عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

جهاد المجدوب: الحاجة إلى التفسير في فهم القرآن الكريم

يُعدّ علم التفسير من فروض الكفايات، وأجلّ العلوم الشرعية الثلاثة: التفسير، والحديث، والفقه، لما له من دور في بيان معاني القرآن الكريم والكشف عن مراد الله تعالى من كلامه. فالتفسير يرفع ما قد يعتري الفهم من لبس، ويعين القارئ على إدراك دلالات الآيات في ضوء اللغة والسياق والبيان النبوي. وقد نقل الحافظ السيوطي عن الإمام الزركشي أنه «علم يُفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد ﷺ، وبيان معانيه، واستخراج حِكَمه وأحكامه»[1]. وقريب منه قول بعضهم: إنه علم يبحث فيه عن أقوال القرآن المجيد من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية، وهذا القيد يبرز أن فهم القرآن يحتاج إلى اجتهاد مبني على العلم والتواضع، مع إدراك حدود الفهم البشري.[2]

ومن هنا تتجلى أهمية الجمع بين التدبر الشخصي للقرآن والرجوع إلى علم التفسير وأقوال العلماء؛ إذ التدبر مطلوب شرعًا، غير أنه يظل في حاجة إلى ميزان العلم الذي يضبط الفهم ويهديه إلى المعنى الصحيح. وانطلاقًا من هذه الأهمية، يتناول هذا المقال أوجه التفسير التي أشار إليها ابن عباس رضي الله عنهما، والتي تكشف عن منهجية راسخة في التعامل مع كتاب الله تعالى، حتى يكون هذا التعامل قائمًا على البصيرة لا على الفهم السطحي أو الرأي المجرد من الدليل. فكيف نُميِّز بين من يُسخِّر القرآن لرأيه، وبين من يجعله مرجعه وحاكمه ؟

الحاجة إلى التفسير

تكمن الحاجة إلى التفسير في طبيعة القرآن الكريم ذاته؛ يقول الدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن: "إن القرآن قد نزل بلسان العرب، على ما فيه من تنوع الدلالات، من الصريح والكناية والحقيقة والمجاز، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناس يتفاوتون في الفهم والإدراك، فمنهم من لا يدرك إلا القريب، ومنهم من يغوص على المعنى البعيد."[3]

وإذا كان التفاوت في الفهم سنّةً بشرية لا مفرّ منها، فإن الخطأ في تأويل القرآن لم ينتظر مرور القرون، بل هو واقعة موثَّقة شهدها عصر النبوة في مهده.

. وقد أشار الدكتور يوسف القرضاوي إلى نماذج دالة على ذلك، منها: فهم عدي بن حاتم الطائي للخيط الأبيض والخيط الأسود في آية الصيام على ظاهرهما الحسّي، حتى بيّن له النبي ﷺ أن المراد بياض النهار وسواد الليل. ومنها توقف بعض الصحابة عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: 82]، حين ظنوا أن الظلم هنا يعني كل معصية، فأشفقوا من التبعة، إلى أن أرشدهم النبي ﷺ إلى أن المراد الشرك تحديداً، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.[لقمان : 13][4]

وتزداد الحاجة إلى التفسير وضوحاً حين يتأمل المرء في مقصود القرآن من التدبر؛ فالتدبر ليس مجرد القراءة، بل هو كما أوضح الدكتور القرضاوي عملٌ عقلي يترتب عليه أثرٌ قلبي، يتجلى في التأثر والتذكر والاعتبار، وهو ما أشارت إليه الآيات الكريمة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:29].[5] وهذا التدبر المأمور به لا يكتمل إلا بالفهم الصحيح الذي يوفره التفسير، وإلا صار تدبراً في معنى خاطئ، وهو ما نبّه إليه الطبري حين روى عن سعيد بن جبير قوله: "من قرأ القرآن ثم لم يفسّره، كان كالأعمى أو كالأعرابي."[6]

أوجه التفسير ومناهجه

وقد رسم العلماء لهذا العلم منهجاً دقيقاً يقوم على تحديد أوجه التفسير وأنواعه؛ إذ روى الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى."[7] وقد شرح الإمام الزركشي هذه الأوجه الأربعة في البرهان شرحاً وافياً، فبيّن أن الوجه الأول يعني أن القرآن نزل بلسان العرب على معهود كلامهم من الحقيقة والمجاز والصريح والكناية، فالعرب تعرف القرآن من خلال معرفتها بأسلوب كلامها وطرائقه. والوجه الثاني هو ما كان واضحاً بحيث يتبادر إلى الأذهان معرفته دون حاجة إلى كدّ الذهن وإجهاد العقل، وقد يكون المراد به ما كان من أساسيات الدين بحيث لا يُعذر أحد بالجهل به. والوجه الثالث هو ما لا يعرفه إلا أهل العلم مما يحتاج إلى استنباط وتدقيق ومعرفة بعلوم أخرى حتى يُحمل المطلق على المقيد والعام على الخاص. والوجه الرابع - وهو أعلاها وأدقها - ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، مثل شؤون الغيب كأحوال البرزخ وأمور الآخرة والعالم المستور عنا.[8]

وانطلاقاً من هذه الأوجه، انقسم التفسير عند العلماء إلى نوعين رئيسيين: التفسير بالمأثور أو بالرواية، والتفسير بالرأي أو بالدراية. فأما التفسير بالمأثور فهو - كما أوضحه الدكتور يوسف القرضاوي - التفسير المقتصر على النقل عن الرسول ﷺ، أو عن الصحابة رضي الله عنهم، أو عن تلامذتهم من التابعين، وربما عن الأتباع، أي تلاميذ التابعين. وقد صنّف العلماء المتقدمون في هذا النمط كتباً كثيرة، غير أن أجمعها وأشهرها كتاب الإمام الطبري جامع البيان في تأويل القرآن، الذي جمع التفسير رواية ودراية معاً. وتعتري هذا النوع آفات ينبغي التنبه لها، أبرزها: وجود الضعيف والمنكر والموضوع في المنقول عن الرسول ﷺ وصحابته وتابعيهم، وتضارب الروايات بعضها مع بعض في تفسير الآية الواحدة.

وأما التفسير بالرأي فيُراد به، كما نصّ الدكتور يوسف القرضاوي: الاجتهاد وإعمال العقل والنظر في فهم القرآن الكريم في ضوء المعرفة بلسان العرب، وفي إطار ما ينبغي أن يتوافر للمفسر من أدوات وشروط معرفية وأخلاقية. وقد روى البيهقي في الشعب عن الإمام مالك قوله: "لا أُوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالاً." واشترط بعضهم للمفسر جملة من العلوم، منها علوم اللغة العربية من النحو والصرف والاشتقاق واللغة وعلوم البلاغة، والقراءات، وأصول الدين، وأصول الفقه، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبيّنة للقرآن، والفقه، وأخيراً، علم الموهبة. وبعض هذه الشروط قد ينازع فيه. كما اشترطوا سلامة القلب من الكبر والهوى والبدعة وحب الدنيا والإصرار على الذنوب، "فهذه كلها حُجب تحول بين القلب ومعرفة الحق الذي أنزله الله."[9] كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]

غير أن الرأي في التفسير لا يُقبل على إطلاقه، بل قيّده العلماء بقيود جوهرية؛ إذ إن بعض من تورعوا عن التفسير بالرأي كانوا يخشون أن يكون المراد بالرأي هو الهوى، أي أن يجرّ المفسر القرآن تأييداً لما يهواه ويميل إليه من فكر أو معتقد، فيصبح القرآن تابعاً لا متبوعاً، ومحكوماً لا حاكماً، وفرعاً لا أصلاً. وكذلك يُذمّ من يهجم على تفسير القرآن دون أن يتأهل بما يلزم من أدوات التفسير وشروط المفسّر. وهكذا يتضح أن المنهج الصحيح في التفسير إنما يجمع بين الرواية والدراية، ويوازن بين النقل والعقل، مؤسَّساً على العلم والأمانة والتواضع أمام كلام الله تعالى.

خاتمة

إن علم التفسير ليس ترفاً فكرياً أو إضافةً خارجية على القرآن الكريم، بل هو ضرورة علمية تمليها طبيعة الكتاب العزيز وتنوع أساليبه، وتقتضيها سنّة التفاوت في الأفهام البشرية. وقد جلّى الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه كيف نتعامل مع القرآن العظيم هذه الحقيقة بصورة جامعة، مؤكداً أن التعامل الصحيح مع كتاب الله يستلزم الجمع بين التدبر والتفسير، وبين الوجدان والعلم، وبين الإخلاص في القصد والتثبت في الفهم.

وقد كشفت أوجه التفسير التي رواها الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما — وشرحها الزركشي في البرهان — أن هذا العلم الشريف يتدرج من المعلوم المشترك إلى الغيب المحجوب، مروراً بميدان الاجتهاد الذي يسع العلماء ويُغلق على غيرهم. وبين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي طريقٌ جامعة سلكها الأئمة الكبار كالطبري والزركشي وغيرهم، وهي طريق العلم المؤصَّل المقرون بالتواضع أمام مراد الله تعالى.

ومن ثَمّ فإن على كل من يتصدى لتفسير القرآن أو يعمل بأحكامه أن يُعنى بهذه الأوجه عناية تامة، وأن يُميّز بين ما يقطع به وما يظنه وما يجهله، وأن لا يُجري القرآن وفق هواه بل يُجري هواه وفق القرآن. وتلك هي البصيرة التي يغرسها علم التفسير في قلوب العارفين، والله أعلم بمراده من كلامه، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

 ***

بقلم: جهاد المجدوب

.....................

[1] بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، البرهان في علوم القرآن، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، ج2، ص148. .

[2] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، دار الشروق ،  ط3، 2000، ص 197

[3] المرجع السابق، ص 199

[4] المرجع السابق، ص 200

[5] المرجع السابق، ص 199

[6] ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج1، ص74.

[7] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج1، ص74-75.

[8] الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ص155–157.

[9] يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، ص 208.