عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الهادي عبد المطّلب: تأمُّلاتٌ كالوصايا.. قبل أن أُعْلن وصاياي

الْتفتُّ ورائي وقد تقدم بي العمر وبعُدت بي المسافات، فلا رجوع، واستحال العوْدُ الآن، بعد أن جمعتُ بداية الأمنيات، سوْف، وليْت، ولو، ولعلّ، كبرتُ وتسلل من بين السّنوات العمر، انتبهتُ فلم أجد إلاّ السّراب يحيطني ويحتويني ويبتلعُني.

بين الصّمت والكلام، تختبئُ الحكمة والنّدامة وتأتي هذه التّأمُّلات، الوصايا، المقامات، الأبواب، جامعة لمسار طويل من النّظر والتّأمُّل والتفكير والوعي والتساؤل، لتكون تمرة يانعة لقاطف، لا تدّعي الإلْمام كلّه أو التفريط كله، بل هي تأمّلات على الطريق تحاول سبر أغوار الإنسان الذي كُنْتُه، وما يختلج بداخله من خير وشر، وجمال وقبح، وحب وكراهية.

تجرُّني السنوات إلى الأمام المحتوم جرّاً، والأمام مجهول، غامض، ضبابي، لا يستبين خطوُه، كل أثرٍ للخَطْو يذوب بين أُخَرَ كثيرة، يحثني العمر للسيْر سريعاً، حبوا وهرولة وجريا، حتّى تتقطّع منّي الأنفاس، لا محطّات للاستراحة أو الوقوف، إذ لا وقت لذلك، ولا وقت لاحق. كل الثواني والدقائق والسّاعات محسوبة ومراقَبة. أسْتحضر الماضي والآن وأُفكّر في الغد الغامض، أفكّر في الذين يلحقون بي، أبحث لهم عن مكان آمن، أحكي لهم ما كنتُ وما هم إليه سائرون، لعلّ في الأثر عبرة، لعلّ هذه التّأمُّلات تّضيئُ لهم موضع وَطْء القدم، ليسيروا مُحمّلين بالأمل والتّجربة والسّؤال.

سأترك وصاياي وتأمُّلات على مسارٍ وصل خطّ النّهاية، أو في الطّريق إليه، وهي لا تُلزم أحداً، وصايا هي الأثر، وما تبقّى منّي، وما عاش من لم يترك الأثر، ومن لم يستهد بما اكتسب من تجارب الحياة وتجارب الآخرين. الحياة علّمتني أن من الإصغاء تأتي الحكمة، ومن الكلام والثّرثرة تأتي النّدامة، لدرجة أني أصبحتُ أحاسب لساني وأزن كلامي بميزان التدبّر والتّريُّث، والصّمت والتّعقُّل، فأصبحتُ أنطقُ جمالا حين يكون للكلام حاجة، دور أو هدف أو معنى، وأتجمّل بالصّمت حين يكون الصّمت من ذهب، على حدّ قول قُطب المتصوِّفة، «انطق جمالا أو تجمّل بالصّمت[1]». هذه الوصايا والتّأمّلات، تحمل توقيع خطواتي وما كنتُه في جميع حالاتي، هادئاً، غاضباً، متأمّلاً، متسائلاً، حالات أفرزت تجارب للتقاسم والتشارك مع الآخر ليسير إلى برّ الأمان، مزوّدا بما يفكّ به أسرار الوصايا ممّا يجعله واثقا من موضع خطوِه الذي يسيره عبر سنين عمره، طال أو قصر، محمّلا بما يغالب به اليأس، وبالتّجربة التي يبني بها الآتي، وبالسؤال الذي يفتحه على الوجود والمنغلق من أسراره.

هي وصايا وتأمُّلات بمثابة مقامات تعزف على وتر تجاوز في حزنه وشجنه وهدوءه مقامات «صُنِعَ بسحْر»[2]، وترٌ لا هو بالحزين ولا المُفرح ولا المبكي، مقامات توقفنا للسّؤال أكثر ممّا تُطرب، تتصاعد قوتها لتصل إلى درجة الانتباه والتفكير النقدي الواعي، وإلى السؤال. مقامات تبحث عن المعنى حين تُقرّبنا من الكمال، تموج من دون كمنجات ولا أعواد ولا نايات ولا دفوف، تسير بنا في مواكب رهيبة بعيداً عن البكاء والعويل والتّأسُّف والتّفرّج على الحال، توقفنا أمام مسؤولياتنا الوجودية والإنسانية.

وصايا اللحظة الأولى والأخيرة قبل الوداع، نورِّثُها لعلّ الفكر يستفيق وينتبه ويفتح للسؤال والعبرة أبواب التّأمّل، لعلّنا أمامها نحسُّ بنا لردم الخواء الذي يأكلنا ويلفُّ حياتنا حين قلّ الإيمان وعمِيت الأبصار وخاب الرّجاء. هي أيضاً أبوابٌ تنفتح على مصراعيها لنَلِجَها كفاعلين لا متفرّجين، فالأبواب رمزٌ للعبور والأسرار، وكل باب يؤدّي إلى عالم من التّأمّل جديد، إلى مغامرات وتحدّيات، بل ينفتح على تفاصيل تستحقُّ أن تُروى وتُعاش.

أمام الأبواب والمقامات ترتجف بين أصابع القارئ المفاتيح والأوتار، تنفتح له الأبواب على أسرارها والمقامات على أنغامها لتهب للحياة معنى. مقامات، أبواب، تأمّلات، وصايا، مسمّيات لتجارب ولحظات تفكير عميق وهادئ يغوص في الحال ويتأمّل المآل يقترب من جوهر الإنسان القابض على المعنى كالقابض على الجمر أو كالغريب في دائرة لا نهاية لدورانها، يبحث عن مكان آمن لتوطين النفس والسير سير العقلاء بعيون مفتوحة على النّور وقلوب عامرة بالأمل.

هذه الوصايا لا تعني من يقول «أنا وبعدي الطّوفان» ولا «الإمّعة» الذي يخوض مع من يخوض في الوحل ويقول «إذا أحسن النّاس أحسنت وإذا أساءوا أسأت» ولا الذي يقول «نفسي نفسي» أو «إذا متّ ظمآناً فلا نزل القطر»[3]، لكنّها تخاطب عقولاً أنضجتها التّجارب، ونفوساً صقلها التّأمّل وابتعدت عن القاع المزدحم بالعقول الصّغيرة والأفكار التّافهة، والرؤى الفارغة.

1ـ «ليس لي وقتٌ لوقت لاحق»[4].

هكذا أُعلن تمرّدي على عادة التّأجيل والتّسويف والانتظار، وأفضح وَهْمَ الغد الذي أستندُ إليه لأُبرّرَ صمتي وتردّدي وخوفي. «الوقتُ اللاّحق» هو أكبر كذبة اخترعها العقل البشري لتأجيل المواجهة، وتأجيل السعادة، واللحظة المواتية، وتأجيل الحلم.. الوقت لا ينتظر أحدا، لكنه يُسرق منّا دفعة واحدة، أويؤخذ منّا بالتأجيل. قد تأتي النّهايات في لمح البصر، فلْنُغادر صالات الانتظار، فالوقت اللاّحق سرابٌ يبتعد كلّما اقتربنا منه، و«الآن» هو الحقيقة الوحيدة التي تضعنا على سكّة المسير بكل الأخطاء، لكنّ الطريق كفيل بأن يُصلح ما فسد، ويُحقّق الوصول النّاجح.

«الآن»، ولا وقت لاحق، «الآن»، هو الفُرصة الوحيدة والأخيرة التي قد لا تتكرّر، والتّسويف يكسّر مجاذيف العوْم نحو الشُّطآن الآمنة، فلا تجعل من انتظار الوقت اللاحق مقبرة للأحلام والأفكار والمشاعر، لا تترك للغد ما يجعلك حيا الآن. فالحياة ليست تمرينا على مسرحية تُعاد مرّات عديدة، بل هي عرض واحد مستمر الآن.

هذه الوصية جمعت كل الوصايا والتّأمّلات لأنّها فلسفة الحضور في اللحظة المواتية، ودعوة إلى أن نفكّر الآن، لا عندما تهدأ العاصفة، أن نحب الآن، لا حين تسمح الظروف، أن نبدأ الآن، لا حين تكتمل الصّورة، لأنّ الصورة لن تكتمل أبدا، والتفكير الحقيقي لا يعيش في المستقبل الغامض، بل في لحظة الوعي، والوعي لا يُؤجّل.

2 ـ «القاع مزدحم، خفّفْ من أحمالك لتُحلّق»[5].

المُثقل لا يبلغ القمّة، والقاع مزدحم وغاصٌّ بمن أثقلتهم المخاوف، والانتظارات، والتّراجعات. القاع عميق ممتلئ بالقُبح والجُثث الآدمية التي اسْتَحْلَت المهانة والعبودية، وكل ما يشُدّ إليه من تراجع وانكسار وخيبة وبؤس، ولا مخرج من هذا القاع النّتِن والآسن إلا بِفَرْد الجناح والتّحليق عاليا بعيدا على وُسْع المدى وانفتاح الفضاء، فالتّحليق قوة يبدأ بالتّخلّي، التّخلّي عن الشّك الذي يُربك الخطى، وعن كل ما يشدُّ إلى القاع، التّحليق يحتاج خفّة، والخفّة قرار.

حلّق عاليا، وأنت تفتح كتابا لتقرأ، أو تسمع موسيقى راقية لتسبح عاليا في الملكوت، أو تشارك في نقاش مثمر لينفتح وعيك، أو تطرح سؤالا يدفع بك إلى الرقي والسّمو والتغيير. ارتق الفكر سُلّما يوصلك إلى السّطح، ويُبعدك عن القاع المظلم العامر بالتّفاهات والتّافهين والقيل والقال، وافتح للسّؤال بابه وادخل بحر القراءة واركب أمواجه، فالسؤال قنطرة للعبور، باب لا يدخله إلا من خبر أسرار المغامرة والمجهول، اقرأ وارتق واترك القاع للتّافهين.

القاع حضيضٌ مزدحمٌ يُعيق الحركة، ومن آثر القاع قُصَّتْ أجنحته وأتلف نعمة الطّيران، فالأحمال ثقيلة، والازدحام في القاع ليس أمانا، وليس كلاماً من قبيل، «المصيبة إذا عمّت هانت»، بل، لا تكن ممن اختاروا الرّاحة على المحاولة، والصّمت على المواجهة، فالسّماء تتّسع لمن يجرؤ، لمن يبادر، لمن يؤمن بمؤهّلاته ولا ييأس.

خفّف من أحمالك لتُحلّق عالياً، توقّف عن الاهتمام بصغائر الأمور، تخلّص ممّا يمنعك من الطّيران والصُّعود، جرّد أحمالك، وما يستنزفُ طاقاتك تخلّص منه، قرّر بوعي وتأمّل جيداً منْ هُم في القاع وما يشدُّهم إليه وركّز في القمّة.

3 ـ «كن عابراً، لا تكن قنطرة للعبور»[6].

العابر يترك الأثر، أما القنطرة فهي للعبور والركوب والوَطْء. "امشِ مع الماشين، لا تقف لتُراقب مواكب العابرين" فالوقوف سقوط في الهاوية، بل موتٌ، والمَشْيُ حياة.

كن عابراً وصاحب رحلة ومسار مدروس، تحرّكْ، تغيَّرْ، اسعَ إلى التّغيير، لا تكن محطّة انتظار أو قنطرة ثابتة للعبور يطؤها العابرون. كن عابراً واترك الأثر، اِعطِ ما يمنح حياتك معنى وللآخرين، ركّز على مسارك المهني والشخصي وقدّم الدعم والعون لمن سأله من دون أن تضيع منك مساحتك الخاصّة وكذا كرامتك.

لا تقف متفرّجا تُصفّق ضاحكا كالأبْله، بل اعبر وامش، واترك الأثر، ضع بصمتك في الحياة يستفيد منها العابرون، ولا تحتَقِرنَّ من الأثر جناح بعوضة، فالتّاريخ يسجّل وأعيُن النّاس لا تنام، تلتقط كل كبيرة وصغيرة، كل شاردة وواردة، عش حياتك وفْق اختياراتك ولا تذُبْ في خدمة الآخرين حدَّ محْوِ ذاتك، ولا تكن أنانيا، فالعطاء جميل ورائع، لكنّه عندما يتحوّل إلى تضحية دائمة بالذات، يفقد توازنه، والحياة زمنٌ محدود فلا تقضيه في تمهيد العبور والطّريق للآخرين من دون أن تعبر أنت فتصير بذلك قنطرة للعبور.

4 ـ «الحاجة صفةُ نَقْص، فمهما كثُرت كثُر النّقْص».[7]

الحاجة افتقار إلى الشيء، وهي صفة نقص، أي علامة على عدم الاكتمال، بمعنى أن كل من يحتاج إلى غيره، فهو ناقص بذاته، لأن الكمال الحقيقي لا يكون محتاجا. ورغم أن الإنسان قائم وجوده على الحاجة، مال، شكر، مدح، رضا النّاس، شهوات..، وكلّما كثرت حاجاته دلَّ ذلك على ازدياد فقره وضعفه، أي ازدياد نقصه. وكلّما كثرت التّعلُّقات، كثرت القيود، وكثرت مظاهر النّقص، وكلّما كثرت الحاجات ازداد الشعور بالنّقص والعجز والتّبعيّة. فالإنسان الكامل من قلّت حاجاته وافتقاره للآخرين.

الامتلاك وطلب المزيد يُشعل نار الاحتياج، فالحاجة ليست فراغاً يُسدُّ، بل ثُقب يتَّسع كلّما مرّتْ من خلاله الحاجات، إذ لا سعة لوعاء الحاجة، بل يتمَدّدُ بالطلب والزّيادة، وكلّما اتّسعت رُقعة الحاجات تضخّمت مساحة القلق والفقد فيتولّد نقصٌ جديد وخوف جديد. والافتقار إلى الله كمالٌ، لا نقصٌ.

5 ـ «كلما ضاقت، يُفرجها الأمل»[8].

الأمل يغير طريقة نظرنا إلى الظروف وما يحيط بنا من أحوال ووضعيات، فهو لا يغيرها مباشرة. من هنا يبدأ الفرج. الأمل يغير زاوية رؤيتنا للأشياء، فعندما تضيق السبل وتشتدّ الأمور، يميل العقل إلى التركيز على المشكلة، لكن الأمل يقدّم احتمالات جديدة، حلولا لم ننتبه لها، فرصا مَخْفِية خلف الألم، فنتحمّل أكثر، ونصبر أكثر، ونحاول مرّاتٍ عِدّة.

الأمل ليس شعوراً عاطفياً، بل هو في حقيقته فعلٌ وإرادة، فعلُ استشراف لا انتظار الفرج، نصنعه بالعقل والتّفكير وفتح ما انسدَّ في الرؤية، كما أنه ليس نهاية الطّريق حين تضيق الأمور. ابحث عن ثغرة يدخل منها النّور، لأنّ الأمل هو القدرة على رؤية الضّوء في ذروة العتمة.

لا شيء يبقى على حاله، والضّيْقُ حالة مؤقّتة والثّبات فيه وهمٌ قاتل الأمل قرار بينما الضيق حالة، فعندما نختار الأمل، فإنّنا نختار ألاَّ نبقى أسيري اللحظة. «اشتدّي أزمة تنفرجي / قد آذن ليلك بالفرج»[9]

6 ـ «هدفك غَيْر قابل للتّحقيق، لا تغير الهدف، غَيِّر الخُطّة»[10]

«العائق أمام الفعل يُعزّز الفعل، وما يقف في الطّريق يُصبح هو الطّريق»[11]، فالعائق لا يُلغي الغاية، بل يفرض تعديل الوسيلة.

الهدف قيمة عليا وغرض وجودي، أمّا الخطّة فمجرّد فرضية خاضعة للتّجريب والخطأ. وإن تغيير الخطّة ليس تراجعاً بل هو استجابة لتحديث البيانات والمعطيات والخطة وُضعت بناء على معطيات لحظة التّخطيط، والواقع متغيّر، والإصرار على خطّة فاشلة رغم تغيير المعطيات نوع من الجمود العقلي الذي ينافي العقلانية، وخسارة غير محمودة العواقب قد تصل إلى خسارة الهدف نفسه وخسارة الوقت والجهد، وتغيير الخطة في حقيقته عمليةٌ لإنقاذ الهدف.

الهدف رؤيتك، لا تتخلّ عنه بسهولة، لأنّ الفشل الحقيقي ليس في تغيير الخطّة، بل في التّخلي عن الهدف بسببها. والهدف يحتاج إيماناً، بينما الخطّة تحتاج ذكاء وأدوات، فلا تُبدّل غاياتك كلما ضاقت بك السّبل، ولكن بدّل السبل فإن الطريق قد يلتفّ ويتعرّج، لكن الهدف فهو نقطة الوصول وتغيير الهدف ضعفٌ في العزيمة، فالنهر لا يُغيّر وجهته نحو البحر، لكنه يغير مجراه ألف مرة.

7 ـ «لا يوجد الإنسان أنصافا أو على أقساط، يوجد دفعة واحدة أو لا يكون»[12]

الانسان الحقيقي يكون حاضرا بكلّيته، بمشاعره، بمواقفه، بمسؤوليته، لا يكون كما يشتهي أو كما يُناسبه، فأنصاف الأشياء تبعدك عن إنسانيتك وقد تؤذي، تُرْبك، تفقد المعنى، والهوية لا تبنى بالأنصاف أو بالتّقسيط، أو حسب المصلحة. وهي قولةٌ تعبّر بعمق عن رفضٍ قاطع لتَشْييء الإنسان أو تجزئته، فالإنسان ليس تراكما لقطع غيار مشاعرية أو عقلية، بل هو وحدة وجودية تتجلّى في المواقف والاختيار.

«الإنسان مشروع» لا يمكن أن يكون نصف حر، لأن الحرية لا تتجزّأ، أو يكون نصف شجاع أو بنصف كرامة، فالخيار أن تكون «كلّك» لا أن توجد نصف وجود. فإمّا أن تكون حاضراً بوعيك ومسؤوليتك في اللحظة، أو أنّك غائب لا حس ولا خبر.

التاريخ لا يصنعه المتردّدون أو الذين يعيشون على هامش الزمن، في انتظار وضوح الرؤية أو اللحظة الحاسمة والمواتية. فالذين تواجدوا أنصافا ذابوا في الزحام ولم يتركوا الأثر، لأن الأثر يتطلّب كثافة وجودية تتحقّق بالانصهار الكامل في الموقف.

الإنسان ليس كائناً يُبنى بالتّقسيط، بل هو كُلٌّ وفيض يتجلّى أو ينحسر، وهو ليس مجموع أجزاء، بل كُلٌّ يمنح لكل جزء معناه.

كن واضحا مع نفسك ومع الآخرين، كن حقيقيا من دون قناع أو رُتوش، لا تخلق لنفسك نسخة مزوّرة غيابها خير من حضورها.

8 ـ «أخرجوا الطفل الذي بداخلكم حتى لا تشيخوا قبل الأوان، وتسقط أسنانكم، وتتعثّر الكلمات في أفواهكم»[13]

عندما نكبت الطّفل الذي بداخلنا فإنّنا نكبت الدّهشة والمغامرة والسؤال، إذ من دونها نفقد الروح ولذّة الحياة وسر المعنى الإنساني. فالطّفل ليس مرحلة زمنية نتجاوزها، بل نمط وعي مستمر، والشيخوخة قبل الأوان هي تصلُّب الروح عندما تتبنّى عقلية الراشد العاقل جداًّ، وهي غياب أو موت الطفل بداخلنا.

الطفل، فضول، عفوية، سؤال، حلم، فرح واستمتاع بالأشياء والتفاصيل الصّغيرة، صوت المطر، قهوة ساعة الظّهيرة أو عند غروب. الطفولة فعلُ مقاومة وجودية، فهي بداية جديدة، واستعادة القدرة على الحياة بدل المعاناة والاستسلام للواقع والمرض والألم والخرف والزهايمر، وهي الممارسة التلقائية والعفوية للحياة وليست لهواً، بل آلية دفاعية تحمي الجهاز العصبي من التّآكل والموت تحتَ ضغْط الأنا والمطالب الاجتماعية التي لا تنتهي، والحركات العاقلة جدا والمحسوبة والمراقَبَة، وإخراج الطفل الذي بداخلنا بمثابة ضخّ دماء في شرايين المعنى، فنحن لا نشيخ لأنّنا كبرنا في السنّ، بل نشيخ لأنّنا قتلنا فينا حسّ الفضول وقرّرنا أن نكون رسميّين أكثر من اللاّزم. الطفولة هي الضّمانة الوحيدة لبناء روح حية حادة تفيض بالحياة والفضول والدهشة والمغامرة والسؤال.

أخرج حماسك، لا تكبر وتلبس أقنعة الجِدِّية والالتزامات، فالشيخوخة ليست سنوات نعُدّها في انتظار الموت، أو لحظات نفقد فيها الشغف، بل بداخلك طفل، حي بقلب أخف، وروح أقوى، يتجاوز الأزمات.

9 ـ «معادن الناس تكشفها المواقف، لا الكلمات»[14]

تُقال الكلمات في ساحات آمنة بينما المواقف تُعاش تحت الضّغط. تسقط الزوائد ويبقى الجوهر ويظهر المعدن الصّقيل. لهذا يبدو النّاس على حقيقتهم في الشّدائد لا في الأحاديث وترصيع الكلمات.

الكلمات بطبيعتها قابلة للتّزيين يمكنها أن تمنحك أشياء لا تملكها حقيقة، أخلاقا على مقاسك، ومقاما مُلفت ولا تكلّفك ثمنا، أمّا المواقف فلها كُلفة، فهي الشرف حين يخون الآخرون، والصبر حين يرتاحون، والوفاء حين ينسحبون في صمت، لهذا ما يُدفع في المواقف ثمناً، هو ما يكشف القيمة الحقيقية للإنسان.

10 ـ «من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجاً ومن أراد ودّك ثقب في الصخرة مدخلاً»[15]

هذه القاعدة الذهبية تلخّص مفهوم التعامل مع الآخرين. فكلّما ذبُلت الرغبة في البقاء تحوّل العقل إلى آلة لإنتاج المبرّرات، فيصبح الخطأ البسيط خطيئة لا تُغتفر، والظروف العادية حواجز مستحيلة للتّواصل، فيُصبح «ثقب الباب» رغم صغره، مخرجا للهروب والصدّ والابتعاد. في المقابل، بقاء الودّ والحفاظ عليه يحطّم الصّخر لاستمراره. فمن يريد الهجر يبحث عن الثّغرات والأسباب الواهية، يُركّز عدسته على العيوب والنّقائص، وتصيُّد الهفوات ولحظات التّقصير ليُقنع ضميره بأن الرحيل كان خياراً ضروريا. ومن أراد الود يبحث عن المساحات والمشتركات، ويتغاضى عن الزّلاّت والعثرات، ويخلق من العدم فُرصاً جديدة للاستمرار.

فلا تبدّد طاقاتك في سدّ ثقوب الباب أمام من قرّر الهجران والرحيل، فمن أراد الخروج سيخترق الجدران ليبتعد، وبالمقابل قدِّرْ عاليا من يبحث في الصّخر لأجلك، لأن مجهوده ليس دليلا على قوته فحسب، بل على موقف إنساني يُطيل به الود والمحبة.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/ المغرب

...........................

[1] قول ينسب لجلال الدين الرومي، وللشاعر نزار قباني قولة في نفس المعنى «أنطق جمالا أو تجمّل بالسكوت».

[2] «صُنع بسحْر» جَمعت الكلمة حروف المقامات السبعة: الصبا، النهاوند، العجم، البيات، السيكا، الحجاز، الراست.

[3] هذا البيت هو للشاعر العربي أبو فراس الحمداني. والبيت هو عجز لقصيدة مشهورة يقول فيها: "مُعللـتي بـالوصـلِ والـمـوتُ دونهُ، إذا مِـتّ ظَـمْآناً فَلا

نَـزَل الـقَـطْرُ!". وتُعد هذه القصيدة من أشهر قصائد الفخر والشوق.

[4] قولة للكاتبة الإماراتية بدور القاسمي في رسالة ملهمة عبر حسابها على انستغرام تدعو فيها إلى عدم تأجيل الأعمال، مؤكدة أن تأخير القرارات يؤدي إلى ضياع الفرص وندم في المستقبل،

[5] قولة جمعت بين قولٍ لجلال الدين الرومي: «خفف من أحمالك لتُحلّق» وقولٍ لجبران خليل جبران: «ارتقوا فالقاع مزدحم» قولةٌ تحمل دلالات عميقة

حول ضرورة الارتقاء بالنّفس والتّخلّص من قيود الدنيا.

[6] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص 9)

[7] هذه العبارة هي جزء من فلسفة الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" حول الزهد وتهذيب النفس، حيث يرى أن كثرة الاحتياجات هي أسباب للغم،

الحزن، ونقص الرتبة الروحية، لأن كل حاجة تمثل تعلقاً بغير الله أو استعباداً للقلب، فكلما زادت، زاد معها النقص.

[8] ـ من أقوال الشافعي. وهو الإمام محمد بن إدريس القرشي المُطَّلِبِي الشافعي، يوصف بأنه "عقل فقهي ومنهجي عبقري"؛ وبأنه "مجدد القرن الثاني

الهجري"، ويعد أول من وضع لبنات علم أصول الفقه بكتابه "الرسالة". إمام في الفقه والحديث وعلم التفسير، وأديب وشاعر.

[9] كاتب كلمات القصيدة "المنفرجة" الشهيرة هو الشاعر والعالم الفقيه أبو الفضل يوسف بن محمد بن يوسف التوزري، المعروف بـ ابن النحوي.

توفي عام 513 هـ (1119 م) وهو من أهل توزر في الجنوب التونسي، وتعتبر قصيدته من أشهر قصائد التوسل والفرج.

[10] تُنسب القولة للفيلسوف الصيني القديم كونفوسيوش.

[11] قولة لماركوس أوريليوس: هو فيلسوف رواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر.

[12] الشاعر محمد الصغير أولاد أحمد هو شاعر تونسي ولد يوم 4 أبريل 1955 في سيدي بوزيد وتوفي في يوم 5  أبريل. 2016.عاش في بيئة فقيرة

وقاسية في فترة خروج الاستعمار الفرنسي وبداية بناء الدولة التونسية.

[13] عبد الهادي عبد المطلب. على مرمى نظر (أشياء قريبة منا بعيدة عنّا) الناشر سوماكرام 2020. (ص10)

[14]هذه العبارة تعتبر حكمة مأثورة وشائعة، وغالباً ما تُنسب في السياقات الأدبية والخواطر إلى الروائي المصري نجيب محفوظ، كما تتردد بأشكال

مشابهة في العديد من الأمثال والحكم العربية التي تؤكد أن الأفعال والمواقف هي المعيار الحقيقي لتقييم البشر، وليست الكلمات المنمقة.

[15] جلال الدين الرومي هو محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي (1207-1273)    شاعر وفقيه حنفي ومنظِّر وقانوني صوفي. أصوله

فارسية، وعاش في تركيا، وعرف بالرومي لأنه قضى حياته في بلخ بالأناضول أيام سيطرة الروم السلاجقة.