قضايا
أمين اليافعي: متاهة الغائيات المتنازعة.. قراءة في احتضار "الإنسان التاريخي"
تُمثل الرؤية الفلسفية للتاريخ، في عمقها، صراعاً بين الغائية والعدمية، حيث لا تُفهم الحروب والتحولات السياسية إلا بوصفها أدوات في يد "العقل الكلي" أو الضرورة التاريخية للوصول إلى نقطة النهاية، والتاريخ ليس تتابعاً عشوائياً للوقائع، بل هو سيرورة غائية تتحرك بثبات وإصرار نحو نهاية سعيدة مستقرة محددة. إن التاريخ، كما صوره هيغل، هو مسيرة الروح نحو الوعي بالحرية، لكن هذه المسيرة لا تخلو من العنف؛ فالنزاع عنده وسيلةٌ لمنع ركود "الصحة الأخلاقية" للأمم، والحرب هي "الرياح التي تحفظ مياه البحار من التعفن"، وهي المحرك الذي يكسر جمود الأنماط السياسية المتهالكة ليفسح المجال لأنماط أكثر نضجاً. ومن هذا المنطلق، نجد أن كل إيديولوجيا كبرى حاولت صياغة تصورها الخاص عن "نهاية التاريخ" وعن "الإنسان الأخير" الذي سيسود في تلك النهاية، محولةً الصراع المادي إلى ملحمة غائية تمنح السلطة السياسية شرعية مطلقة ومفارقة للزمن (كما هو الحال أيضاً في التصور الماركسي الذي يرى في البروليتاريا "الإنسان الأخير" الذي سيحرر البشرية من جميع قيود هيمنتها).
غير أن هذا الصراع المادي والفكري لا يلبث أن يتحول في الأيديولوجيات الثيولوجية المعاصرة، مثل نظام "ولي الفقيه"، إلى أداة لشرعنة السلطة السياسية عبر ابتكار فكرة "تمهيد الظروف" لظهور الإمام الغائب، وبذلك ربط الزمن السياسي العابر بالزمن المقدس. هنا، لا تعود السلطة مجرد إدارة للشأن العام، بل تتحول إلى أداة إيديولوجية تحشد كل جهودها لتحقيق نهاية التاريخ المنشودة. وفي هذا السياق، تخرج فكرة "المهدي" من حيز الانتظار الميتافيزيقي السلبي لتصبح قوة مفارقة تمنح المشروعية لسيادة سياسية مطلقة، تهدف في جوهرها إلى تمكين "الشيعي الأخير" كنموذج للإنسان الذي يسود في نهاية التاريخ، حيث تُختزل وعود "انتشار العدل والقسط" في انتصار أيديولوجي ساحق يقضي على جميع الخصوم، ويُثبّت دعائم سلطة دنيوية بسياج ديني/مذهبي غليظ.
هذا الربط بين السلطة والنهاية التاريخية يتقاطع أيضاً مع أطروحة فرانسيس فوكوياما الشهيرة حول "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وإن اختلفت الغايات؛ فبينما يرى فوكوياما أن الديمقراطية الليبرالية هي المصب النهائي للتطور الأيديولوجي، ترى الأنظمة الدينية الإيديولوجية أن النهاية لا تتحقق إلا بانتصار "الحق المطلق" الذي تمثله. وفي كلتا الحالتين، تبرز الحرب كأداة ضرورية لهذا التحول؛ فالحروب لا تغير الخرائط الجغرافية فحسب، بل تعيد صياغة "الهوية الثقافية" للمجتمعات بما يتوافق مع النموذج المنشود للنهاية. إن الانتقال من "مجتمع الحرب" إلى "مجتمع الانتظار" أو "مجتمع التمكين" يتطلب تدمير البنى القائمة/القديمة، وهو ما يفسر كيف تسرّع الأزمات والحروب من وتيرة الابتكار التقني والعسكري، ليس حباً في العلم، بل رغبة في امتلاك أدوات "الحسم التاريخي" التي تسبق لحظة السيادة المطلقة.
من ناحية أخرى، تضعنا هذه التصورات أمام معضلة "موت الإنسان" التي طرحتها فلسفات ما بعد الحداثة؛ فإذا كان التاريخ يتحرك نحو نموذج محدد سلفاً (سواء كان الليبرالي الأخير، البروليتاري الأخير، أو الشيعي الأخير)، فإن الإنسان الفردي يذوب في إطار المنظومة التي تفرضها تلك الإيديولوجيات. يصبح الإنسان هنا مجرد وظيفة في محرك التاريخ، وتتحول هويته إلى مجرد انعكاس للغائية الكبرى. إن "الإنسان الأخير" الذي يسعى للراحة في ظل نظام عالمي مستقر (عند فوكوياما) أو الذي يسود تحت راية الحق المطلق (حسب الرؤى الدينية)، هو إنسان انتهى صراعه الوجودي، وبالتالي فقد جوهره القائم على التجاوز المستمر.
في ظل هذا التطور التقني المتسارع الذي يسعى لتحقيق "الألوهية التقنية" أو لحظة "التفرد" (Singularity)، تفوق الآلة على البشر، يبرز تساؤل فلسفي حرج حول قدرة الرموز الميتافيزيقية التاريخية على الصمود؛ فإذا كان نظام "ولي الفقيه" يعتمد على الإمام الغائب كقوة تمكين نهائية، فإن ظهور هذا الإمام في عالم محكوم بخوارزميات الذكاء الاصطناعي والرقابة البيومترية الشاملة والأسلحة الفائقة يطرح إشكالية "الحماية والفاعلية". هل تملك القوة الميتافيزيقية (المفارقة) القدرة على حماية نفسها أو فرض سيادتها في بيئة تجاوزت فيها الفيزياء والتقنية حدود الإدراك البشري؟ إن "الشيعي الأخير" الذي يطمح للسيادة المطلقة قد يجد نفسه في مواجهة "الإنسان الآلي الأخير" أو "الوعي الرقمي" الذي لا يعترف بالحدود الهوياتية أو العقائدية، مما يجعل التاريخ ينتهي ليس بانتصار فئة على أخرى، بل بذوبان الهوية البشرية برمتها في صهر التقنية.
إن التاريخ، وفق هذه القراءة التركيبية، ليس صعوداً خطياً نحو "نور العدل"، بل هو صراع إرادات تسعى لفرض نموذجها المنشود قبل أن تبتلعها دوامة التطور التقني. وبينما تحاول الأيديولوجيات الدينية تسييس الميتافيزيقا لخدمة السلطة، تمضي ما بعد الإنسانية (Post-humanism) والترانس-إنسانية (Transhumanism) في تفكيك الجسد والروح معاً. وإذا كان مفهوم "الإنسان" اختراعاً حديثاً ناتجاً عن ترتيب معرفي محدد، فإن الانفجار التقني الراهن يهدد بمحو هذا الإنسان لصالح كيان "ما بعد إنساني". إن الانتقال من الصراع السياسي الأيديولوجي إلى الصراع البيولوجي-تقني يطرح معضلة أنطولوجية كبرى؛ فمع ظهور الذكاء الاصطناعي الفائق والهندسة الوراثية التي تتجاوز الحدود العضوية، تصبح التقنية هي "الروح المطلقة" الجديدة التي تعيد تشكيل الوجود. هنا، يتحول الإنسان إلى كيان هجين أو وعي رقمي متحرر من الفناء والهشاشة، مما ينهي مفهوم "الإنسان" بالمعنى الفلسفي التقليدي القائم على المعاناة والصيرورة والزمن. وفي المحصلة، تظل نهاية التاريخ معلقة بين وعدٍ بتمكين "مؤمن أخير" وبين واقعٍ يفرض "آلة أخيرة"، مما يترك الإنسان المعاصر في برزخ قلقٍ عاتٍ بين إرثٍ يسعى لتمجيده وتقنيةٍ تهدد بمحوه تماماً.
***
أمين اليافعي
٤ مارس ٢٠٢٦






