عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: لماذا يَلفِتنا الجَـمـال؟

لن أتحدث عن نسبيّة الجمال؛ فمن البديهي جدا أن اعتبار ما هو جميل حكمٌ تتفاوت فيه أنظار الناس، ولن أتحدث عن الدافع الفسيولوجي الذي يجعلنا أنصارًا للجمال أعداءً للقُبح؛ فمهما تكن ماهيته، فهو أمر حاصل لا محالة، وواقع ماثلٌ أمام أعيننا يجب أن نتعاطى معه، وهذا هو المهم، وإن كان فهمُ الجذور لا يقلّ أهميةً بَداهَةً.

الجمال قطاع عريض، تتنوّع أوجهه وإسقاطاته، فمنه السمعي ومنه المرئي ومنه المعنوي ومنه ومنه، بَيْدَ أني أركز حديثي هُنا على الجمال البصري، كما أني أستصحب في دهشتي سؤالا مركزيا واحدا يدور بخَلَدي، وهو:

أنحبُّ الجمال البصري لشكله وبريقه وظاهره وذاته استقلالا، أم لحمولة المعنى والإحساس القابعة فيه والمتدلّية منّا؟

ومُؤدّى السؤال: آلجمال تفاعلٌ أو وجودٌ خارجي؟ أهو تفاعلٌ يأخذ منا ويسكبه فيما نُعجَبُ به؟ أم هو وجودٌ مستقلٌ عنا وغير متّكئ علينا؟

فإذا كانت الأولى، فهل الجمال هو لغةٌ مشفّرة من الكون ليكشف لنا عن شيء ما، وجعلنا نلتفت للجمال لنلتفت بدورنا إلى سرٍ ما مُوْدَعٍ في قلب الجمال؟ أم هو ارتدادٌ مستتر لنفوسنا تودّ أن تبعث لنا صرخةً ما، فما وجدتْ سبيلا لهاته الصرخة إلا الجمال؟

وإن كانت الثانية، فكيف يمكن تصوّر مُدرِكات لا تبصر الجمال كما نفعل نحن؟ وماذا لو تمرّدنا على سؤالنا، ووسّعنا الدائرة، لنعيد صياغته ليكون: أتدرك الكائنات الأخرى الجمال؟ وإذا كان الجواب بنعم فهل لها معايير مختلفة؟ وماهي؟ ثم أيدرك الجمالُ جمالَه؟ أتدرك الوردة رونقها، وأيدرك الليل سحره؟ أيدرك المطر عذوبته؟

 أضِف لذلك أننا لو استحضرنا ثنائية الجمال والقُبح، فهل للجمال وجودٌ أصلا؟ أم هل أنه مجرد مسافة تضعها عقولنا لتنظيم فوضى الأشياء، أمْلَتْها عليها طبيعة المقارنة، فلولا القبح والنشاز وتباين مستويات الجمال، لكان كل شيءٍ لا يعدو كونه عاديًا طبيعيا متماثلا فاقدا أيّ تميّز؟

مهما يكن من أمر، فنحن أمام واقع نعيشه ليل نهار، والجمال بهذا الاعتبار له وجودٌ نقيم الدنيا ونقعدها لأجله،

فالانقياد للجمال مُبرمَجٌ فينا على نحو مرعب، فها نحن الرجال مثلا نرى أن الأنثى أجمل مظاهر الطبيعة، فهل الأنثى رسالة؟ أهي انعكاس؟ أهي قطعة تنقصنا؟ هذا أو ذاك أو غيره، إننا نتخذ خطوات جبّارة؛ كَرْمَى هذا الجمال الأنثوي، من حروب ضروس إلى تضحيات جِسام وسفك للدماء، فتأثير الجمال في حياتنا لا يمكن دَحضه ولا القفز عليه بأي حال من الأحوال.

ومحاولةً لتقديم إجابة على سؤالنا المحوري، فإني أجدني عاجزا عن تجاوز وجود حقيقي لحمولة المعنى والشعور لِما نراه جميلا، فما الجمال إلا حركةٌ بندولية بيننا وبين الجميل أكان كائنا ثابتا أم متحركا، بشرا أم حيوانا، من نتاج الطبيعة أو صنع الإنسان، إنه تفاعلٌ على بُعدٍ غامض، يحمل في تضاعيفه ويخبئ بين طيّاته معانٍ مطبوعة في أنفسنا، ومشاعر تستوطننا، ولتفاوت هذا التفاعل فإنه يمكن للواحد منّا أنّ يمر بالجمال ولا يبصره، أن يعبر بالجمال ولا يستشعره، أن يقف إزاءَ الجمال ولا يحرّك فيه ساكنًا، ولفيلسوف الحياة كلمة سائرة وحكمة ماضية في هذا، إذْ يقول في إحدى قصائده العصماء:

والذي نَفسُهُ بغير جَمالٍ***لا يرى في الوجود شيئًا جميلا

ويختمها بقوله:

كُنْ جميلا ترَ الوجود جميلا

جمال المرئيات هو ابن الشعور، والتغذية البصرية للإنسان مصدرٌ يتجاوز بُعد المادة وسطوتها! فمن يحيط نفسه بالجمال فهو محفوف بكثافة من المعاني المدهشة والأحاسيس المتخمة بالحياة، وحمولةُ الجمال من المعنى والشعور سخيّة في عطائها، وهي - إنْ جازَ لي - تردُّ المعروف إلينا بما أنّ لنا نصيبًا من هذا الجمال من حيث كوننا فاعلين لا مجرد متلقّين، فالجمال نتيجةٌ لنا دورٌ فيها، وليست شيئا منفصلا نُمنَح إياه، الجمال امتداد لنا، ولولانا لما كان له وجود، غير أن دورنا خفيٌ لا ندركه، عصيٌ على التعقّل، لكننا نلمسه فينا بكل جلاء، وما يحركه الجمال فينا لا يمكننا نكرانه، ولا يمكن للجمال العَبث بقلوبنا مالم تكن قلوبنا تتآمر معه بلغة مشتركة يستوعبها كلاهما؛ ومن ذاك يُراودنا الجمال جِيئةً وذهابًا بسلاسة مُلْغِزَة!.

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم