قضايا

علي الخطيب: المرأة بين الدين والفلسفة: تكريم واحد بلغة مختلفة

مع حلول اليوم العالمي للمرأة في 8 مارس من كل عام، أجد نفسي مجددًا أمام التساؤل نفسه حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع، وهو نقاش يتكرر عامًا بعد عام، وغالبًا ما يظن البعض وجود تعارض بين الدين والفلسفة في النظر إلى المرأة؛ فالبعض يرى أن الدين يقيّد حريتها بينما تدافع الفلسفة عن استقلاليتها. ومن خلال البحث والتأمل في النصوص الدينية والتراث الفلسفي، أصبح واضحًا لي أن هذا التعارض في الغالب ظاهري، إذ يؤكد كلا المجالين – كلٌّ بطريقته – على قيمة المرأة وكرامتها الإنسانية، وما أحاول دائمًا أن أبرزه هنا هو أن هذه القيم المشتركة تشكل جسرًا يربط بين الدين والفلسفة بدل أن يفرقهما، وهو ما يجعل الحوار بينهما فرصة لفهم أعمق لدور المرأة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الدين والفلسفة لا يتصارعان، بل يلتقيان عند فكرة جوهرية واحدة، وهي أن المرأة إنسان كامل الكرامة والفاعلية في المجتمع، وأن كرامتها لا تحددها جنسيتها، بل إنسانيتها وما تضيفه من أدوار فاعلة ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وتأكيدًا لذلك، عندما أتأمل النصوص الدينية بعيدًا عن التأويلات الاجتماعية، أجد أنها وضعت أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، وهو ما يظهر من خلال الرؤية الإسلامية التي تقوم العلاقة فيها بين الرجل والمرأة على التكامل لا الصراع، فالقرآن الكريم يصف هذه العلاقة بقوله تعالى "﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ"﴾ (البقرة: 187)، وهذه الصورة الرمزية العميقة تشير إلى القرب، الحماية، والتكامل، وليس إلى الهيمنة أو التفوق.

ولا يخفى على الباحث أن النص الديني يربط الكرامة الإنسانية بالتقوى والعمل لا بالجنس، كما يظهر في قوله تعالى﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ (آل عمران195) ، ومن خلال دراسة التاريخ، أرى أن هذا المبدأ تجسّد عمليًا في حياة نساء بارزات، مثل السيدة خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، سيدة الأعمال التي دعمت الدعوة بمالها وثقتها، والسيدة عائشة بنت أبي بكر ،رضي الله عنها ، التي كان الصحابة يرجعون إلى علمها في كثير من المسائل، والسيدة مريم العذراء عليها السلام، ، التي خصص القرآن الكريم لها سورة كاملة تقديرًا لطهارتها وإيمانها. وهذه الأمثلة تؤكد لي أن المرأة في التصور الديني كانت فاعلة في الاقتصاد، العلم، والإيمان، وليس مجرد موضوع للنظرية أو التأويل، وهو ما يجعل فهم الدين من منظور الباحث أمرًا يعزز احترام دور المرأة وفاعليتها.

ومثلما أجد أن الدين يقدّم أساسًا واضحًا لكرامة المرأة، فإن الفلسفة ناقشت هذه القضية ضمن إطار أوسع: ما الإنسان؟ وما حقوقه وكرامته؟ صحيح أن بعض الفلاسفة القدماء مثل أرسطو تبنوا تصورات محدودة مرتبطة بثقافة عصرهم، لكن الفكر الفلسفي تطور لاحقًا ليؤكد مبدأ المساواة الإنسانية، ومن خلال دراستي للفلسفة الحديثة والمعاصرة، أرى أن هناك بعض الفيلسوفات – رغم تحفظي لهن في بعض المواطن – مثل ماري وولستونكرافت التي أكدت أن المرأة ليست أقل عقلًا من الرجل، لكنها حُرمت تاريخيًا من التعليم، بينما أشارت سيمون دي بوفوار في القرن العشرين إلى أن القيود التي تعيق المرأة ليست طبيعية، بل صنعها المجتمع. وهنا، أجد أن الفلسفة لا تهاجم الدين، بل تطرح سؤالًا محوريًا يحتاج الباحث للتأمل فيه: هل المشكلة في النصوص أم في فهم البشر لها؟ ومن هذا السؤال ينطلق الحوار الحقيقي بين الدين والفلسفة، ليصبح البحث في مكانة المرأة مسألة مشتركة لا متعارضة، ويتيح لنا كباحثين فرصة لفهم أعمق للكرامة الإنسانية.

وأرى أن الدين والفلسفة يلتقيان عمليًا في ثلاث محاور رئيسة تتداخل في حياتنا اليومية؛ أولًا، الكرامة الإنسانية، فكلاهما يؤكد علي أن المرأة إنسان كامل القيمة والحقوق. ثانيًا، المسؤولية الأخلاقية، فالمرأة مثل الرجل مسؤولة أخلاقيًا عن أفعالها، ولا يمكن تجاهل دورها في صنع القرارات. وثالثًا، الدور الاجتماعي، إذ أن المجتمع لا ينهض إلا بمشاركة المرأة في جميع مجالات الحياة. ومن خلال هذا الفهم، أستطيع أن أقول بثقة إن هذه النقاط ليست مجرد مبادئ نظرية، بل تمثل جسرًا يربط بين الرؤية الدينية والفلسفية، ويحوّل الحوار من صراع افتراضي إلى تأمل مشترك حول الإنسانية، وهو ما ينعكس على واقعنا اليومي.

وعندما أبتعد قليلًا عن الكتب والنصوص النظرية وأتأمل واقعنا اليومي، أرى هذه الحقيقة تتجسد أمام أعيننا من خلال الأم العاملة التي توازن بين عملها ورعاية أبنائها، والتي تمثل نموذج التضحية الإنسانية، والطبيبة التي تسهر في المستشفى لإنقاذ المرضى وتؤدي رسالة إنسانية لا تقل عن أي رجل، والمعلمة التي تصنع عقول الأجيال القادمة وتؤثر في المجتمع ربما أكثر من كثير من السياسيين. كما أن كثيرًا من الرجال العظماء يعترفون بأن سر قوتهم كان امرأة في حياتهم: أم، أو زوجة، أو معلمة. ومن خلال متابعتي وملاحظاتي، أجد أن هذه الأمثلة اليومية تؤكد ما جاء في النصوص الدينية والفلسفية على حد سواء، وهو ما يجعل فهمي كباحث أعمق وأوضح لدور المرأة في المجتمع.

وفي النهاية، أرى أن اليوم العالمي للمرأة ليس مجرد احتفال رمزي، بل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في دور المرأة في مجتمعنا. ومن خلال قراءة متأنية للنصوص الدينية والفلسفية، يمكننا أن نرى بوضوح أن كليهما – رغم اختلاف اللغة والمنهج – يلتقيان في تقدير المرأة واحترام إنسانيتها. وبناءً على هذا الرأي الذي توصلت إليه بعد بحث مستمر، أؤكد أن القضية ليست في النصوص الدينية أو الأفكار الفلسفية بحد ذاتها، بل في الوعي الاجتماعي الذي يفسرها ويطبقها. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي المدرسة الأولى التي يصنع فيها المجتمع كله، والدفاع عن كرامتها ليس مجرد موقف أيديولوجي، بل دفاع عن الإنسان ذاته.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب جامعة المنيا

في المثقف اليوم