قضايا
حاتم حميد محسن: لماذا أطاح الفرنسيون بنابليون بونابرت عام 1814؟
شهد عام 1815 نهاية علاقة الفرنسيين الرسمية بنابليون بونابرت كقائد لهم. قبل ذلك، ولأكثر من عقد كان نابليون في أذهان الفرنسيين قائدا لا يُقهر، مجسّدا كل ما فشلت فيه الثورة في منحه للشعب الفرنسي، من مجد عسكري، استقرار سياسي وتوسع إقليمي. وفي الوقت الذي دخلت فيه قوات الحلفاء باريس في مارس 1814، لم يعد بإمكان الجيش الضخم الإستمرار في الحملات العسكرية. وبعد سنة، عزل الفرنسيون امبراطورهم. ليس بسبب الهزيمة العسكرية وانما لأنه حطم الاقتصاد وأفرغ فرنسا من رجالها العسكريين، الذين مات العديد منهم في المعارك.
تضخم عدد المجندين الإلزاميين
منذ سنوات الثورة ، كان نابليون غير قادر على خوض حروبه بدون تدفق مستمر من الجنود. وبعد الحملات العسكرية لنابليون في روسيا وألمانيا عام 1813 و1814، وصلت الإمبراطورية الفرنسية الى نقطة الانهيار. في عام 1812 وحده، فقد نابليون في حملته على روسيا حوالي نصف مليون رجل. وللدفاع عن الإمبراطورية، استدعى نابليون عام 1813 حوالي مليون جندي في عموم فرنسا. العديد من حالات استبدال الجنود القتلى جاءت من مقاتلين فرنسيين شباب لم يحصلوا على أي تدريب مسبق على الحرب. في ذلك الوقت، أصبحت فرنسا ساحة معركة في حملتها العسكرية عام 1814، حتى الفلاحين لم تعد لديهم الرغبة لإرسال أبنائهم للجيش الفرنسي. الرجال تخلّوا عن الخدمة العسكرية بشكل مذهل فقط في الأشهر الثلاثة الأولى للحملة. الرجال خائفون جدا من الالتحاق بواجباتهم العسكرية، اختبئوا في الغابات في مختلف انحاء فرنسا ونالوا الحماية من سكان القرى المتعاطفين معهم. بعض الفرنسيين المدنيين أدركوا انه اذا استمر القتال، فان نابليون سوف لن يسمح لفرنسا بأي فرصة للسلام.
التدهور الاقتصادي السريع وفشل النظام القاري
فرنسا، التي كانت سلفا تعاني لسنوات من صعوبات مالية في تمويل الجيوش والاساطيل البحرية، عانت من مشاكل اقتصادية خطيرة. النظام القاري، الذي كان جزءا من سياسة نابليون الاقتصادية الخارجية، منع كل اشكال التجارة بين المملكة المتحدة وأي دولة أخرى موالية لنابليون. وبينما كان يُفترض دعم الصناعات الفرنسية عن طريق حرمان بريطانيا من التجارة، أدى حصار بريطانيا للموانئ الفرنسية الى استحالة التجارة مع فرنسا. حالا، شهدت موانيء بوردو ونانت ومرسيليا انخفاضا في النشاط التجاري. خسارة التجارة كانت لها نتائج بعيدة المدى وأدت الى خسارة الطبقة الوسطى الفرنسية لمزيد من النقود. قيمة الفرنك الفرنسي انخفضت بشكل حاد والتضخم ارتفع بشكل جنوني. في تلك الاثناء، رفع نابليون من قيمة الضرائب على الاستهلاك غير المباشر لكي يدفع تكاليف الحرب المتصاعدة. ونظرا لإبتلاعه جميع النقود والموارد، نجح نابليون في جعل فرنسا صعبة الحكم. وعندما وصلت قوات التحالف الى الأراضي الفرنسية، وجدت مزيدا من الغضب ضد المسؤولين الباريسيين الذي اتُهموا بالسرقة والفساد. في بعض مناطق فرنسا، جرى الترحيب بقوات التحالف كمحررين، وجرى تأييد عودة عائلة البوربون لسبب بسيط هو ان عودة عائلة البوربون الملكية سيعني مواصلة التجارة مع بريطانيا. انه يعني أيضا ان المدنيين يمكنهم العمل في الصناعة مرة أخرى نظرا لوجود أسواق كبيرة لمنتجاتهم.
ادراك ان نابليون سيقود فرنسا نحو الدمار
في مارس 1814، عندما سحق جنود التحالف ضباط نابليون وشقوا طريقهم الى باريس، أدرك مجلس الشيوخ - الهيئة الحاكمة للمدينة - انه لو استمر في العمل وراء قيادة نابليون، فان العاصمة ستحترق كليا. ولهذا، ونظراً لعدم وجود خيارات أخرى، صوّت مجلس الشيوخ الفرنسي في 2 ابريل عام 1814 على عزل نابليون بسبب انتهاكه للدستور ورفضه التوقيع على معاهدة سلام.
لكن حتى بعد خيانة باريس له، لازال نابليون يعتقد بامكانه الزحف على المدينة منتصرا واستعادة العرش بالقوة مرة أخرى، وحتى بعد نفيه الى جزيرة اليا. انه بالتأكيد كان مخطئا.
الهروب من الجزيرة
في شهر فبروري عام 1815، هرب نابليون من الجزيرة واتجه الى فرنسا في محاولة للعودة الى امبراطوريته. سارعت الدول الاوربية الأخرى الى حشد قواتها بسرعة لوقفه. محاولته الأخيرة للبقاء في السلطة انتهت في 18 حزيران عام 1815 في معركة واترلو. نابليون هُزم امام القوات البريطانية والبروسية واُجبر على التخلي عن العرش للمرة الثانية. ولكي يتأكد البريطانيون من استحالة عودته للحكم، قاموا بنفيه الى جزيرة سانت هيلانه، أبعد نقطة في المحيط الأطلسي. هو أمضى حياته هناك تحت الحراسة المشددة حتى وفاته عام 1821.
***
حاتم حميد محسن







