عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: المرونة الذهنية.. الفاصل بين النضج والجمود الفكري

تعد العقلية المتفتحة والذهنية المتوقدة من أبرز مؤشرات النضج الإنساني والوعي الذاتي العميق، فهي لا ترتبط فقط بامتلاك المعرفة أو سرعة البديهة، بل تتجلى أساساً في القدرة على مراجعة الذات، والاعتراف بالخطأ دون مقاومة داخلية أو تبرير دفاعي أو تهرب من المسؤوليات الشخصية والاجتماعية، بهدف حماية الصورة الشخصية على حساب الحقيقة. هذا النمط من التفكير يعكس اتزاناً داخلياً وانضباطاً وشفافية شخصية، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل والتعامل بإيجابية مع الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون عليه.

في المقابل، يظهر بعض الأفراد وكأنهم أسرى لقناعة داخلية مطلقة بصواب آرائهم وسلوكياتهم وأفعالهم، بحيث تتحول الفكرة لديهم إلى جزء من الهوية الشخصية، وليس مجرد رأي قابل للنقاش أو التعديل. هنا يصبح الاعتراف بالخطأ تهديداً للشخص نفسه وليس لسلوكه فقط، وشعوراً بالنقص والدونية لديه، فيلجأ إلى الإنكار أو التبرير أو إلقاء اللوم على الآخرين، واتهامهم بالتقصير، وإثارة موضوعات ضدهم نكاية فيهم أو كراهية لهم، حتى لو كانت الأدلة واضحة ومباشرة. هذا النمط لا يعكس ضعفاً في الذكاء العقلي والعاطفي بقدر ما يعكس هشاشة في المرونة النفسية والمعرفية، وضعفاً في إدارة الأنا والذات.

الشخص المتفتح ذهنياً لا يرى في التراجع عن موقف ما هزيمة، بل يراه انتقالاً طبيعياً من مستوى فهم إلى مستوى أعمق. لذلك تجده أكثر هدوءاً في النقاش والحوار، وأكثر استعداداً للاستماع الفعال، وأقل اندفاعاً في إصدار الأحكام. وهو يدرك أن الحقيقة ليست ملكاً فردياً، وأن الزاوية التي يرى منها قد تكون ناقصة، وأن هناك زوايا أخرى ووجوهاً مختلفة للرؤية. لذلك يرحب بالمعلومات الجديدة حتى لو هزّت قناعاته السابقة، ويتقبل الآراء والأفكار المختلفة عن أفكاره ورؤيته ونظرته.

أما الشخص ذو العقلية الجامدة، فيميل إلى تحويل الحوار إلى ساحة لإثبات الذات ومعركة شخصية، يتهم فيها غيره ويسقط ضعفه وإخفاقاته على الآخرين، بدلاً من البحث عن الحقيقة وصوابية الأفكار والمواقف والأحداث. يتعامل مع النقد باعتباره استهدافاً لشخصه ومكانته، ويشعر أن الاعتراف بالخطأ ينتقص من قيمته وهيبته أمام الآخرين. لذلك يتشبث بموقفه حتى لو فقد المنطق، لأن الهدف يصبح حماية الصورة الذاتية لا تصحيح المسار.

في بيئة العمل يظهر هذا الفرق بشكل واضح. قد نجد مديراً يتخذ قراراً تنظيمياً معيناً، ثم تبدأ المؤشرات الميدانية بإظهار أن هذا القرار غير فعال. الشخص المتفتح يعيد النظر ويتراجع في خطواته، يناقش الفريق ويعدل القرار وفق البيانات الجديدة، بينما الشخص الجامد يصر على استمرار النهج ذاته، ويبرر النتائج السلبية بعوامل خارجية دون أن يتحمل نفسه المسؤولية، مما يؤدي غالباً إلى تراكم المشكلات وإضعاف العلاقة التواصلية بين أعضاء فريق العمل، وبالتالي تراجع الأداء وضعف الإنتاجية. وفي العلاقات المهنية والاجتماعية كذلك، يظهر الشخص المتفتح كعامل تهدئة وتلطيف للأجواء وبناء لها، لأنه يقلل من التصعيد ويعزز ثقافة الحوار، بينما يسهم النمط الآخر في خلق توتر دائم ومشكلات وصراعات متكررة بسبب الإصرار على الصواب المطلق دون مراجعة أو تصحيح للمسار.

هذا الفارق يرتبط بعدة عوامل نفسية، من أهمها طريقة بناء الوعي والإدراك وإدارة وتقدير الذات، فكلما ارتبطت قيمة الشخص بالكمال وعدم الخطأ، كلما أصبح الاعتراف بالخطأ لاحقاً أكثر صعوبة وتعقيداً. كما يرتبط بما يسمى في علم النفس بالتحيز التأكيدي للذات دون الاعتراف بأحقية الآخرين بأفكارهم وجهودهم، حيث يميل الإنسان إلى البحث عن المعلومات التي تدعم قناعاته وتجاهل ما يخالفها. كذلك تلعب الخبرات الاجتماعية دوراً مهماً، فالأفراد الذين تربوا في بيئات تعتبر الخطأ عيباً أخلاقياً وتعاقب عليه وليس فرصة للتعلم، غالباً ما يطورون دفاعية عالية تجاه النقد لحماية أنفسهم من المحاسبة.

إن تطوير العقلية المتفتحة يبدأ من إدراك بسيط لكنه عميق، وهو أن الخطأ ليس تهديداً للذات بل فرصة لتطويرها ونموها. حين يفصل الإنسان بين قيمته الشخصية وبين آرائه، يصبح أكثر حرية في التفكير، وأكثر شجاعة في الاعتراف بالخطأ والتراجع عنه، وأكثر قدرة على النمو. كما أن ممارسة الاستماع الفعال، وتقبل وجهات النظر المختلفة، وإعادة فحص المعتقدات بشكل دوري، كلها ممارسات تعزز هذا النضج الذهني وتجعله سلوكاً يومياً وليس مجرد فكرة نظرية.

وفي النهاية، يمكن القول إن الفارق الحقيقي بين الإنسان الناضج والإنسان الجامد الذي يفتقر إلى الوعي لا يكمن في عدد المرات التي يكون فيها على صواب، بل في قدرته على أن يكون مخطئاً دون أن يفقد توازنه أو يشعر بالحرج، وأن يعيد بناء فهمه دون أن يشعر بأن ذلك ينتقص من قيمته. فالعقل المتفتح لا يبحث عن الانتصار في الحوار، بل عن التطور في الفهم، وهذه هي العلامة الأعمق للنضج الإنساني الحقيقي. كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق على يديه.

***

د. أكرم عثمان

27-6-2026

في المثقف اليوم