عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: في علاقة التربية والتعليم بالثقافة والتنمية المستدامة

جواب النداء؛ إلى الصديق الدكتور، نجيب عسكر

يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به من وظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤية فلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمة هي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب فيه بمجتمعٍ من المجتمعات انطلاقا من السؤال الحيوي : ماذا نريد أن نكون؟

إذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الأطفال من نطق وكتاب الحروف والأرقام والمثل الأعلى للمدرسة يتمثل في تمكين التلاميذ والتلميذات من المعارف الأساسية الأولية في مختلف التخصصات العلمية فإن المثل الأعلى للجامعة يتمثل في تمكين الطالبات والطلاب من فهم ماتعلموه في السنوات السابقة وتحويل معرفة الاولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء وتنمية المجتمعات والأوطان. هذا يشترط وجودة فلسفة تربوية وتعليمية وطنية عامة وملزمة أما حينما يخضع الاطفال والتلاميذ والطلاب لنظم ومناهج تربوية وتعليمية مختلفة المصادر ومتناقضة الأهداف ومضطربة الأدوات والاساليب وفي ظل غياب المنظومة التربوية الاستراتيجية الشاملة فمن المؤكد ان النتيجة ستكون كارثية ، كما هو حال العرب اليوم شعوب وجماعات وأفراد يعيشون في بلاد واحدة او بلدان متجاورة ليس بإمكانهم التفاهم مع بعضهم ، ويعجزون عن إيجاد اي قواسم مشتركة للتواصل والتفاهم والعيش معا، بل بلغ الحال بهم حد ان بعض سكان القرية او الحي او الشارع الواحد يجدون انفسهم فجاءة في حالة تشظي متناسلة.

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا، وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

والجامعة بوصفها مؤسسة أكاديمية في مجتمعاتنا العربية هي مؤسسة حديثة وجديدة في كينونتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية ووظيفتها العلمية، والتعليمية والتنموية وقيمها المهنية والأكاديمية، وأنماط علاقاتها وأهدافها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن مجتمعاتنا بحكم التخلف التاريخي لا تزال أسير البنى والعلاقات والقيم التقليدية على مختلف صعد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية والأخلاقية هذه البنى الثقافية التقليدية لا ريب وأنها تأثر في المؤسسة الجامعية وتخترقها بسهامها المنطلقة من كل حدب وصوب، إذ إن الجامعة ليست جزيرة منعزلة عن المجتمع التي توجد فيه، بل هي جزء من هذا المجتمع الذي يؤثر فيها وتأثر فيه. وقد تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 300 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م.

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

إن التعليم في جوهره ليس عملية نقل للمعلومات، بل هو مشروع إنساني يهدف إلى تكوين الإنسان. فالمدرسة والجامعة ليستا مخزنين للمعرفة، بل مؤسستان لصناعة العقل وتشكيل الشخصية وبناء الوعي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يعرف الطالب؟ بل: ماذا أصبح هذا الطالب بعد سنوات طويلة من التعليم؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر استقلالاً في الحكم؟ أكثر وعياً بذاته وبالعالم من حوله؟ أم أنه مجرد حافظ جيد لما قيل له؟

ففي مجمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية كيف يمكن أن تكون فيه المؤسسة الأكاديمية وقيمها لا سيما إذا تركت مكشوفة لاعداءها التقليديين بلا حماية وبلا رعاية من الدولة والمجتمع وبلا سلطة خارجية أو ذاتية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها والإنسان وعقلة وحريته وغير ذلك الظواهر والموضوعات التي هي الموضوع الأول والأخير لكل العلوم الطبيعية والإنسانية وينكرون العقل الإنساني كأداة ومعيار للمعرفة العلمية بل وينكرون الإنسان بعده كائن كرمه الله وأكرمه بالعقل وبالقدرة على التمييز والمعرفة ومن ثم فهو يستحق بأن يعيش حياته بحرية وكرامة وأمن وأمان هذا الإنسان الذي هو الموضوع الجوهري لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي ثقافة رسمية وشعبيه لا زال مفهوم العلم فيها يثير الالتباس وغير متفق عليه، بل لا زال الاعتقاد الراسخ، بأن العلماء هم "علماء الدين أو علما الشريعة ولا أحد سواهم)، وأن العلم هو العلم الشرعي النافع في الدار الآخرة لا في هذه الدنيا الفانية (وأن كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) هذا الحديث الشريف الذي يحذر من البدع والابتداع في العقيدة الدينية الإسلامية الحنيفة السمحاء والذي جرى تأويله وتعميمه للآسف الشديد على كل مناحي حياة المسلمين بسبب الغلو والتطرف في التأويل والتفسير، وفي مجتمع لا زالت فيه الثقافة السحرية والأسطورة والخرافية واللاهوتية تهيمن على كل الأفق الثقافي والفكري عند الخاصة والعامة في مجتمع ليس من بين مثلة العليا للنجاح العلم والتعليم والتفوق العلمي والكفاءة الشخصية والأداء المتميز والمواهب الفردية بل القرابة، العشائرية القبلية والعصبية والنفوذ والمحسوبية والرشوة والوساطة والانتهازية، والابتذال والنفاق والمزايدات السياسية الأيديولوجية... يقول (جون وجاردنر) في كتابة (التميزة الموهبة والقيادة) " "إذا أعدت الرثاثة والهرجلة مجتمعاً ما فليس من السهل على أي عضو في ذلك المجتمع أن يبقى بمعزل عن التأثر بها في سلوكه الخاص والعام"

لقد أدركت الدول المحترمة أن العلم لا يزدهر إلا عندما يصبح جزءاً من النسيج الثقافي للمجتمع. فالعلم ليس مجموعة من الحقائق الجامدة، بل نمط في التفكير ورؤية للعالم وأسلوب في التعامل مع الواقع. إنه القدرة على التساؤل والشك والنقد والتجريب وإعادة النظر في المسلمات. ولهذا السبب لا يكفي أن توجد الجامعات حتى يوجد العلم، ولا يكفي أن نُخرِّج العلماء حتى نصبح مجتمعاً علمياً فالعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل هو منظومة من الممارسات المنهجية التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية وتفسيرها واختبار الفروض المتعلقة بها. وهو يقوم على الشك المنهجي، والنقد المستمر، وقابلية النتائج للمراجعة والتصحيح. لذلك فإن جوهر العلم لا يتمثل في امتلاك الأجوبة، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة.

شبّه الفيلسوف جوليان هكسلي منظومات الأفكار السائدة في أي مجتمع – معتقداته وقيمه وأعرافه ومواقفه – بالهيكل العظمي في الكائن الحي: فهي التي تمنح الحياة شكلها، وتحدد طريقة العيش والحركة. فالمجتمعات التي تقدّس التغيير والتحول تستثمر العلم وتحوّله إلى طاقة للنهضة، بينما المجتمعات التي تفضل النظام القائم وتخشى الجديد تحوّل العلم إلى زخرف شكلي، يُستهلك في الشهادات والطقوس لا في الإبداع والابتكار.والسؤال هنا: لماذا نهضت اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية منذ بدايات القرن العشرين، بعد أن كانت مستعمرات مسحوقة، في ظروف مشابهة للمنطقة العربية، بينما ظل “الشرق الأوسط” أسير التبعية والتخلف؟ بل إن بعض الدول العربية كانت، قبل عقود، أغنى موارد وأفضل بنية تحتية من تلك الدول الناهضة، لكنها لم تُحوِّل إمكاناتها إلى نهضة علمية وثقافية مستدامة فكيف نفسّر أنّ أقدم جامعتين في العالم نشأتا في أرض الإسلام – جامعة القرويين (859م) والأزهر الشريف (972م) – في حين لم تعرف الولايات المتحدة جامعاتها إلا منذ نحو ثلاثمائة عام، لكنها سرعان ما غدت، في غضون عقود، أكبر قوة علمية وتكنولوجية في العالم؟

الجواب لا يكمن في “كمية التعليم” أو “عدد الجامعات”، بل في النظام الثقافي الشامل الذي يحدد موقع العلم داخل المجتمع. فالعلم يصبح ثقافة حين يتجذر في القيم العليا، في طريقة التربية والتنشئة، في أنماط التفكير والسلوك اليومي. أما حين يبقى معزولًا عن الثقافة السائدة، فإنه يتحول إلى مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران، أو إلى أداة في يد السلطة لتعزيز شرعيتها، أو إلى سوق مفتوحة للوظائف دون روح نقدية خلاقة. إن المعضلة الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا العربية الإسلامية هي أنّ الثقافة السائدة لم تتصالح مع العلم بعد: فهي تحتفي بالماضي أكثر مما تنفتح على المستقبل، وتُقدّس الثبات أكثر مما تؤمن بالتحول، وتبحث عن اليقين أكثر مما تحتمل الشكّ والتجريب. وفي غياب هذه الروح، يبقى العلم جسدًا بلا روح، مؤسسة بلا ثقافة، معرفة بلا فعل.

إن تحويل العلم إلى ثقافة هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية. وما لم تتغير البنية الثقافية العميقة – من التعليم إلى الإعلام، من الدين إلى القيم الاجتماعية – سيظل العلم عابرًا وهشًا، ولن يصبح كما كان في تاريخ الإنسانية: الحليف الأول للإنسان في معركته الأبدية مع الفناء والجهل والخوف.

إن الطفل يولد مزوداً بطاقة هائلة من الفضول والدهشة وحب الاستطلاع. إنه يريد أن يعرف كل شيء: من أين جاء؟ وكيف يعمل العالم؟ ولماذا تحدث الأشياء كما تحدث؟ يقول عالم النفس كارل ساغان" أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه، فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة: لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ وهل توجد كرة قدم في الجنة؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كأن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه .. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. غير أن التربية التقليدية كثيراً ما تتعامل مع هذا الفضول بوصفه مشكلة ينبغي كبحها لا طاقة ينبغي تنميتها. فيتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الصمت فضيلة، وأن الطاعة أهم من الفهم، وأن الإجابة الجاهزة أكثر أماناً من السؤال الحر إذ يحل الخوف محل المبادرة، ويصبح التلميذ أكثر اهتماماً بإرضاء السلطة التعليمية من اهتمامه باكتشاف الحقيقة. وما إن يصل إلى الجامعة حتى يكون قد فقد في كثير من الأحيان أهم ما يحتاجه الباحث الحقيقي: الرغبة في التساؤل. إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه لا يقتل المعرفة، بل يقتل الرغبة في المعرفة. فهو لا يمنع الإنسان من التعلم فقط، بل يجعله يعتقد أنه تعلم بينما هو لم يفعل سوى حفظ ما قيل له. ولذلك نجد آلاف الخريجين الذين يحملون الشهادات ولكنهم عاجزون عن التفكير النقدي أو مواجهة المشكلات الجديدة أو الإبداع خارج الحدود المرسومة لهم.

يقول جون هوليت:"ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله"

بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية فإذا كانت الثقافة تشجع السؤال والاختلاف والحوار، فإن العلم يزدهر. أما إذا كانت تمجد الامتثال والخضوع واليقين المطلق، فإن العلم يتحول إلى مجرد زخرفة شكلية.

ومن هنا نفهم لماذا استطاعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند أن تحقق نهضتها العلمية خلال عقود قليلة، بينما ما زالت المجتمعات العربية تراوح مكانها رغم ما تملكه من موارد بشرية ومادية كبيرة. فالمسألة لا تتعلق بعدد الجامعات ولا بحجم الإنفاق فقط، بل بالمكانة التي يحتلها العلم داخل البناء الثقافي للمجتمع.

إن التربية التي يحتاجها عصرنا ليست تربية الامتثال والطاعة بل تربية السؤال والاستنارة. وهي لا تعني رفض التراث، بل إعادة قراءته قراءة نقدية تجعل منه مصدر إلهام لا قيداً على المستقبل. كما أنها لا تعني الانبهار بالحداثة، بل القدرة على استيعاب منجزاتها وتحويلها إلى جزء من مشروع ثقافي أصيل.

إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياتنا اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل من آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وإنكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون الإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

إن النهضة تبدأ عندما يتحول العلم من مادة تُدرَّس إلى ثقافة تُعاش، ومن شهادة تُمنح إلى عقلية تُمارس، ومن معرفة تُستهلك إلى قدرة على الخلق والإبداع. وعندئذ فقط يصبح التعليم مشروعاً لتحرير الإنسان لا لترويضه، وتصبح الثقافة قوة للتغيير لا مجرد ذاكرة للماضي، ويولد الإنسان المستنير القادر على بناء عالم أكثر عدلاً وحرية وعقلانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم