قضايا
غالب المسعودي: قراءة تفكيكية لغايات الوجود البشري بين ملاحم الرافدين وسفر التكوين
الدم والتراب.. فلسفة الاستخلاف والتبعية الوظيفية
المبتدأ الوجودي وصناعة المعنى
تُمثّل قصص الخلق في الشرق الأدنى القديم الدعامة الوجودية التي شيدت عليها الحضارات الإنسانية رؤيتها للكون، والذات الإلهية، وموقع الكائن البشري في خارطة الوجود. ولا تقف ملحمة "إينوما إيليش" البابلية (عندما في الأعالي) وسفر التكوين العبري عند حدود السرد الأسطوري لنشأة العالم، بل يمتد أثرهما ليرسما إطاراً منطقياً وفلسفياً يحدد طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق.
إن المقارنة بين هذين النصين لا تنطوي على مجرد رصد للتشابهات اللغوية، بل تغوص في عمق الأسئلة الكبرى:
لماذا وُجد الإنسان؟ هل كان وجوده ضرورة لاستقرار النظام الكوني المهدد بالفوضى، أم كان تبريراً مستقلاً لحكمة إلهية متعالية؟ يسعى هذا البحث لاستكشاف هذه القضايا عبر تحليل معمق يستند إلى المعطيات اللغوية والفلسفية، في محاولة لفك الاشتباك بين الرؤية البابلية التي ترى الإنسان "ترساً" في آلة كونية مجهدة، والرؤية التوراتية التي تضعه في مقام "الوكيل الملكي" المكرم.
الجغرافيا السياسية للنص المقدّس
لا يمكن فهم الفلسفة الكامنة وراء "إينوما إيليش" أو سفر التكوين دون استحضار البيئة التي أنتجت هذه النصوص. تعود الملحمة البابلية في شكلها النهائي إلى العصر البابلي القديم (حوالي 1100 قبل الميلاد)، وهي تعكس بيئة الرافدين القائمة على مواجهة فيضانات دجلة والفرات العنيفة، مما جعل "الصراع" قيمة مركزية في بقاء الكون (طه باقر، 2006). عنوان الملحمة، المستمد من كلماتها الافتتاحية، يعبر عن رؤية كونية تبدأ من الفراغ الذي يسبق "التسمية"، حيث لم يكن للسماء أو الأرض هوية بعد.
في المقابل، يمثل سفر التكوين استجابة ثقافية ولاهوتية معقدة، يرى المؤرخ كارين آرمسترونغ أنها تشكلت في سياق المواجهة مع الفكر الرافدي، خاصة خلال فترة السبي البابلي. في حين يُؤرخ البعض كتابة السفر إلى تاريخ أبكر، إلا أن النص بصيغته النهائية كان يهدف إلى تقديم بديل توحيدي للمنظومات الأسطورية المحيطة، محاولاً "تطهير" قصة الخلق من الصراعات المادية وتقديمها كفعل إرادي منظم صادر عن إله واحد متعالٍ (آرمسترونغ، 2015).
فلسفة البدء (صراع العماء مقابل الكلمة الآمرة)
تقوم الفلسفة البابلية للبدء على فكرة "صراع العماء"؛ حيث النظام لا يولد إلا من رحم العنف. الإله "مردوخ" يقتل "تيامة" (رمز الفوضى)، يشق جسدها كسمكة مجففة، ويجعل نصفها سماءً ونصفها أرضاً. هذا يعني أن الكون في جوهره "مادة إلهية ميتة" أُعيد تدويرها قسرياً. وبحسب بول ريكور في كتابه "رمزية الشر"، فإن هذا النموذج يجعل "العنف" عنصراً وجودياً أصيلاً في استقرار الكون (ريكور، 1967).
في المقابل، يقدم سفر التكوين "خلقاً هادئاً"؛ الله لا يقاتل المادة، بل يأمرها. عبارة "ليكن نور" ليست صرخة حرب، بل هي تجلٍ للإرادة المنظمة. إن استقرار الكون في الرؤية التوراتية لا يعتمد على انتصار عسكري إلهي دائم، بل على "كلمة" ثابتة وقوانين كونية أرساها الخالق منذ البداية، مما يحول المادة من "جثة إله مهزوم" إلى "خليقة حسنة".
علّة الوجود (بين الضرورة المصلحية والإفاضة الإرادية)
عند الانتقال إلى اللحظة التي يقرر فيها الخالق إيجاد الإنسان، نلمس التباين الأكبر في "الموجبات":
في "إينوما إيليش": يظهر خلق الإنسان كـ "خاطرة متأخرة" أو حل لمشكلة عمالية واجهت الآلهة. بدأت القصة بتذمر الآلهة الصغرى (الأنوناكي) من ثقل العمل الشاق في حفر القنوات، مما دفع الإله "إنكي" لاقتراح خلق كائن جديد يحمل "نير الآلهة" لكي "ترتاح الآلهة". الإنسان هنا هو "بديل" وظيفي، ووجوده ضرورة لاستقرار النظام من زاوية مصلحية؛ فبدون العمل الإنساني، ستتمرد الآلهة مجدداً وتعود الفوضى (صموئيل كريمر، 1971).
في سفر التكوين: موجب الخلق ليس حاجة أو نقصاً لدى الإله، بل هو فيض من الإرادة والحرية. الله في التصور العبري منزه عن التعب، وبالتالي لم يُخلق الإنسان ليمد الخالق بالقوت. يُخلق الإنسان في نهاية أيام الخلق كـ "تاج للخليقة"، ويُمنح السيادة والبركة. الوجود الإنساني هنا هو "تبرير لذاته" ضمن مشروع يهدف للتواصل مع كائن صُنع "على صورة الله ومثاله".
مادة التكوين (وجاهة "دم كينغو" وواقعية الشر)
تكتسب الأسطورة البابلية وجاهتها الوجودية من كونها تضع "العنف" في صلب المادة المكونة للإنسان. ففي الملحمة، لم يُخلق الإنسان من مادة محايدة، بل من دم الإله "كينغو" (قائد جيوش الفوضى)، مما يجعل الميل للتمرد والعدوانية "بذرة تكوينية" في الجبلّة البشرية.
هنا تبرز مفارقة فلسفية: إذا كان المبتدأ (المادة) ملوثاً بالعنف، فإن الخبر (التاريخ) سيكون دموياً بالضرورة. هذا يجعل التوحش البشري في التاريخ ليس "انحرافاً" بل "تحقيقاً للطبيعة الأصلية". أما في التوراة، فالإنسان يُخلق من "تراب" ونفخة إلهية، مما يجعل شره "خياراً أخلاقياً" طارئاً وليس قدراً مادياً. يرى الفيلسوف ميرسيا إلياد أن هذا يحمل الإنسان مسؤولية أخلاقية ثقيلة، لأن الشر هنا ليس "جينياً" بل هو "سقوط" من مرتبة الكمال الممكنة (إلياد، 1987).
السيادة المستلبة (الاستخلاف مقابل "ماكينة الطقوس")
تشير التحليلات الحديثة، مثل رؤية وائل حلاق في "الدولة المستحيلة"، إلى أن الإنسان عبر التاريخ غالباً ما استبدل "السيادة الإلهية" (التي تقتضي العدل والرحمة) بـ "سيادة الأنا" أو "سيادة الدولة". هذا التحول هو في جوهره "نقض" لصفة الاستخلاف؛ لأن الخليفة في الفلسفة الدينية هو "ظل" للخالق وليس "بدلاً" عنه.
وعندما يتحول الإنسان إلى "ترس في ماكينة الطقوس"، فإنه يعود فعلياً إلى "النموذج البابلي" للعبودية المقنعة. الطقوس في المنظور السومري كانت "صيانة كونية" إجبارية لإطعام الآلهة الجائعة، بينما في المنظور التوحيدي ينبغي أن تكون وسيلة لتحقيق "العدل". النكوص التاريخي حوّل العبادة إلى غاية وظيفية ميكانيكية تهدف لتجنب الغضب الغيبي، وهو ما يتفق مع نقد نيتشه للأديان التاريخية التي رأى فيها وسيلة لترسيخ "أخلاق العبيد".
صراع "الترس" و"الوكيل"
نخلص إلى أن التاريخ البشري ليس "سيرة استخلاف" ناجحة، بل هو صراع مرير للهروب من عبودية المادة (دم كينغو) نحو حرية الروح (نفخة الخالق). الرؤية البابلية (الواقعية المظلمة) هي الأكثر قدرة على تفسير دموية التاريخ كما هو، بينما الرؤية التوراتية/الإبراهيمية (المثالية الخطرة) هي الأكثر قدرة على رسم ما "ينبغي أن يكون".
بين "الضرورة الميكانيكية" و"التبرير الغائي"، تظل الكرامة البشرية معلقة؛ فالواقع يثبت أن الإنسان يفضل غالباً أن يكون "ترساً" في نظام قمعي يهرب فيه من مسؤولية الحرية، على أن يكون "وكيلاً أخلاقياً" يمارس الرحمة والتدبير.
***
غالب المسعودي
........................
مراجع مقترحة
آرمسترونغ، كارين (2015). تاريخ اللورد: البحث في 4000 عام من العهد القديم والجديد. ترجمة: فاضل لفتة، دار التنوير.
باقر، طه (2006). ملحمة كلكامش وقصص أخرى من التراث الرافدي. دار المدى.
حلاق، وائل (2014). الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
ريكور، بول (1967). رمزية الشر. ترجمة مراجعة، منشورات النور.
كريمر، صموئيل نوح (1971). من ألواح سومر. ترجمة: طه باقر، مكتبة المثنى.
إلياد، ميرسيا (1987). أسطورة العود الأبدي. ترجمة: نهاد خياطة، دار الحداثة.
سفر التكوين. الكتاب المقدس (العهد القديم)، نسخة الفاندايك.






