قضايا
قاسم المحبشي: ما الذي يدفع الإنسان للبحث عن وطن بديل؟!
فيما يشبه التهنئة بالجنسية الهولندية للعائلة الدهشلية
بعد خمس سنوات من التعايش والتعلم والاندماج الحضاري والتفاعل الثقافي. حصلت عائلة الصديق العزيز الناشط المدني عمر علي الدهشلي على الجنسية الهولندية. فألف مبارك هذا الاستحقاق السياسي، للعائلة الكريمة في الدولة الهولندية العدالة والمستقرة ونسأل الله أن يكتب لهم الخير والتوفيق في وطنهم الجديد هولندا، هذا البلد التي استطاعت عبر قرون من العمل والعقلانية أن تبني دولة حديثة تحترم الإنسان وتصون حقوقه وكرامته بوصفه كائنا يستحق الرعاية والعيش الكريم غير أن وراء هذه اللحظة الدهشلية السعيدة يختبئ سؤال عميق ومؤلم في آنٍ معًا هو: ما الذي يدفع الإنسان، وقد بلغ الثامنين من عمره، للبحث عن وطن بديل ؟ اقصد العم علي الدهشلي والد عمر واخوانه كما يبدون في الصورة مع اولادهم وأحفادهم مع رئيس البلدية الهولندي وهو يمنحهم وثيقة الجنسية الغالية القيمة والمعنى إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.
الوطن البديل؛ سؤال عميق من بين ثنايا الفرح، سؤال لا يفسد البهجة بقدر ما يكشف طبقاتها الخفية: ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يبحث عن وطن بديل، وهو الذي تشكّل وجدانه الأول في تربة أخرى، وارتبطت ذاكرته بلغة أخرى، وتشبعت روحه بروائح البيوت الأولى ودفء العلاقات القديمة؟ ليس الأمر بسيطًا كما قد يبدو في صوره السطحية؛ فالهجرة، خصوصًا حين تبلغ أعمار أصحابها عتبة الشيخوخة، ليست قرارًا إداريًا أو رغبة عابرة في تحسين مستوى المعيشة، بل هي اقتلاع بطيء للجذور من أرضها، ومحاولة شاقة لإعادة غرسها في تربة جديدة. الإنسان، بطبيعته، كائن ينتمي؛ والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.
هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.
في اليمن، كما في كثير من البلدان العربية التي عصفت بها الحروب والطوائف، لم يكن الانهيار فجائيًا تمامًا، بل كان تراكمًا بطيئًا للاختلالات، حتى جاءت اللحظة التي انكسر فيها التوازن بالكامل. ومع هذا الانكسار، لم تتفكك فقط البنية السياسية، بل تفكك معها الإحساس الجماعي بالأمان. صار الخوف جزءًا من الحياة اليومية، لا حدثًا طارئًا. لم يعد الإنسان قلقًا فقط على مستقبله، بل على يومه، على ساعته القادمة، على قدرته على البقاء وهنا يمكن البحث عن دوافع الهجرة التي تبداء في التشكل وفق منطق أعمق من مجرد الطموح؛ إنها ترتبط بالحاجات الأساسية للإنسان، تلك التي تحدث عنها علم النفس الإنساني إبراهام ماسلو ت 1970 فيما عرف بهرم الحاجات حين حاول فهم ما الذي يحرك البشر في جوهرهم فكل الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات والبشر والأنبياء وكل الكائنات الحية الأرضية تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية الفسيولوجية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين الاحياء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:
1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.
2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.
3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.
(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.
(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.
4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:
(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.
(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.
5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.
فالإنسان، قبل أن يبحث عن تحقيق ذاته أو التعبير عن إمكاناته، يحتاج إلى أن يضمن بقاءه أولًا: يحتاج إلى الطعام، إلى الماء، إلى المأوى، إلى حد أدنى من الصحة الجسدية. وحين تصبح هذه الحاجات مهددة، أو غير مستقرة، فإن التفكير في أي شيء آخر يصبح ترفًا فحتى إذا تمكن الإنسان من تأمين بعض ضرورياته، فإنه يظل محتاجًا إلى الأمان، إلى الشعور بأن حياته ليست مهددة بالعنف، وأنه ليس عرضة للاعتقال التعسفي أو القصف أو الفوضى المسلحة. الأمان ليس رفاهية نفسية، بل شرط أساسي لاستمرار الحياة الإنسانية بشكل طبيعي. وعندما يغيب هذا الأمان، يتحول الإنسان إلى كائن في حالة تأهب دائم، يعيش على حافة القلق، غير قادر على التخطيط أو الاستقرار.
ثم تأتي الحاجة إلى الانتماء، إلى أن يكون للإنسان مكان يشعر فيه بأنه جزء من جماعة، أن يكون معترفًا به، أن يكون له دور وعلاقات مستقرة. في المجتمعات التي مزقتها الصراعات، تتآكل هذه الروابط تدريجيًا؛ تتفكك العائلات، تتباعد المجتمعات، وتصبح الهوية نفسها موضع نزاع. وعند هذه النقطة، لا يعود الوطن قادرًا على احتضان أبنائه، بل يتحول إلى فضاء يطردهم نفسيًا قبل أن يطردهم ماديًا.
أما الحاجة إلى التقدير، فهي الأخرى تتعرض للتشويه؛ فالإنسان الذي يعيش في بيئة فوضوية، حيث لا يُكافأ العمل ولا تُحترم الكفاءة، يفقد تدريجيًا شعوره بقيمته. يصبح النجاح مسألة حظ أو انتماء، لا نتيجة جهد. وهذا الإحباط العميق يدفع كثيرين، خصوصًا الشباب، إلى البحث عن بيئة تعترف بقدراتهم وتمنحهم فرصة عادلة.
وفي قمة هذا الهرم، تأتي الحاجة إلى تحقيق الذات، إلى أن يعيش الإنسان حياته بما يتوافق مع إمكاناته وأحلامه. لكن هذه المرحلة تبدو بعيدة المنال في سياق يغرق في الفوضى؛ إذ كيف يمكن لإنسان أن يفكر في تحقيق ذاته، بينما هو منشغل بتأمين بقائه أو حماية أسرته؟
هكذا، تتراكم الضغوط من الأسفل إلى الأعلى، حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها الرحيل خيارًا منطقيًا، بل ضرورة وجودية. لا يغادر الإنسان وطنه لأنه يريد ذلك ببساطة، بل لأنه لم يعد قادرًا على العيش فيه كإنسان كامل. يغادر لأنه يريد أن يستعيد الحد الأدنى من إنسانيته.
والمفارقة التي كشف عنها عمر الدهشلي وهو يقارن بين ما وجده في هولندا وما شاهده وعاشه في وطنه الجديد هولندا ومن الأشياء التي اثارت اهتمامي في حلقاته الشفاهية تنويهه إلى إن كثيرًا من الكائنات الجامدة والحية هنا السماء والماء والتراب والهواء هي ذاتها التي كنا نراها في أرضنا: الليمون والبرتقال والتفاح والريحان والنرجس والجرجير والطماطم والبطاطس والبصل والثوم والذرة وغيرها. كما وجدت الحيوانات نفسها: الغزلان والأرانب والكلاب والقطط والبقر والماعز والضأن.
بل حتى الناس ذاتهم هنا ذكورا وإناثا وجدناهم يشبهونا أو نحن نشبهم تمامًا؛ في الاجساد والمشي على قدمين، ولهه الأعضاء والوظائف نفسها، بل إن كثيرًا منهم أكثر صحة وتناسقًا في الأجسام، وأكثر التزامًا بقيم الاحترام والصدق والنظام العام وكذلك الأمر في الظواهر الطبيعية: المطر هو المطر، والماء هو الماء، والبحر هو البحر، والأرض هي الأرض، والزراعة هي الزراعة، والطعام هو الطعام وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط وعميق في الوقت نفسه:من أين جاءت اعتقادات بعض الجماعات بأنها أفضل من غيرها؟
بماذا فُضلتم على غيركم؟
هل بالشكل؟
أم باللون؟
أم بالطعم؟
أم بالرائحة؟
أم بالأخلاق؟
أم بالضمير؟
إننا نعيش جميعًا على كوكب أرض واحد، ونتنفس الهواء نفسه، ونشرب الماء نفسه، ونزرع الأرض نفسها، ونموت الموت نفسه. ولا فرق حقيقي بين البشر إلا بقدر ما يبنونه من نظم عادلة تحفظ كرامة الإنسان وتصون حقوقه وهنا فقط يمكن أن نفهم معنى التفاضل الحقيقي بين المجتمعات. فالتفاضل ليس بين الأعراق أو الأديان أو الشعوب، بل بين الدول العادلة المستقرة التي تحمي مواطنيها وتمنحهم الأمان والحرية، وبين النظم الفوضوية الممزقة التي تدفع أبناءها إلى التشرد في المنافي والبحار والصحارى ومن يستمع إلى حكايات اللاجئين من الشباب العرب والأكراد الذين تفرقوا في أصقاع الأرض بحثًا عن ملاذات آمنة. شباب في عمر الزهور ضاقت بهم بلادهم حتى اضطروا إلى بيع ما يملكون للخروج منها بعضهم ابتلعته البحار، وبعضهم ضاع في أدغال أفريقيا، وبعضهم تقطعت بهم السبل في صحارى ليبيا وتشاد والجزائر، وبعضهم تعرض للنهب والقتل في غابات أمريكا الجنوبية، وبعضهم علق على الحدود الأوروبية أو أعيد من المطارات، وآخرون ما يزالون في طوابير الانتظار الطويلة لكل واحد منهم قصة موجعة تكفي لأن تهز الضمير الإنساني. وكلها تطرح سؤالًا واحدًا فمتى يكون للإنسان وطن حقيقي يحميه من الضياع والتشرد؟ولهذا تبدو الدول العادلة والمستقرة نعمة كبرى لا يدرك قيمتها إلا من فقدها فالفارق الحاسم لا يكمن في الطبيعة، بل في النظام الذي ينظم حياة البشر. هناك، تصبح القوانين واضحة، والمؤسسات تعمل، والحقوق مصونة، والواجبات محددة. هناك، يشعر الإنسان أنه مرئي ومعترف به، وأنه ليس مجرد رقم أو ضحية محتملة.
وهنا نكتشف المعنى الحقيقي للتفاضل بين المجتمعات؛ ليس تفاضلًا في الأعراق أو الألوان أو أو الثقافات أو اللغات والأديان، بل تفاضل في القدرة على بناء دولة عادلة. الدولة العادلة لا تعني الكمال، لكنها تعني وجود قواعد مستقرة يمكن التنبؤ بها، وتعني أن الإنسان لا يحتاج إلى وساطة أو انتماء ضيق لكي يحصل على حقه. تعني أن كرامته ليست موضع تفاوض.
وهذا ما توفره الدولة الهولندية لمواطنيها والنتيجة ببساطة إن غياب هذه الدولة يفتح الباب أمام قوى بديلة: جماعات مسلحة، ولاءات ضيقة، صراعات لا تنتهي. وفي مثل هذا السياق، يتحول المجتمع إلى ساحة تنازع، ويصبح الفرد فيها ضعيفًا، مكشوفًا، بلا حماية حقيقية. ومع استمرار هذا الوضع، تتآكل الثقة بالكامل، ليس فقط في السلطة، بل في فكرة الدولة نفسها.
وهكذا يصبح البحث عن وطن بديل ليس خيانة للوطن الأصلي، بل محاولة للنجاة. إنه تعبير عن رغبة الإنسان في أن يعيش حياة يمكن احتمالها، حياة تتوفر فيها الشروط الأساسية للكرامة. وربما يكون أكثر ما يؤلم في هذه الرحلة، هو أن المهاجر لا يغادر فقط مكانًا، بل يغادر جزءًا من نفسه. يترك خلفه لغة مألوفة، ووجوهًا أحبها، وذكريات لا يمكن استعادتها في مكان آخر.
ورغم كل شيء يبق الأمل حاضرًا، ولو بشكل خافت. الأمل في أن يأتي يوم تصبح فيه العودة ممكنة، لا كحنين عاطفي فقط، بل كخيار واقعي. الأمل في أن تستعيد البلدان التي أنهكتها الحروب قدرتها على النهوض، وأن تعود الدولة إلى معناها الحقيقي: إطارًا يحمي الجميع، لا ساحة لصراع الجميع ضد الجميع.
ختاما يمكن القول: إن تجربة من يحصلون على جنسية جديدة بعد سنوات من الاغتراب تحمل وجهين متلازمين: وجه الفرح بالاستقرار الذي تحقق، ووجه الحزن على وطن لم يعد قادرًا على احتضان أبنائه. وبين هذين الوجهين، يتشكل وعي جديد بمعنى الوطن، لا بوصفه مجرد مكان وُلدنا فيه، بل بوصفه المكان الذي يتيح لنا أن نعيش بكرامة والسؤال الذي يبقى مفتوحًا، ليس لماذا يغادر الناس أوطانهم، بل متى تصبح هذه الأوطان قادرة على استعادة أبنائها؟ متى تتحول من بيئات طاردة إلى بيئات جاذبة؟ متى تصبح الدولة، في تلك السياقات، حقيقة لا شعارًا؟ حينها وحينها فقط، قد يتوقف الإنسان عن البحث عن وطن بديل، لا لأنه فقد القدرة على الرحيل، بل لأنه وجد أخيرًا ما يستحق البقاء.
تهانينا للعائلة الدهشلية الكريمة بالجنسية الهولندية وتمنياتنا بحياة مزدهرة ومثمرة وسعيدة في المملكة التي لا يظلم فيها احد أبدا مهما كان شكله ولونه وهويته ونسأل الله أن يكتب لهم حياة آمنة كريمة في وطنه الجديد، وأن يأتي يوم يجد فيه كل إنسان عربي وطنًا حقيقيًا يحميه ويعتز به.
***
ا. د. قاسم المحبشي







