قضايا
عماد خالد رحمة: اللغة والأدب والهوية
حين تصبح الكلمة مرآةً للذات وذاكرةً للوجود
ليست اللغة مجرّد وسيلةٍ للتواصل بين البشر، ولا أداةً حياديّةً لنقل المعاني والأفكار، بل هي الكيان الرمزي الذي يتشكّل فيه الوعي، وتنبني عبره صورة الإنسان عن نفسه والعالم. إنّ اللغة ليست أصواتاً تُنطَق فحسب، بل هي «بيت الوجود» كما قال الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، وهي الفضاء الذي تسكنه الروح البشرية، وتتموضع داخله الهوية الفردية والجماعية. فحين يفقد الإنسان لغته، لا يفقد مفرداتٍ وألفاظاً فقط، بل يفقد جزءاً من ذاكرته الوجودية، ومن طريقته في الإحساس بالعالم وتأويله.
لقد أدرك الفلاسفة والمفكرون منذ زمنٍ بعيد أنّ العلاقة بين اللغة والفكر علاقة عضوية لا انفصام فيها. فاللغة ليست وعاءً للفكر، بل هي التي تمنحه صورته وحدوده وإمكاناته. ولهذا رأى الفيلسوف واللغوي الألماني فيلهلم فون هومبولت أنّ اختلاف اللغات ليس اختلافاً في الأصوات والتراكيب فحسب، بل اختلافٌ في الرؤى الكونية ذاتها، لأنّ كلّ لغة تحمل داخلها تصوّراً خاصّاً للعالم. فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تسمح له لغته أن يراها ويعبّر عنها.
ومن هنا تتجلّى العلاقة العميقة بين اللغة والأدب؛ فالأدب ليس استعمالاً عادياً للغة، بل هو لحظةُ تجاوزٍ للغة نحو أفقها الجمالي والرمزي والإنساني. إنّ اللغة في الخطاب اليومي تؤدّي وظيفة الإخبار والتواصل، أمّا في الأدب فإنّها تتحوّل إلى كائنٍ حيّ ينبض بالإيحاء والدهشة والتأويل. ولهذا قال الناقد الفرنسي رولان بارت إنّ الأدب هو «اللغة وهي تحتفل بنفسها»، لأنّ النصّ الأدبي لا يكتفي بنقل المعنى، بل يعيد خلق العالم بالكلمات.
الأدب الحقيقي لا يكتب الواقع كما هو، بل يكشف طبقاته الخفيّة ويمنح الأشياء أسماءً جديدة. فالشاعر لا يصف الألم، بل يصنع له لغةً، والروائي لا يسرد الأحداث، بل يعيد بناء الإنسان من خلال السرد. ولذلك كان الأدب أعمق من مجرّد زخرفةٍ لغوية؛ إنّه فعلُ مقاومةٍ ضدّ الصمت، وضدّ التشيّؤ، وضدّ اختزال الإنسان إلى رقمٍ أو وظيفةٍ أو هويةٍ جامدة.
لقد فهم نجيب محفوظ أنّ اللغة ليست حيادية، بل هي حاملةٌ للروح الحضارية للأمم، لذلك استطاع أن يحوّل اللغة العربية في رواياته إلى مدينةٍ نابضةٍ بالحياة، تتكلّم فيها الأزقّة والحارات كما يتكلّم البشر. كما أدرك محمود درويش أنّ اللغة قد تصبح وطناً حين يُسلب الوطن، فقال: «نحن نحبّ الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا»، ليحوّل القصيدة إلى ذاكرةٍ جماعية تحفظ هوية شعبٍ مهدَّد بالاقتلاع.
إنّ الهوية ليست بطاقةً شخصية أو انتماءً بيولوجياً، بل هي وعيٌ ثقافيٌّ وتاريخيٌّ يتشكّل باللغة. فاللغة هي الوعاء الذي تحفظ فيه الشعوب أساطيرها، وأحلامها، وأمثالها، وحكمتها الشعبية، وذاكرتها الجمعية. ولذلك لم تكن الحروب الاستعمارية تستهدف الأرض فقط، بل اللغة أيضاً، لأنّ السيطرة على اللغة تعني السيطرة على الوعي. وقد تنبّه المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد إلى هذه الحقيقة حين كشف كيف استعمل الاستعمار اللغة لإنتاج صورةٍ مشوّهة عن الشرق، وتحويل الشعوب المستعمَرة إلى موضوعٍ للهيمنة الرمزية والمعرفية.
إنّ العلاقة بين اللغة والهوية ليست علاقةً ميكانيكية، بل علاقة تكوينٍ وجودي. فالإنسان يعبّر عن ذاته باللغة، لكنّه في الوقت نفسه يُعاد تشكيله من خلالها. نحن لا نتكلّم اللغة فقط، بل اللغة تتكلّمنا أيضاً؛ فهي التي تمنح مشاعرنا أسماءها، وتصوغ وعينا بالحبّ والخوف والحنين والحرية. ولذلك فإنّ تدهور اللغة ليس أزمةً لغوية فحسب، بل أزمةُ وعيٍ وثقافةٍ وهوية.
وحين تنحطّ اللغة ينحطّ معها الذوق والفكر والخيال. ولهذا كان طه حسين يرى أنّ نهضة الأمم تبدأ من نهضة لغتها، لأنّ اللغة ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط الوجود الحضاري. فاللغة الضعيفة تنتج فكراً هشّاً، أمّا اللغة الحيّة فتنتج إنساناً قادراً على النقد والإبداع وإعادة اكتشاف ذاته.
إنّ الأدب العظيم هو الذي يحوّل اللغة من أداة استعمال إلى أفق كشفٍ وجودي. ففي روايات فيودور دوستويفسكي تتحوّل اللغة إلى مختبرٍ نفسي يكشف أعماق الإنسان، وفي شعر أدونيس تصبح اللغة تمرّداً على القوالب الجاهزة، وبحثاً عن إنسانٍ جديد لا تسجنه الهويات المغلقة.
لقد أصبحت اللغة اليوم مهدّدةً بالاستهلاك السريع والاختزال الرقمي، حيث تُختزل الأفكار العميقة إلى شعاراتٍ عابرة، ويتحوّل التعبير إلى ردود فعلٍ آنية. وفي هذا السياق يفقد الإنسان قدرته على التأمّل، لأنّ اللغة الفقيرة تنتج وعياً فقيراً. إنّ اختزال اللغة هو اختزالٌ للإنسان نفسه، لأنّ الإنسان لا يرتقي إلا بقدر ما ترتقي لغته.
ومن هنا فإنّ الدفاع عن اللغة ليس تعصّباً للماضي، بل دفاعٌ عن الحقّ في التفكير الحرّ والتعبير العميق. فالأمم التي تفقد لغتها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج رؤيتها الخاصة للعالم، وتتحوّل إلى مستهلكةٍ لخطابات الآخرين ومفاهيمهم.
إنّ الأدب، في جوهره، هو أعلى أشكال التعبير عن الذات الإنسانية، لأنّه يحوّل التجربة الفردية إلى معنى كونيّ. فحين يكتب الشاعر حزنه بلغةٍ صادقة، يصبح حزنه جزءاً من التجربة البشرية العامة. وهنا تكمن عظمة الأدب: إنّه يجعل الإنسان يرى نفسه في الآخر، ويرى الآخر في نفسه.
وهكذا تبقى اللغة أكثر من مجرّد كلمات، ويبقى الأدب أكثر من مجرّد كتابة؛ إنّهما معاً فعلُ وجودٍ ومقاومةٍ ووعي. فاللغة هي الذاكرة التي تحفظ الإنسان من التلاشي، والأدب هو الروح التي تمنح تلك الذاكرة معناها الإنساني العميق.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين






