قضايا
علي بن مبارك: التقريب والبحث عن الوحدة بين المسلمين
إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات
أوَّلًا: تقديم العمل: ناقش الباحث اللبناني الفرنسي الأب توماس جيز (Thomas GÈZE) مذكرة في الإجازة الكنسية (ماجستير) في الدراسات العربية والكنسية بعنوان: «التقريب والبحث عن الوحدة بين المسلمين: إعادة قراءة تجربة جماعة التقريب من خلال زكي الميلاد.. التحديات والرّهانات». وقد أنجزت هذه المذكرة باللغة الفرنسية، ونوقشت في رحاب المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما، في أكتوبر سنة 2024م، وأشرف عليها الأكاديمي التونسي الدكتور عدنان المقراني، واحتوت 162 صفحة من القطع الكبير.
قسّم الباحث المذكرّة ثلاثة أقسام، استهلّها بمقدّمة وذيّلها بخاتمة ومجموعة فهارس وقائمة في المصادر والمراجع. خُصّص القسم الأوّل للحديث عن السياقات التاريخية والثقافية التي احتضنت فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وفي هذا السياق تحدّث الباحث عن تجربة جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وتطرَّق إلى تجارب أخرى ارتبطت بها منذ العصور الوسطى إلى العصر السائد. وركَّز صاحب الرسالة أساسًا على أفكار زكي الميلاد التقريبية وما تعلّق منها بالرّاهن بما يعكسه من تقارب أو تباعد.
أمّا القسم الثاني، فعرّف فيه الباحث بزكي الميلاد وكتابه موضوع الرّسالة الموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟» الصادر سنة 2019م، واضطلع توماس جيز بترجمة نصّوص من هذا الكتاب مع التعليق عليها.
وارتأى الباحث أن يختم مذكرته بالحديث عن «ما وراء الاختلافات: إعادة التفكير في الوحدة من خلال التقريب»، وفي هذا السياق قدّم الباحث قراءة نقدية في كتاب زكي الميلاد. ودرس طبيعة الاختلاف بين المسلمين (أساسية أم ثانوية)، وتناول مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال تجديد الفكر كما تجلّى عند زكي الميلاد. وختم الباحث القسم الثالث بالحديث عن التقريب من خلال الاعتراف بالآخر.
ذيّل الباحث توماس جيز رسالته بأربعة فهارس، خصَّصها للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأعلام، والمصطلحات الفنية. وعرض بعدها قائمة من المصادر والمراجع استفاد فيها من أدبيات متنوِّعة في لسانها وخلفياتها المعرفية.
نعتقد أنّ هذا العمل مهمّ، وذلك لعدّة اعتبارات. فقد أُنجز العمل من خارج دائرة الانتماء الإسلامي. وهذا يعني أنّنا سنجد قراءة مختلفة لمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية تتميَّز عن الدراسات التي عهدناها سواء الرافضة لمسألة لتقريب أو الداعية لها. كذلك استفاد الباحث من أدبيات غربية كثيرة ممّا سيثري العمل ويجعله مرجعًا مهما في الدراسات الاستشراقية المتعلّقة بمسألة التقريب وقضاياها.
أعدّ الباحث العمل وناقشه في إطار اهتمامات المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، وهي مؤسسة دينية كاثوليكية رسمية تتَّخذ من روما مقرًّا لها. ونفهم من ذلك أنّ الكنيسة الكاثوليكية أصبحت بدورها تهتمّ أكثر بقضايا الحوار الإسلامي - الإسلامي، كما اهتمت سابقًا وطيلة قرن بقضايا الحوار المسيحي - المسيحي. ويعكس ذلك رغبة في معرفة قواعد الاختلاف بين جماعات الديانة الواحدة، وهذا ما رصدناه بوضوح في ثنايا هذه المذكرة البحثية.
اجتهد الباحث في هذا العمل في التعريف بزكي الميلاد وكتابه المذكور، واعتبره من الشخصيات القليلة التي جمعت بين التنظير والممارسة في مجال التقريب، ويتجلّى ذلك في مساره الفكري الخاص، وقد نبّه إلى جرأته في نقد الحضارة الإسلامية، وتعرّض إلى مجموعة من مؤلفاته، وتوقَّف عند كتابه حول «عصر النهضة»، إذ تحدّث فيه زكي الميلاد عن انبثاق وإخفاق الحركة التجديدية في العالم العربي الإسلامي، كما أحال الباحث على مقالة «لماذا لا توجد لدينا نظرية في حوار الحضارات» من دون ذكر الصفحة، وربط هذا الإخفاق -استئناسًا- بنصوص زكي الميلاد بتراجع مفهوم الحضارة في العالم العربي. وفي هذا السياق ثمّن الباحث اهتمام زكي الميلاد بالمقارنات بين أعلام النهضة الأوروبية ورواد الإصلاح في العالم الإسلامي والعربي، كما في مقالته التي تحدَّث فيها عن محمد إقبال وعلاقته بالفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (bergsonien)، وهكذا في مقالات أخرى.
استثمر الباحث ما كتبه زكي الميلاد ليطرح مسألة المصطلحات وما يتعلّق بها من خلفيات معرفية، ودفعه هذا الأمر إلى مراجعة مجموعة من الكلمات المفتاحية مثل: (الحوار، والمعرفة، والإصلاح، والمصالحة، والتسامح، والتجديد...).
ولم يكتفِ الباحث بوصف المصطلحات وتدقيقها، بل نظر في خلفياتها، ومن ثمّة في خلفيات زكي الميلاد الفكرية. متوقِّفًا عند نظريته حول تعارف الحضارات المستنبطة أساسًا من القرآن، وتحديدًا من آية التعارف، وكيف قارن الميلاد هذه النظرية بنظرية الفعل التواصلي للفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Habermas) الذي ركَّز على أهمية التواصل والتفاهم المتبادل (compréhension mutuelle). ويُضاف إلى ذلك الحديث عن التاريخ والثقافة الإسلامية التي تثمّن الحوار من خلال تجارب معيَّنة درسها زكي الميلاد.
ثانيًا: التعريف بزكي الميلاد وكتابه (المدوّنة)
عرّف الباحث بزكي الميلاد، فحدَّثنا عن حياته، وبيئته الدينية والفكرية، ودراسته في المملكة العربية السعودية وخارجها، وتحدّث عن كثرة قراءته الكتب حتّى لُقّب في فترة الدراسة بـ«حمامة المكتبة»، كذلك تحدَّث عن رحلاته إلى دمشق ولبنان حيث أسس مجلة «الكلمة» سنة 1993م. وركّز الباحث في إطار ترجمته لزكي الميلاد وتقديم كتابه الذي اشتغل عليه والموسوم بعنوان: «التقريب والأمة.. كيف نواجه معضلة التقريب بين المذاهب؟»، وقد اضطلع الباحث بترجمة فصول منه بعد عرض فهرس مواضيع الكتاب وأقسامه.
والكتاب مقسَّم إلى ثلاثة فصول، تناول الفصل الأول «فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية.. التجربة والتطوُّر والمعنى»، وحمل الفصل الثاني عنوان: «المسلمون الشيعة ومسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وتساءل المؤلف في الفصل الثالث: «هل الأمة الواحدة أمر ممكن؟»، ونبّه الباحث أنّ زكي الميلاد وضع عنوانًا للخاتمة وسمه بـ«مبدأ الأخوة الإسلامية».
وفي هذا الإطار التعريفي التحليلي عرض الباحث فصول الكتاب ومباحثه بإيجاز، كذلك عرض الخيارات التي اشتغل عليها في الترجمة، وبرّر اختيارها، وتناول أساسًا إشكالية ترجمة مصطلح «تقريب»، إذ ارتأت الأدبيات الغربية المختصّة ترجمة التقريب بمصطلح «œcuménisme»، ورأى أنّ هذا المصطلح لا يعكس عمق دلالة التقريب، واقترح مصطلحات أخرى من قبيل (rapprochement approximation/ proximité).
وفي هذا السياق رصد الباحث دلالة كلمة التقريب من خلال ضديدها: تباعد، وتفارق، وفرقة، وتقسيم، وانقسام، وانغلاق، وقطيعة، وتخاصم، وتعصّب.... ، فقد تُعرف الأشياء بأضدادها، وليس من السهل ترجمة المصطلحات الحضارية نظرًا إلى خصوصياتها، وهذا ما دفع الباحث إلى التحرّي فيما يتعلّق بترجمة مصطلحي «التقريب» و«المذاهب» إلى اللغة الفرنسية، واختار أن يترجم مصطلح «المذاهب» بالمدارس القانونية استئناسًا بما ذهب إليه أغلب المستشرقين.
جدير بالذّكر أنّ الباحث استفاد من خبرة أستاذه المشرف والخبير اللاهوتي عدنان المقراني الذي أظهر في كتاباته المتعدّدة كفاءة في الإلمام بالتقليدين المسيحي والإسلامي، ممّا حفّز الباحث على المقارنة بين النسقين الدينيين.
ثالثًا: قضايا التقريب والوحدة في فكر زكي الميلاد
الطريف أنّ صاحب المذكرة استهلّ رسالته بمقولة لغاندي، نصّها: «إنّ قدرتنا على تحقيق الوحدة من خلال التنوُّع ستكون جمالاً واختباراً لحضارتنا». واضطلع هذا الاستهلال بوظيفة تمهيدية توجيهية، أكّد من خلالها الباحث استئناسًا بآراء زكي الميلاد أنّ التنوّع لا يفسد الوحدة بل يزيدها جمالًا وإشراقًا، ولا تخصّ هذه القيمة ديانة أو حضارة من دون سواها بل تخصّ الإنسان في تجاربه المختلفة، ولعلّ هذا يؤكّد البعد الإنساني في كتابات زكي الميلاد التقريبية.
ولا غرابة أن نجد الباحث يتطرّق في مقدمة عمله إلى أهمية فكرة التوحيد في الديانات الإبراهيمية اليهودية والمسيحية والإسلامية، وكأنّ هذا المشغل يهمّ الديانات جميعًا. فكلّما تكاثرت الملل والنحل وتصارعت من أجل احتكار الخلاص والحقيقة، ظهرت أفكار لاهوتية تحاول التقريب بين من تباعدوا من حيث العقيدة والأفكار.
في هذا الإطار التعدّدي درس الباحث في الباب الأول من عمله الفكر التقريبي الإسلامي، وخصّص الفصل الأول للحديث عن جماعة التقريب باعتبارها تجربة تهدف إلى تحقيق الوحدة بين المسلمين. واعتبر جماعة التقريب منظمة (Association)، فتحدّث عن مجلتها «رسالة الإسلام» وعرّف بأعلامها وكتاباتها. ولم يكتفِ الباحث بتجربة الريادة بل تطرّق إلى الحديث عن المجمع العالمي للتقريب بطهران ومؤتمراته التي شارك زكي الميلاد في العديد منها، وكتب في مجلّتها «رسالة التقريب»، واعتبر الباحث المجمع تواصلًا لتجربة جماعة التقريب، ولقد بيَّنَّا في أطروحتنا وجهة نظر تغاير ذلك، إذ توصلنا إلى استنتاج مفاده أنّ تجربة المجمع انزاحت عن مسار التجربة المصرية.
وبالإضافة إلى التجربتين تحدَّث الباحث عن تجارب تقريبية أخرى، وحاول من خلالها، واستئناسًا بما كتب زكي الميلاد أن يفهم الصراع السني الشيعي أو صراع الألفية كما يُسمِّيه الباحث استئناسًا بقويدار (M. Guidère). ولقد حاول صاحب الرسالة رصد هذا الصراع منذ العصور الإسلامية الأولى إلى العصر الحديث بمحطّاته المختلفة.
رابعًا: إشكالية الاختلاف في فكر زكي الميلاد
نلاحظ من خلال قراءة الباحث في نصوص زكي الميلاد اهتمامه بمسألة الاختلاف في أبعادها المتباينة، فقد اهتمّ المسلمون قديمًا وحديثًا بهذه المسألة، ودرسوها من زوايا متباينة، وقد ارتأى الباحث أن يلج إلى هذا الموضوع من خلال ثنائية الاختلافات الجوهرية والاختلافات الثانوية، وركّز أساسًا على الخلافات السنية - الشيعية، وهي خلافات معقَّدة طرحت عبر العصور عدّة إشكاليات، وفي هذا السياق طرح الباحث سؤالًا مهمًّا نصّه: هل الاختلافات بين السنة والشيعة جوهرية أم ثانوية؟ أو بمعنى آخر: هل هي اختلافات في الأصول أم في الفروع؟. وفي إطار الإجابة عن هذا السؤال، حاول الباحث -استئناسًا بأدبيات زكي الميلاد- أن يعرض دور جماعة التقريب في التمييز بين الاختلاف والخلاف، فالاختلاف ظاهرة محمودة، تُؤسِّس لثقافة الحوار والعيش المشترك، بينما ينسف الخلاف جسور التواصل والإبداع.
استأنس الباحث بأدبيات زكي الميلاد حتى يدرس اهتمام جماعة التقريب بالاختلاف المذهبي والتعدُّد الفكري، فقد حاولت هذه الجماعة إدارة الاختلافات بين السنة والشيعة، وتوضيح حقيقة الخلافات، وفي هذا السياق تعرّض الباحث إلى العالم اللبناني الشيخ محمد جواد مغنية وحديثة عن التقية، إذ ربطها بمرحلة تاريخية ولّت، ونفى أن تكون من أساسيات الدين أو العقيدة، كذلك تحدّث عن العالم الإيراني الشيخ محمد تقي القمّي وتمييزه بين أصول الدين وأصول المذاهب. فقد ميّز التقريبيون الروّاد بين فروع الدين وأصوله، وفي هذا السياق تناول قضايا التحريف والإمامة والخلافة وغيرها من القضايا التي أخذت بُعدًا عقديًّا رغم أنّها لا تنتمي إلى مجال العقائد. وقد استند الباحث إلى كتابات حيدر حب الله ليؤكّد مشروعية الاختلاف، إذ ليس من حق المسلمين إلغاء الاختلافات سواء في الأصول أو في الفروع، ومن الخطير أيضًا تحويل إلى الاختلاف إلى خلاف وصدام.
حاول الباحث رصد أسباب هذا التحوّل، وخلفيات ثقافة الصدام التي هيمنت على الثقافة الإسلامية عائدًا إلى العصور الإسلامية، وتحدَّث عن فتنة مقتل عثمان، وما نتج عنها من حرب بين علي ومعاوية، كذلك وقف عند الفتنة الثانية بعد موت معاوية وحكم ابنه يزيد وقتل الحسين بن علي في كربلاء، وكلتا الفتنتين عزَّزتا الانقسام بين السنة والشيعة.
وفي هذا الإطار نزّل الباحث دعوة جماعة التقريب وكذا دعوة الباحث اللبناني حيدر حب الله إلى تجاوز الماضي والاهتمام بالحاضر، وهذا الأمر أكّد عليه زكي الميلاد، إذ دعا إلى تخطِّي الماضي وضرورة التحرُّر مما يشدنا إليه الزمن الغابر. وقد رصد الباحث هذا المنزع التحرّري أيضًا عند الباحث المصري جمال البنّا الذي أكَّد أنّ الميل إلى الماضي يتناقض مع الإسلام، ويتوافق ذلك مع ما ذهب إليه مالك بن نبي الذي اعتبر الحنين إلى الماضي عائقًا يحول دون فهم الحاضر وتحدياته.
كما استأنس صاحب البحث بزكي الميلاد لعرض أفكار ثلّة من المفكرين المهتمّين بمسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية. وفي ضوء ذلك اجتهد الباحث في بيان إسهام زكي الميلاد في دراسة مسألة الاختلاف وتقديم حلول عملية لها. ويمكن تلخيص هذه الإسهامات في النقاط التالية:
1- تجديد الفكر الديني عند زكي الميلاد
طرح الباحث الأفهام المختلفة لمسألة التجديد، إذ نظر إليها البعض باعتبارها إلغاء القديم واستبداله بالكامل بالجديد، أو باعتبارها عودة إلى الأصول والتطهّر من كلّ ما هو غريب، أو باعتبارها فكرًا يفتح آفاقاً جديدة في الفقه، مع مراعاة احتياجات العصر الحديث.
2- ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني
أكَّد الباحث -مستشهدًا برأي الباحث العراقي مصطفى خضير- «أنّ زكي الميلاد اهتمّ بتجديد الفكر الإسلامي وليس الدين»، فالخطابات الدينية ليست الدين، وهي عند زكي الميلاد بعضها خطابات قديمة لم تعد منسجمة مع العالم اليوم
3- التقريب من خلال تجديد الفكر
عنون الباحث أحد مباحثه بهذه العبارة، ونفهم من خلالها أهمية تجديد الفكر في تحقيق الحوار التقريبي، وفي هذا الإطار تحدَّث عن اهتمام زكي الميلاد بعلم الكلام الجديد، وأشار الباحث في هذا إلى آراء بعض الباحثين مثل الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي، والباحث الإيراني محمد مجتهد شبستري ودوره في تطوير الكلام السياسي وبخاصة مسألة الديمقراطية، وفي السياق نفسه تحدّث عن أهمية المدرسة الإيرانية المعاصرة والراهنة في مجال تجديد الفكر
4- إلغاء كل المقارنات السلبية القائمة على فكرة التفوق
طرح الباحث إشكالية الآخر وتعقيداته كما تجلّت في كتب زكي الميلاد، الذي أكَّد على حق الاجتهاد والاختلاف في نطاق الفكر الديني، والترفع عن ذهنية الفرقة الناجية، فكل واحد منا هو آخر بالنسبة إلى غيره، ولذلك لا بدّ أن يقبل به.
5- مراجعة المصطلحات
فقد اهتمّ زكي الميلاد بالمصطلحات المجاورة لمصطلح التقريب من قبيل: الإصلاح والتحديث والتغيير... كذلك اهتم بتدقيق عدّة مصطلحات أخرى.
خاتمة
قدّم الباحث بعض الملاحظات النقدية على كتاب «التقريب والأمة» لزكي الميلاد، ودقّق في مصطلح «تقريب»، ولاحظ غيابه في الفصل الثالث من الكتاب ومن الخاتمة، رغم أهميته وكثرة تواتره في بقية أجزاء الكتاب، ومردّ ذلك عنده يعود إلى أنّ أغلب أجزاء الكتاب وحتى المقدمة، قد نشرها المؤلف سلفًا، وفي هذا الإطار عرض رسالة لزكي الميلاد موضِّحًا فيها هذا الأمر. بالإضافة إلى ذلك وجّه الباحث نقدًا لما جاء في المقدمة من ربط بين التقريب والإصلاح، وتساءل: «هل أهل الإصلاح متّفقون ومنسجمون فيما بينهم وهل نظرتهم للإسلام موحدة؟».
حاول الباحث في هذه الرسالة أن يعرض فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال ما كتبه زكي الميلاد. والطريف أنّ الباحث قارن بين فكرة التقريب كما ظهرت في بيئتها الإسلامية المعاصرة، وأفكار مشابهة لها ظهرت في البيئة المسيحية، حيث ظهرت الحركات المسكونية، فقارن الوضع العربي الإسلامي بالوضع الأوروبي، وتحدَّث عن مجهودات (Robert Schuman) التوحيدية التي قرّبت بين دولتين عدوّتين هما: فرنسا وألمانيا، وبذلك يكون الباحث قد فتح باب الدراسات المقارنة بين المسيحية والإسلام في مجال الأفكار التوحيدية والمشاريع التقريبية.
وممّا لا شكّ فيه سيُسهم هذا العمل في التعريف بحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث والزمن الراهن، ولعلّ ذلك سيحفّز باحثين آخرين مختصِّين في اللاهوت المسيحي على دراسة أفكار إسلامية مهمّة وما أكثرها.
***
الدكتور علي بن مبارك
جامعة قرطاج، تونس







