قضايا
مصطفى دحماني: التطرف.. والإيديولوجيا المتطرفة
ما يلاحظ على الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أن منحنى التطرف والانغلاق والتشدد كان يزداد مع مرور الزمن وتعاقب الحقب، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها الوطن العربي، وبخاصة تحولات عن طريق الحروب، ونخص بالذكر حقبة ما بين الحربين وبالضبط بين سنتي (1918- 1939) وحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945- 1965) وبالأخص قيام دولة إسرائيل ذات الطابع الديني والمرجعية اليهودي- التلمودية عام 1948، بالإضافة إلى تحولات ما بعد هزيمة حزيران1967 عام وحرب تشرين الأول /أكتوبر عام 1973.
و ما يلاحظ أن الخطاب الديني المتطرف ومن خلال مقولات التكفير والتجهيل والحاكمية وحتمية الحل الإسلامي، سوف يدخل في أزمة خانقة مع الذات وفي صدام مع المجتمع ومع العصر ومع العالم.
معالم خطاب التطرف
و الحقيقة أن كل ما فعله الخطاب الديني المتطرف ممثلا في خطاب سيد قطب في الكتاب/البيان "معالم في الطريق" هو شرعنّة العنف من أجل الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينية/ ثيوقراطية، السلطة تكون في يد رجال الدين. ولهذا لا بد من التوقف طويلا عند الخطاب القطبي، بالتحليل وبالدرس والفحص.
مما لا شك فيه أن خطاب سيد قطب المتطرف قطع خط الرجعة تماما ونهائيا مع الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب محمد عبده الإصلاحي وعبد الرحمن الكواكبي الذي بذر بذور الفكر الديمقراطي وقاسم أمين الذي نبه إلى ضرورة التحرر الاجتماعي. والغريب في الأمر أن، خطاب سيد قطب المتطرف قد قطع حتى مع خطاب الأب المؤسس والمرشد الاول للجماعة حسن البنا نفسه.
و نحن نعلم أن خطاب وخطب ورسائل مؤسس جماعة الإخوان إتسمت في الثلاثينيات من القرن الماضي إلى حد ما بالواقعية والبراغماتية والإعتدال وانتهجت سياسة التعبئة والحشد وكسب الأنصار وعدم الصدام مع الدولة ونظام الحكم.
و لهذا، لا أحد يجادل في إعتدال مؤسس الجماعة السياسي وفي واقعيته وفي سلوكه البراغماتي، وفي قبوله بالنظام الدستوري وبترحيبه بالعمل السياسي العلني، وإن كان يتحفظ على الحياة السياسية الحزبية.
و الأغرب من كل ذلك أن أفكار وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشيخ " هي غير أفكر وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشاب "، كما أن ما كتبه في السجن غير كتبه وهو حر طليق. ومن المعلوم، أن سيد قطب، وتحت تأثير قراءاته في نهاية الأربعينيات في الفكر الإسلامي الباكستاني، ممثلا في أبي الأعلى المودودي الذي أخذ منه مفهوم الحاكمية وفي أبي الحسن الندوي الذي أمده بمقولة الجاهلية.
والجدير بالذكر كذلك أن صاحب مقولات الحاكمية والجاهلية دخل السجن عام 954 مع المئات من أعضاء جماعة " الإخوان المسلمين " عَقب محاولة إغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادث المنشية بالإسكندرية في مارس 1954محكومًا عليه بخمسة عشرة سنة قضى معظمها في المستشفى الملحق بالسجن، وفي السجن كتب ونشر أهم مؤلفاته " في ظلال القرآن " و"معالم في الطريق " وكتابات السجين هي غير كتابات الحر الطليق، وإن كنا نعتقد أن أهم أفكار وتصوراته، وبعبارة أصح إيديولوجيته قد تشكلت قبل عام 1952، وظهر ذلك جليا في كتاب " العدالة الاجتماعية في الإسلام" الصدر عام 1949 وكتاب "معركة الإسلام والرأسمالية " وكتاب "السلام العالمي والإسلام " وكتاب "هذا الدين " و" المستقبل لهذا الدين". وكل ما في الأمر أن خطاب سيد قطب المتطرف إزدادت تطرفا وإرتفع منسوب التشّدد والتكفير لديه وهو في السجن.و الكتابة في السجن هي غير الكتابة خارج السجن.
و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن كتاب/مانفيستو " معالم في الطريق " ليس مجرد نص سياسي /إيديولوجي بل هو بمثابة شهادة ميلاد الجماعات التكفيرية والتنظيمات الجهادية..
و من خلال قراءة نص "معالم في الطريق" نجده يتضمن مفهومين رئيسيين، تنطلق منهما وتستند عليهما الحركات الإحيائية وجماعات التطرف الديني، هما مفهوم الجاهلية الذي أخذه من المفكر الهندي أبي الحسن الندوي ومفهوم الحاكمية الذي إستقاه من الباكستاني الأخر أبي الأعلى المودودي.
و الحقيقة أن القول بالجاهلية. وضع الفكر السياسي الإسلامي المعاصر في مأزق وأدى إلى العراك مع القوى الاجتماعية / المدنية (المجتمع المدني) ومفهوم الحاكمية إنتهى عند محطة صدام جماعات الإسلام الحزبي الراديكالي مع الأنظمة السياسية الحاكمة (الملكية والجمهورية).
الجاهلية.. والحاكمية
يعتبر سيد قطب أول مفكر إخواني يصرح بأن العالم يعيش اليوم في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها.
و معنى هذه العبارة أن الجاهلية التي يعيشها العالم اليوم، أي جاهلية القرن العشرين تشبه الجاهلية التي كانت موجودة قبل ظهور الإسلام، وهي سائدة ليس فقط في العالم الغربي الرأسمالي، بل وفي العالم الشرقي/ الاشتراكي، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبعبارة أخرى كل المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات جاهلية، بما في ذلك المجتمعات التي توصف أو تزعم لنفسها أنها إسلامية، والسبب أن هذه المجتمعات نسيت أو تناست في الماضي أو تتناسى اليوم عبارة التوحيد " لا اله إلا الله " التي فصلت بين الشرك والإيمان، بين الحق والباطل.
و زيادة في توضيح فكرته يقول سيد قطب في ما معناه بأننا اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام بل وأكثر جاهلية، لأن كل ما يحيط بنا فهو جاهلية، وبالتالي فكل هذه المجتمعات القائمة اليوم قد إبتعدت تمامًا عن المنهج الإسلامي الصحيح، منهج الرسول والصحابة، وقع هذا التباعد في الماضي مباشرة بعد النهاية الدامية للخلافة الراشدة، كما هو واقع اليوم في القرن العشرين، وبالتالي حق أن يقال عنه "جاهلية القرن العشرين".
و المفارقة العجيبة أن سيد قطب قد تعرض لصدمة عنيفة عندما اكتشف أن الحاضر ليس وحده الذي انحرفت فيه الدولة عن الإسلام وافترقت فيه ا أمة عن الشريعة، بل أنها انحرفت كذلك في الماضي، في العصر الأموي والعباسي والعثماني انحرافا شديدا.
و اللافت للإنتباه أن فكرة الإنحراف التاريخي هي التي دفعت سيد قطب إلى تصور نظام سياسي هو غير الخلافة كما كانت في الماضي، فالتاريخ الإسلامي لم يعد صالحا للقياس عليه ولا للبناء عليه، وبعبارة أدق لم يعد معيارا من كثرة الانحرافات التي وقعت فيه.
و لهذا كان لا بد لسيّد قطب من أن يَسرح في الخيال ويتصور نظام سياسي مثالي ويحلم بجمهورية طوباوية وبدولة دينية ونظام حكم ديني/ثيوقراطي (الحاكمية). ولكن هذا النظام الديني المثالي الذي تصوره سيّد قطب في كتاب " معالم في الطريق " لم يتحقق في الواقع ولا حدث في التاريخ الحقيقي للإسلام وللمسلمين، ويمكننا أن نضيف أن هذه الدولة الإسلامية التي حلم بها سيد قطب وتلامذته ونظر لها الشيخ يوسف القرضاوي وتكلم عنها كثيراً الشيخ محمد الغزالي، من المستحيل أن تتحقق في المستقبل ولم تتحقق في الحاضر ولا تحققت في الماضي، لأنها بكل بساطة.. الدولة المستحيلة.
و غني عن البيان القول أن هذه الدولة ومحتواها الإيديولوجي، التي يحلم بها الإسلاميون والتي لم تتحقق في الماضي في عز دولة الخلفاء الراشدين، لأنها كانت مجرد شعار هو " لا حكم إلا لله " رفعه الخوارج منذ واقعة التحكيم بين جش العراق بقيادة علي بن أبي طالب وجيش الشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان.
و من الواضح أن سيد قطب عاد إلى الوراء، عاد إلى التاريخ، عاد إلى شعار الخوارج" لا حكم إلا لله ". ومعنى هذا الشعار أن الحكم لله وليس للبشر ومن الضروري إقامة مملكة الله في الأرض على أنقاض مملكة البشر، ولا بد من إنتزاع السلطة السياسية من أيدي البشر ومن العباد الذين اغتصبوا الحكم، ولا بد من إرجاع الحق إلى صاحب الحق، وهو الله سبحانه وتعالى، ولابد من سيادة الإرادة الإلهية ولا مفر من تطبيق الشريعة الإلهية دون سواها من القوانين، وهذا يترتب عنه حتما إلغاء القوانين الوضعية التي سنّها البشر.
إنها الحاكمية التي هي من أهم خصائص الإلوهية، فالله هو الحاكم الوحيد الُمطلق وهو وحده لا شريك له، هو رب العباد الذي يُشرّع للعباد ويضع مناهج وطرق وقواعد حياة العباد، وهو كذلك من يحدد لهم المبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي يقوم عليها إجتماعهم. وبناءا عليه يمنع على البشر تحديد المبادئ ووضع مناهج الحياة، فلا يحق لأحد من البشر فعل ذلك، ومن فعل فقد تعدى على حدود الله وافترى على الله وزعم لنفسه مهام إلهية.
و لهذا كل من يرفض مبدأ الحاكمية ولا يلتزم بها ولا يخضع لأوامرها ونواهيها، فهو كافر ويوضع اسمه في قائمة " الروافض " ويحسب من المتمردين على أوامر ونواهي لله.
و لا نحتاج إلى شرح كبير للقول بأن سيد قطب من خلال مفهوم الحاكمية يُشرع للدولة الدينية، الدولة الثيوقراطية.دولة الحق الإلهي التي سادت في العصور الوسطى في أوروبا، والتي كانت فيها السيادة لله وليس للأمة.
و نحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن النظام السياسي الديني/الثيوقراطي الذي دعا إليه سيد قطب، لم يرد أصلاً في الفكر السياسي العربي/ الإسلامي الوسيط، وما قال به أحد لا في السياسة الشرعية ولا في الفقه السياسي ولا وَرَد حتى في الآداب السلطانية، وليس هذا فحسب بل ويتعارض تماما مع الدولة الوطنية الحديثة، دولة القانون والدستور وسيادة الشعب، الدولة المدنية التي تكون فيها السيادة العليا للشعب وتقوم على مبدأ التمثيل النيابي والفصل بين السلطات والأهم من ذلك تقوم على الفصل بين شؤون الدين وشؤون السماء..
و من المعلوم أن الدعوة إلى الحاكمية هي دعوة صريحة إلى الدولة الدينية، وهي تأكيد على أن السلطة السياسية تكون بيد رجال الدين، وبالتالي تنصيب سلطة الكهنوت، والقول بذلك يجر الدين الإسلامي إلى أتون الصراع السياسي، ويعمق أزمة الخطاب الديني المتطرف ويفتح عليه جبهات داخلية وخارجية، ويجعله يدخل في حرب أهلية مدمرة مع فكر الأزمنة الحديثة ومع تيارات سياسية مدنية عربية معاصرة، أقصد التيارات القومية واليسارية والليبرالية.
و من البداهة القول أن من مفاهيم الجاهلية والحاكمية التي تضمنها كتاب"معالم في الطريق" تناسلت الجماعات التكفيرية /الجهادية التي ذهبت بعيدا ليس فقط في رفض الدولة الوطنية الحديثة، بل ذهبت إلى حد تكفير المجتمعات وقتل أكبر عدد ممكن من الناس، وممارسة كافة أشكال الإرهاب على أساس أن هذه الجماعات تمتلك الحقيقة المطلقة وأن فهمها للدين هو الفهم الصحيح وبالتالي هذه الجماعات كانت ومازالت تتصرف بمبدأ الفرقة الناجية ومنطق من ليس معنا فهو ضدنا.
***
د. مصطفى دحماني
باحث في الفكر الإسلامي/الجزائر







