًا، ولا يحتاج أي منهما إلى مدرسة أو جامعة ليعرف كيف يكون ما هو عليه. أما الإنسان فيولد ناقصًا، ليس بمعنى العجز البيولوجي، بل بمعنى الانفتاح الوجودي. إنه الكائن الوحيد الذي لا يصبح إنسانًا إلا بالتربية والثقافة واللغة والتعليم والخبرة المتراكمة. فهويته ليست معطى طبيعيًا، وإنما مشروع مفتوح على الدوام.
ولعل هذه الحقيقة هي أعظم ما يميز الإنسان؛ إذ إن نقصه الأول هو مصدر إمكانه اللامحدود. إنه الكائن الذي يستطيع أن يسمو فوق ذاته أو ينحدر دونها، بحسب ما يتلقاه من تربية، وما يكتسبه من معرفة، وما يمارسه من نقد ومراجعة. ولهذا فإن أخطر لحظة في حياة الفرد ليست لحظة الجهل، وإنما لحظة اعتقاده أنه بلغ نهاية المعرفة، وأن الحقيقة أصبحت ملكًا نهائيًا له. فمن يتوقف عن التعلم يبدأ بالتراجع، ومن يظن أنه اكتمل فكريًا وأخلاقيًا يكون قد بدأ في فقدان إنسانيته.
لقد كانت التربية في الأزمنة الماضية تعتمد على استقرار العالم، حيث كانت المعرفة تتغير ببطء، وكانت الأجيال تعيش غالبًا في الظروف نفسها التي عاشها آباؤها وأجدادها. أما اليوم فقد أصبح العالم يعيش تحولات متسارعة لم يشهد التاريخ مثيلًا لها. فما يتعلمه الطفل اليوم قد يصبح متجاوزًا بعد سنوات قليلة، وربما قبل أن يغادر مقاعد الدراسة. لقد دخلنا عصرًا لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات، بل فائضها، ولم يعد السؤال: كيف نحصل على المعرفة؟ بل كيف نميز الصحيح من الزائف، والنافع من الضار، والمعنى من الضجيج.
إن الثورة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، لم تغير أدوات العمل فحسب، بل غيرت معنى التعلم ذاته. لقد أصبح التعلم عملية مستمرة مدى الحياة، ولم تعد الشهادة الجامعية نهاية الطريق، وإنما بدايته. فالذي لا يتعلم بسرعة سيتجاوزه الزمن بسرعة أكبر، والذي لا يجدد معارفه باستمرار سيجد نفسه يعيش بعقل ينتمي إلى الماضي في عالم يصنعه المستقبل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما أصبحت المعرفة متاحة بضغطة زر، أصبح التفكير النقدي أكثر ندرة من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم إجابات مذهلة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الإنسان الحكمة التي تمكنه من طرح الأسئلة الصحيحة. ويمكنه أن ينتج نصوصًا وصورًا وبرامج، لكنه لا يستطيع أن يحدد الغايات الأخلاقية أو القيم الإنسانية التي ينبغي أن توجه هذا الإنتاج. ولذلك فإن التربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مطالبة بتلقين المعلومات، بل بتكوين الإنسان القادر على التفكير، والتمييز، والإبداع، والعمل الجماعي، والتعلم الذاتي المستمر.
إن التعليم الذي يكتفي بحفظ المعلومات يشبه من يملأ أوعية بالماء في زمن أصبحت فيه الأنهار تجري في كل مكان. أما التعليم الحقيقي فهو الذي يعلم الإنسان كيف يبحث، وكيف يشك، وكيف يناقش، وكيف يبني معرفة جديدة من المعرفة المتاحة. فالمستقبل لن يكون للأكثر حفظًا، بل للأكثر قدرة على التعلم السريع، وإعادة التعلم، والتكيف مع التغيير.
ومن هنا يصبح السؤال التربوي سؤالًا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا في آن واحد. فما المجتمع الذي نريد بناءه؟ وأي مواطن نريد تخريجه؟ وهل نريد أفرادًا يكررون الماضي، أم عقولًا قادرة على صناعة المستقبل؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تبدأ من الجامعة وحدها، ولا من المدرسة وحدها، بل تبدأ من فلسفة تربوية وطنية واضحة، تحدد صورة الإنسان الذي نطمح إليه، وتربط التعليم بمشروع التنمية، والثقافة بالديمقراطية، والمعرفة بالحرية، والعمل بالإبداع.
وللأسف، ما يزال واقعنا العربي يعاني من أزمة عميقة في هذا المجال. فما تزال المناهج في كثير من الأحيان تقوم على التلقين أكثر من التفكير، وعلى الامتحان أكثر من الفهم، وعلى الحفظ أكثر من الإبداع. كما أن تعدد المرجعيات الفكرية، وتناقض السياسات التعليمية، وضعف مكانة المعلم، وتراجع قيمة القراءة، وانتشار الغش، كلها أعراض لأزمة أعمق تتمثل في غياب فلسفة تربوية شاملة توحد الرؤية والأهداف.
لقد أثبتت تجارب الأمم أن النهضة لا تبدأ من الثروة، وإنما من الإنسان؛ وأن الاستثمار الحقيقي ليس في النفط أو المعادن أو التكنولوجيا، بل في العقل البشري. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة لم تصبح قوى عالمية لأنها امتلكت موارد طبيعية ضخمة، وإنما لأنها استثمرت في الإنسان، وجعلت التعليم محور مشروعها الوطني.
إن الطفل يولد مزودًا بغريزة الفضول والاكتشاف، ويملك استعدادًا فطريًا للتعلم. والمهمة الأساسية للتربية ليست أن تحشو عقله بالمعلومات، بل أن تحافظ على هذا الفضول حيًا، وأن تنمي قدرته على السؤال والبحث والاكتشاف. وكما قال جون هولت: “لسنا بحاجة إلى أن نجعل الأطفال أذكياء، فهم يولدون كذلك، وإنما علينا أن نتوقف عن تعليمهم الغباء.” إنها عبارة صادمة، لكنها تكشف مأساة التربية حين تتحول إلى آلة لإخماد الخيال بدل إطلاقه.
ولذلك تبقى القراءة النقدية الركيزة الأساسية لكل تعليم حقيقي. فالقراءة ليست جمعًا للمعلومات، وإنما إعادة بناء للعالم داخل العقل. والعقل، مهما بلغت فطرته من الذكاء، لا يثمر معرفة من تلقاء نفسه، تمامًا كما أن الأرض، مهما بلغت خصوبتها، لا تعطي ثمارها ما لم تُحرث وتُزرع وتُسقَ. فالتفكير ينمو بالقراءة، والقراءة تنضج بالنقد، والنقد يفتح الطريق إلى الإبداع.
إن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قدراته الهائلة، لا يلغي قيمة الإنسان، بل يزيد الحاجة إليه. فكلما ازدادت قوة الآلة ازدادت أهمية العقل الذي يوجهها، والضمير الذي يضبط استخدامها، والفلسفة التي تمنحها معناها الإنساني. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي ليس أن ننافس الآلات في سرعة الحساب، بل أن نربي إنسانًا أكثر حكمة، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا لخدمة الإنسان، لا لاستعباده.
إننا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة. فالتحول الرقمي يفتح أمام المجتمعات النامية إمكانات غير مسبوقة لتجاوز كثير من مراحل التخلف إذا أحسنت الاستثمار في التعليم السريع، والتعلم الذاتي، والمهارات الرقمية، والبحث العلمي، والابتكار. أما إذا بقينا أسرى مناهج الأمس وأدواته، فسوف تتسع الفجوة الحضارية أكثر فأكثر.
إن التربية ليست ترفًا ثقافيًا، ولا قطاعًا خدميًا كسائر القطاعات، وإنما هي البنية التحتية للمستقبل كله. فكل إصلاح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي يبدأ من إصلاح التربية، وكل مشروع حضاري يفشل حين يهمل الإنسان الذي سيحمله. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا دائمًا ليس: ماذا نملك؟ بل: من نربي؟ وكيف نربي؟ ولماذا نربي؟
إن مستقبل الأمم لا يُصنع في غرف السياسة وحدها، ولا في أسواق المال، بل يبدأ في رياض الأطفال، ويتشكل في المدارس والجامعات، ويستمر في ثقافة المجتمع بأسره. فالبذرة تحمل في داخلها صورة الشجرة، والتربية هي التي تحدد شكل الغابة التي سنعيش فيها غدًا.
ولذلك سيظل السؤال الذي يوقظ الضمير، ويؤرق الفكر، ويستفز الإرادة هو نفسه الذي طرحه المربون الكبار منذ زمن بعيد، لكنه يكتسب اليوم معنى أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي:
ماذا نريد أن نكون؟
فالإجابة عن هذا السؤال هي، في الحقيقة، الإجابة عن سؤال المستقبل كله. فإذا أحسنّا تربية الإنسان، امتلكنا مفاتيح الغد، أما إذا أهملناه، فلن تستطيع أكثر التقنيات تطورًا أن تنقذ مجتمعًا فقد بوصلته الإنسانية. فالتربية كانت، وما تزال، وستظل حقل زراعة المستقبل، ومفتاح كل نهضة، وأعمق استثمار يمكن أن تقوم به أمة تطمح إلى مكان يليق بها في التاريخ.
***
أ. د. قاسم المحبشي
أستاذ فلسفة التاريخ والحضارة – جامعة عدن








