عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: نقد ابن خلدون للعقل والمنطق (5)

إن ذروة الثورة المنهجية التي أحدثها ابن خلدون تتجلى في نقده للعقل والمنطق؛ إذ رفض الثقة المطلقة بالعقل من حيث هو معيار للحقيقة، وقانون لمعرفة الصواب من الخطأ. وربما كان ابن خلدون قد تأثر بأبي حامد الغزالي (ت 505هـ) في نقده للعقل وبيان حدوده، إذ أشار، في معرض دحضه لدعاوى العقل، إلى ما يلي:

“ولا تثقن بما يزعم لك العقل من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، ويسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك، في بادئ رأيه، منحصر في مداركه ولا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه… فلعل هناك ضروبًا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقًا من ذلك… وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمح أن تزن أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدًّا يقف عنده، ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك”.

يفضح هذا النص المقتبس من المقدمة وجود تشابه واضح مع رأي أبي حامد الغزالي في نقده للعقل وبيان عجزه عن إدراك الأمور الإلهية، وتشبيهه العقل بالميزان الصحيح، أو المحك، أو المعيار.

ورغم ذلك التشابه، فإن ابن خلدون يذهب في نقده للعقل إلى أبعد مما ذهب إليه الغزالي؛ إذ يكشف عن عجز المنطق عن فهم الأمور الاجتماعية والسياسية. ويرى ابن خلدون أن “العلماء من بين الناس أبعد عن السياسة ومذاهبها”، وهو يقصد بالعلماء أولئك الذين يتبعون في علومهم القياسات المنطقية الصورية، إذ يقول إنهم اعتادوا في حياتهم العلمية أن يغوصوا إلى المعاني فينتزعوها من المحسوسات، ويجردوها في الذهن أمورًا كلية عامة، ثم دأبوا على تطبيق هذه الكليات العامة المجردة على السياسة والحياة الاجتماعية، ولهذا نجدهم يفشلون فيها فشلًا ذريعًا.

ولم تكن الثورة المنهجية الكبرى في فجر النهضة الأوروبية الحديثة إلا ثورة فكرية للتخلص من المنطق عامة، والمنطق الأرسطي خاصة، والقياس على وجه الخصوص؛ إذ أدرك الفلاسفة المنهجيون، أمثال فرنسيس بيكون وديكارت وجون لوك وهيوم وفيكو، أن تأخر العلم وتخلف المجتمع يعودان إلى شيوع المنهج الاستدلالي الذي يعتمد المنطق الصوري والقياس الاستنباطي.

وقد كانت الفلسفة والمعرفة عمومًا، طوال القرون السابقة للنهضة، تقومان على أساس منهجي عقيم لا يمكن أن يؤدي إلى علم جديد؛ فقد تجمد المنطق في قوالب فكرية جامدة، حتى إذا استغرق المفكر فيها أمسى وكأنه يدور في حلقة مفرغة لا يستطيع أن يتخلص منها. وقد رأى شيلر أن الحقيقة، في ضوء هذا المنطق، واحدة، والآراء إذن يجب أن تكون فيها متفقة؛ فأنت إما أن تكون مع تلك الحقيقة أو ضدها، فإذا كنت ضدها فأنت هالك، أما إذا كنت معها فليس لأحد أن يجرؤ على مناقضتك أو الاعتراض عليك. إنك محق إذا غضبت على أولئك الذين يجادلونك في الحقيقة؛ فالحقيقة حقيقتك، أو هي بالأحرى أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية.

وهذا يعني أن المنطق لا يزيدك علمًا بشيء من حقائق الأشياء، ولا يقينًا بصحتها، كما لا يزيدك علمًا بخطئك، ولا يصحح لك خطأك. ولو كان العلم بالمنطق، لما كان تاريخه تاريخ تصحيح للأخطاء، بل لصار تاريخ تقديس للحقائق، ولما كان هناك نقد ولا تطور ولا تقدم ولا ارتقاء. فالمنطق، وفق هذا التصور، قد يصبح وسيلة إلى الانغلاق والتعصب وتقديس الأهواء، لا إلى الاختراع والاكتشاف والنقد المستمر والتقدم المتواصل.

وحين نصف المنطق التقليدي بأنه صوري، فإننا نقصد بذلك أنه يهتم بصورة الشيء ويهمل مادته. وأوضح تطبيق لهذا المنطق جاء في الهندسة؛ إذ يهتم المهندسون بالشكل الذي تظهر فيه الأشياء، كالهرم والمخروط والأسطوانة والمثلث والدائرة والمستطيل، ولا يبالون بالمادة التي تتكون منها هذه الأشكال. ولما رأى المناطقة نجاح منطقهم في ميدان الهندسة وغيرها من العلوم الرياضية، ظنوا أنهم سينجحون كذلك في جميع الميادين الفكرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والسياسية.

وقد وجد غالبية المفكرين المسلمين، من الفلاسفة والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، في المنطق الأرسطي ضالتهم المنشودة، فكانوا يجردون الأفكار من موادها، أي يبحثون -كما وصفهم ابن خلدون- في “صور” قد تجردت من “موادها”، دون مراعاة الوقائع والأحوال. كما اتخذوا القياس المنطقي سبيلًا لتأييد المذاهب والآراء، لذا وجدنا أصحاب المذاهب المتنازعة يتحاربون بسلاح القياس المنطقي كما يتحاربون بالسيف.

ولعلي لا أبالغ في القول إن سبب تخلفنا الثقافي والعلمي إلى اليوم يعود، في وجه من وجوهه، إلى رسوخ ذلك المنطق العقيم في عاداتنا الفكرية؛ إذ نجد كثيرًا من متعلمينا، الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين، لا يزالون يفكرون وفق ذلك المنطق ويتعصبون له، فيهملون الواقع الصارخ، ويحلقون في سماء المنطق الصوري والقياس التجريدي، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق، وبيان عقمه وضرره. فليس هناك ما هو أشد أثرًا في عرقلة نمو المعرفة العلمية من المنطق التقليدي.

ولم تبدأ انطلاقة الثورة المعرفية العلمية الهائلة إلا بعد أن هدم فرنسيس بيكون جسور المنطق، ودحض أوهامه في الأورغانون الجديد.

ومن هنا تتضح أهمية الطفرة المنهجية الكبرى التي أقدم عليها ابن خلدون قبل بيكون ولوك وهيوم، بنقده مبادئ المنطق الصوري وكشفه عن زيف تطبيقاته على ظواهر الحياة الاجتماعية والتاريخية والسياسية؛ فقد أكد أن “صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس”. ووجه قصور المنطق، في رأيه، أن النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة غير يقينية، ولا تطابق ما هو موجود في الخارج، “اللهم ما يشهد به الحس من ذلك، فدليله شهوده لا تلك البراهين، فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟”

ويستلهم ابن خلدون نقد الشيخ ابن تيمية للمنطق الصوري، كما يستلهم نقد أبي حامد الغزالي للعقل المجرد، ليعيد مزجهما في منهجه النقدي الجديد؛ إذ يرى ابن تيمية (ت 728هـ) أن البرهان المنطقي القائم على الكليات الذهنية لا يوصل إلى علم يقيني، بل إلى أمور ظنية مقدرة في الأذهان فقط، وأن العلم الحق هو الذي يستمد أحكامه من الأشياء الجزئية المتعينة بوجودها الخارجي. كما يميز بين “الإمكان الذهني” و”الإمكان الخارجي”، فالأول يستند إلى التفكير المجرد، بينما الثاني يستند إلى الاستقراء الحسي.

ومثل هذا التمييز نجده عند ابن خلدون بين “الإمكان العقلي المطلق” و”الإمكان بحسب المادة التي للشيء”.

ويروي ابن خلدون قصة طريفة تشبه أسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون، مفادها أن وزيرًا اعتقله سلطانه هو وابنه الصغير، ومكثا في السجن سنين نشأ فيها الولد وكبر. فلما نضج عقله أخذ يسأل أباه عن لحم الغنم الذي يؤتى به إلى السجن لإطعامهما: من أي الحيوانات هو؟ لأن الولد لم ير الغنم في حياته، وكل ما رآه من الحيوانات في سجنه هو الفأر وحده، فتصور أن الغنم يشبه الفأر، وأبوه ينكر عليه ذلك.

أراد ابن خلدون من هذه القصة بيان أن تصورات الإنسان لا تخرج عن نطاق ما يألفه ويعتاد عليه في بيئته المحدودة، ولذلك يصعب عليه أن يتصور ما ليس مألوفًا لديه إلا بالقياس على المألوف.

إن ابن خلدون في هذه القصة يشبه الغزالي في قصة العميان مع الفيل؛ إذ ذهب أبو حامد الغزالي إلى أن موقف الناس من الحقيقة يشبه موقف العميان من الفيل، فكل منهم يصور الفيل من خلال الجزء الذي يحسه منه.

وينتهي ابن خلدون إلى القول: “ولا تنكر ما ليس بمعهود عندك، ولا في عصرك، بشيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممتلات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الأمم السالفة بادروا بالإنكار، وليس ذلك من الصواب؛ فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها”.

في الواقع، لم يكن نقد ابن خلدون للمنطق الصوري نقدًا عابرًا أو سطحيًا، بل كان نقدًا منهجيًا واعيًا؛ إذ أدرك عقم المنهج الاستدلالي في دراسة ظواهر الحياة والتاريخ، كما أدرك ذلك قبله الحسن ابن الهيثم في كتابه المناظر، إذ كتب يقول: “فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، فلم أحظ من شيء بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجًا، ولا إلى الرأي اليقين مسلكًا جيدًا، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية”.

وفي السياق ذاته، وجدنا ابن خلدون يميز بين صورة الشيء ومحتواه أو مادته، إذ أشار إلى أن المناطقة والمؤرخين الذين يعتمدون القياس المنطقي كانوا مشغولين بصورة الأفكار وأهملوا مادتها. وقد كتب في نقد المؤرخين المقلدين الذين “يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الواقع في العصور الأولى، صورًا تجردت من موادها، وصفائح انتضيت من أغمادها”، أي إنهم اهتموا بأغماد السيوف وأهملوا السيوف التي لم توضع الأغماد إلا من أجلها، وهي كناية عن اهتمام المناطقة بصور الأشياء المجردة وإهمال الأشياء ذاتها.

وينتهي ابن خلدون، في بيان مخاطر المنطق الصوري وعدم قدرته على فهم ظواهر الحياة الاجتماعية، وكيف أن العلماء المناطقة هم أبعد الناس عن فهم السياسة، إلى القول إن الرجل العامي، الذي لم يعتد التجريد الذهني كثيرًا، قد يكون أصدق حكمًا في الأمور من المناطقة؛ إذ إنه، لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده عليه، يقتصر لكل مادة على حكمها، ولكل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به، ولا يتعدى الحكم بقياس أو تعميم، ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة، ولا يجاوزها في ذهنه، كالسابح الذي لا يفارق البر عند الموج، فيكون مأمونًا من الخطأ في سياسته، مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه، فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره، وفوق كل ذي علم عليم.

ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس؛ فإنها تنظر في المعقولات الثانية، ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني.

وحتى لا يساء فهم قولنا بنقد ابن خلدون للمنطق الصوري، فيفهم منه أنه لم ير في المنطق شيئًا جديرًا بالقيمة، تلزمنا الأمانة العلمية أن ننوه بأن ابن خلدون رأى في المنطق فائدة محدودة النطاق، تقتصر على ترتيب الأدلة وتحقيق الاتساق الفكري. فالباحث، في رأي ابن خلدون، لا يحتاج إلى المنطق إلا بعد أن ينتهي من البحث، وعندئذ يستخدمه لتقديم براهينه للناس في صورة منسقة مرتبة. أما فيما عدا ذلك، فإن استخدام المنطق يؤدي إلى نتائج مغلوطة، ومن هنا كان المناطقة غير قادرين على الوصول إلى نتائج صحيحة في الأمور الإلهية وفي الأمور السياسية وغيرها.

والسياسة، كما يقول ابن خلدون، “يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها؛ فإنها خفية، ولعل فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها، ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر؛ إذ كما اشتبها في أمر واحد اختلفا في أمور أخرى، فيكون العلماء، لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض، إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم، فيقعون في الغلط، ولا يؤمن عليهم”.

هكذا أدرك ابن خلدون الطبيعة المتغيرة لوقائع التاريخ، الذي يتحدث عما لم يره أحد مرتين؛ أي عن ظواهر تاريخية فريدة لا تتكرر أبدًا، وحتى إن تشابهت في بعض الوجوه، فإنها تظل فريدة من حيث زمان وقوعها ومكانه والأشخاص الذين اشتركوا فيها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم