عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سعد عبد المجيد إبراهيم: ظاهرة ارتفاع نسب الطلاق في العراق.. الأبعاد والأسباب والمعالجات

نتفاجأ يوميًا في مجتمعنا العراقي، في الداخل والخارج، بحالات طلاق لأزواج، وبخاصة من الشباب، كنا نظن أنهم يعيشون حياة مستقرة وسعيدة. وغالبًا ما كان يُعتقد أن زواجهم قائم على “علاقة حب!”، بما يُفترض معه أن يكون أكثر قدرة على الاستمرار. إلا أن الواقع يكشف، مع الأسف، عن انهيار سريع في بعض هذه الحالات، دون الالتفات الكافي إلى انعكاسات الطلاق على الأطفال وما قد يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى.

أصبحت ظاهرة الطلاق في العراق من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تدعو إلى القلق، والتي ينبغي أن تحظى باهتمام جاد من الدولة والمجتمع. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى إلى أن الطلاق أصبح من القضايا الاجتماعية البارزة خلال السنوات الأخيرة. فقد بلغ عدد حالات الطلاق في عام 2024 نحو 66,000–72,000 حالة، مقابل حوالي 291,000 حالة زواج في العام نفسه، أي أن نسبة الطلاق تقارب حالة واحدة لكل 4 إلى 5 زيجات (بنسبة 20%–25%). ويُقدَّر أن العراق يسجل نحو 8–9 حالات طلاق في الساعة، فيما تتصدر بغداد غالبًا أعلى نسب الطلاق مقارنة ببقية المحافظات.

كما تشير بيانات شهرية حديثة إلى استمرار هذه المعدلات المرتفعة؛ ففي شباط 2025 بلغت حالات الزواج 21,411 حالة، مقابل 6,962 حالة طلاق. وفي شباط 2026 سُجلت 28,479 حالة زواج مقابل 6,151 حالة طلاق (وفقًا لإحصائيات مجلس القضاء الأعلى المنشورة مؤخرًا). ومن الجدير بالإشارة أننا نلاحظ وجود زيادة في الإقبال على الزواج بين 2025 و2026، وهو مؤشر إيجابي يعكس استمرار الرغبة في بناء الأسرة رغم التحديات.

يحتل العراق مرتبة متوسطة بين الدول العربية (نحو المرتبة 7–8 عربيًا)، أي أنه ليس من بين الأعلى، لكنه أيضًا ليس منخفضًا، بل يقع ضمن المستوى “المتوسط المرتفع”. ومن المفارقات أن بعض الدول ذات الدخل المرتفع تسجل نسب طلاق أعلى، ما يدل على أن المشكلة ليست اقتصادية فقط، بل ترتبط أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية وتكنولوجية.

تشكل الأسباب الاقتصادية ما يقارب 50% من حالات الطلاق في العراق، وتشمل البطالة، وضعف الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة توفير السكن. ومن الواضح وجود ارتباط وثيق بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق.

أدّت الطفرات المالية التي شهدها العراق مؤخرًا، والتي استفاد منها بعض الأفراد، إلى بروز حالات ثراء سريع لدى فئات كانت تنتمي إلى طبقات فقيرة أو محدودة الدخل، في حين بقي المحيط الاجتماعي لهؤلاء الأفراد من أقارب وأصدقاء عند مستوياته المعيشية السابقة أو تحسن بشكل محدود. وقد أسهم هذا التفاوت في نشوء مشاعر المقارنة والغيرة والحسد، وما يرافقها من ضغوط نفسية، مما قد يفضي إلى حالة من الإحباط تنعكس سلبًا على الاستقرار الأسري والعلاقات الاجتماعية، لتصل في بعض الحالات إلى الطلاق.

وتأتي الأسباب الاجتماعية في المرتبة الثانية، ومن أبرزها تدخل الأهل والأقارب في الحياة الزوجية، والعادات والتقاليد التي تحد من استقلالية الزوجين، إضافة إلى الزيجات القائمة على الإكراه أو الترتيبات العائلية دون قناعة الطرفين. كما يُعد الزواج المبكر (زواج القاصرين) من العوامل المهمة، نظرًا لغياب النضج الفكري والعاطفي وضعف القدرة على تحمل المسؤولية.

ومن الأسباب الأخرى: عدم التوافق بين الزوجين نتيجة اختلاف المستوى التعليمي والثقافي والفكري، فضلًا عن مشكلات العنف الأسري، والخيانة الزوجية، وضعف الحوار والتفاهم، نتيجة محدودية الوعي الأسري والديني، وعدم الاستعداد الكافي للحياة الزوجية، وغياب ثقافة إدارة الخلافات.

ولا يمكن إغفال تأثير التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في زيادة الشك والخلافات، وتعزيز المقارنات الاجتماعية، وتسهيل إقامة علاقات خارج إطار الزواج (الخيانة الإلكترونية).

في الماضي، كانت بعض الفتيات يتأثرن بما تعرضه الأفلام العاطفية من صور مثالية وغير واقعية للحياة الزوجية، فيتشكل لديهن تصور مبالغ فيه عن طبيعة العلاقات. أما اليوم، فقد أصبح تأثير منصات التواصل الاجتماعي أكثر حضورًا، حيث تُعرض عبرها أنماط حياة مثالية ومبالغ فيها، وأحيانًا غير دقيقة، مما يسهم في تكوين توقعات مرتفعة قد لا تنسجم مع الواقع. وعند الاصطدام بالحياة الحقيقية، ينشأ شعور بالإحباط وخيبة الأمل، ينعكس أحيانًا على تقييم العلاقة الزوجية.

لقد وفّرت الجامعات بيئة واسعة للتفاعل بين الطلبة في مرحلة عمرية حساسة، مما قد يؤدي في بعض الحالات إلى نشوء علاقات غير ناضجة. وفي الوقت نفسه، يعتقد بعض الشباب أنهم يعيشون “علاقة حب!”، بينما تكون في حقيقتها استجابة لاحتياجات عاطفية أو شعور بالحرمان. وحتى عندما تنتهي بعض هذه العلاقات بالزواج، فإنها قد تكون غير مستقرة، وغالبًا ما تنتهي بالطلاق. ولا يقتصر هذا النمط على البيئة الجامعية، بل قد يتكرر أيضًا في بيئات العمل.

يلجأ بعض الطلبة أو صغار الموظفين إلى إظهار صورة من الثراء غير الحقيقي؛ إذ يعمد البعض إلى إظهار مستوى مادي غير واقعي. ففي ظل انخفاض تكلفة الملابس، أصبح من الممكن الظهور بمظهر لائق لا يختلف كثيرًا عن مظهر أبناء الميسورين. كما يلجأ البعض، وخاصة من الفتيات، إلى استعارة الحلي أو الإكسسوارات، بل وحتى الملابس، للظهور بمستوى معيشي أعلى من الواقع. ويُستغل هذا المظهر أحيانًا لاستقطاب أشخاص ينجذبون إلى المظاهر المادية، مما قد يوقع الطرفين في علاقات غير متوازنة تكون عواقبها سلبية على المدى البعيد.

ولمعالجة ظاهرة الطلاق المتزايدة، لا بد من تبني مجموعة من الإجراءات المتكاملة، من أبرزها:

- تعزيز الاستقرار الاقتصادي للشباب من خلال توفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة، وتقديم قروض ميسرة، والمساعدة في توفير السكن.

- إلزام المقبلين على الزواج بدورات تأهيلية تشمل التوعية بحقوق وواجبات الزوجين، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات، والتخطيط المالي.

- الحد من الزواج المبكر عبر تشديد تطبيق القوانين ورفع الوعي المجتمعي بمخاطره.

- تقليل تدخل الأهل في الحياة الزوجية من خلال حملات توعوية تعزز استقلالية الأسرة الجديدة.

- إنشاء مراكز إرشاد أسري فعّالة لتقديم الاستشارات قبل الزواج وبعده، والمساهمة في حل النزاعات.

- مواجهة العنف الأسري قانونيًا ومجتمعيًا عبر تفعيل القوانين ونشر ثقافة الاحترام المتبادل.

- ترشيد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من خلال برامج توعوية تعزز الاستخدام الواعي.

- تعزيز دور الإعلام والمؤسسات الدينية والتربوية في نشر ثقافة الزواج الواعي وقيم المسؤولية والتفاهم.

ختامًا، يمكن القول إن الطلاق في العراق ظاهرة متزايدة ومقلقة اجتماعيًا، ترتبط بشكل وثيق بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية، فضلًا عن ضعف الاستعداد للحياة الزوجية. وهي ليست نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل عوامل متعددة، مما يتطلب معالجة شاملة ومستمرة من جميع مؤسسات الدولة والمجتمع.

ومن المؤلم حقًا أن تكون أشد انعكاسات الطلاق قسوةً هو تأثيره على الأطفال، فهم الأكثر تضررًا نفسيًا وعاطفيًا من الانفصال. لذا، يتوجب على الأبوين الانتباه بعناية لهذا الجانب، والعمل على حمايتهم ودعمهم، لضمان استمرار شعورهم بالأمان والاستقرار رغم تغير ظروف الأسرة. وما زال بالإمكان احتواء هذه الظاهرة إذا توفرت الإرادة والتعاون بين جميع الأطراف.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم