عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

نبيل عيدو: اقتصاد الانتباه.. من يكسب ومن يدفع الثمن؟

لم يسبق للإنسان أن امتلك هذا القدر من الحرية التقنية التي تتيح له إنجاز ما كان يتطلب شهوراً من العمل في وقت قصير قد لا يتجاوز ساعات محدودة، ومع ذلك يتشكل مشهد معاصر يبدو فيه الإنسان أكثر انشغالاً وضيقاً في الوقت وأقل قدرة على التركيز والبناء طويل المدى، فتظهر مفارقة عميقة تكشف عن فجوة بين ما توفره الأدوات وما يعيشه الوعي فعلياً في يومه العادي.

الهواتف أصبحت جزءاً ملازماً للحضور اليومي، ترافق اليد والنظر والانتباه في معظم اللحظات، ومع هذا التدفق الهائل للمعرفة الذي لم يكن متاحاً في أي زمن سابق، تتراجع القدرة على العمل العميق ويتقلص مجال الانتباه تدريجياً، ويتحول التشتت إلى حالة ممتدة تتجاوز العمل لتصل إلى العلاقات نفسها، حيث يصبح الحضور الجسدي منفصلاً عن الحضور الذهني في كثير من التفاعلات.

يمكن ملاحظة ذلك بسهولة في مواقف يومية بسيطة، حيث يدور حوار بين شخصين بينما ينشغل أحدهما بشاشة هاتفه، يرفع نظره بين الحين والآخر في محاولة شكلية للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل، بينما يبقى انتباهه موزعاً ومشدوداً نحو ما يحدث داخل الشاشة، فتظهر نظرة غير مستقرة تعكس غياب الارتباط الحقيقي باللحظة، ويصبح الحوار أقرب إلى إجراء اجتماعي منه إلى تجربة إنسانية مكتملة.

هذا المشهد لا يرتبط بضعف الإرادة الفردية بقدر ما يعكس تحولاً أعمق في طريقة عمل الانتباه نفسه، حيث لم يعد الانتباه مورداً يُدار بشكل تلقائي كما في السابق، بل أصبح ساحة تنافس مستمر بين قوى متعددة تعمل على اجتذابه وتفتيته، مما يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان ووقته، وبين ما يختار أن يمنحه حضوره وما يُسحب منه دون وعي مباشر.

تتجسد هذه الفكرة بصورة بصرية معبرة لرجل يقف خلف قضبان، يمد يده نحو هاتف ملقى على الأرض بينما يستقر مفتاح زنزانته بالقرب منه دون أن يلتفت إليه، في مشهد بسيط يحمل دلالة عميقة على حالة ذهنية معاصرة حيث يتقدم الإشباع الفوري على إمكانيات التحرر بعيدة المدى، ويصبح الانجذاب نحو ما يمنح لذة سريعة أقوى من الانتباه لما يفتح أفقاً أوسع للحياة.2666 nabil

التحول الذي نعيشه يتجاوز الأدوات إلى البنية المعرفية نفسها، ففي عصور سابقة كانت أشكال السيطرة واضحة ومباشرة وتقوم على المنع والتقييد الصريح، أما في السياق الحالي فتظهر آليات أكثر نعومة وتعقيداً، حيث يظل الباب مفتوحاً أمام القراءة والتفكير والعمل العميق، بينما يتبدد الوقت تدريجياً داخل مسارات صغيرة متفرقة تستنزف القدرة على التركيز دون أن يشعر الفرد بأنه فقد سيطرته.

في هذا الإطار يظهر ما يعرف باقتصاد الانتباه بوصفه أحد أهم النماذج التي تفسر ما يحدث، حيث تتحول كل لحظة يقضيها الإنسان داخل المنصات الرقمية إلى قيمة قابلة للقياس والاستثمار، ويتم تحليل السلوك وتوجيهه بشكل مستمر بهدف إبقاء الانتباه داخل دائرة التفاعل، ومع هذا التراكم يصبح الاستخدام اليومي جزءاً من نظام أوسع يعمل على إعادة تشكيل العادات الذهنية وأنماط التركيز.

لا يدفع المستخدم مقابلاً مادياً مباشراً لهذه الخدمات، إلا أن المقابل الفعلي يتمثل في استهلاك مورد أكثر قيمة من المال نفسه، وهو الانتباه بما يحمله من قدرة على الفهم والبناء والتجربة، حيث يتم توزيعه على مساحات متعددة بشكل متقطع، فيفقد عمقه تدريجياً وتضعف قدرته على إنتاج معنى متماسك داخل الحياة اليومية.

في هذا السياق يتشكل التشتت بوصفه نتيجة طبيعية لبنية متكاملة تعمل في الخلفية، وليس كحالة فردية يمكن تفسيرها بضعف الإرادة أو خلل شخصي عابر، إذ إن الدماغ البشري مهيأ منذ نشأته الأولى للبحث عن المكافآت السريعة بوصفها وسيلة فعالة للبقاء في بيئات كانت الموارد فيها محدودة وتتطلب استجابة فورية للفرص، ومع انتقال الإنسان إلى بيئة حديثة فائقة المحفزات ومشبعة بالمثيرات الرقمية، يتحول هذا التكيف القديم إلى نقطة ضغط مستمرة تستنزف الانتباه بدلاً من أن تحميه.

الإشباع الفوري يعمل عبر دوائر عصبية ترتبط بمادة الدوبامين، حيث تتغذى هذه الدوائر على الإشعارات المفاجئة والمقاطع القصيرة والجدل السريع الذي يتدفق بلا توقف، فتُضخ جرعات صغيرة ومتكررة من التحفيز يسهل الوصول إليها دون حاجة إلى جهد ذهني عميق أو صبر طويل، ومع هذا التكرار يصبح العقل مبرمجاً على استقبال المتعة في شكلها السريع والمجزأ، مما يعيد تشكيل استجابته لما هو أبطأ أو أكثر تعقيداً.

على المدى القريب يبدو هذا النمط خفيف الأثر، وكأنه مجرد فترات استراحة قصيرة تمنح قدراً من الترفيه أو التخفف الذهني، إلا أن الامتداد الزمني يكشف عن تحول أعمق يتسلل إلى بنية الإدراك نفسها، حيث يعتاد العقل على الإيقاع السريع والتغير المستمر والتنقل اللحظي بين الأفكار دون استقرار، ومع هذا الاعتياد تبدأ القدرة على التركيز الطويل في التراجع التدريجي، ويصبح البقاء داخل مهمة واحدة لفترة ممتدة أمراً مرهقاً يتطلب جهداً غير معتاد.

تظهر الخطورة بشكل أوضح في الحالات التي لا تحمل ملامح الإدمان التقليدي، حيث قد يقضي الفرد وقتاً محدوداً نسبياً على المنصات الرقمية ويحتفظ بانطباع داخلي بأنه يدير وقته بشكل مقبول، إلا أنه يواجه صعوبة حقيقية عند محاولة الدخول في عمل يتطلب ساعتين من الانتباه المتواصل والهدوء الذهني، وهنا يتضح أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد الساعات بقدر ما تتعلق بطبيعة الانتباه نفسه الذي تعرض لإعادة تشكيل غير مرئية.

هذا التحول البنيوي يمنح العقل مساحة واسعة لتبرير الحالة، حيث يتمسك الفرد بفكرة أنه ما زال ضمن حدود زمنية معقولة، ويستخدم ذلك كدليل على السيطرة، بينما في العمق يكون نمط الانتباه قد تغير بشكل جوهري، وتكون القدرة على الإنجاز العميق قد تآكلت تدريجياً دون ملاحظة مباشرة، فيتحول الوقت المتاح إلى مساحة غير مستثمرة بالكامل لأن الأداة التي تمنحه قيمته الفعلية، وهي الانتباه المركز، لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها.

***

الكاتب نبيل عيدو

......................

* الرسم مولد بالذكاء الصناعي