قضايا
أكرم عثمان: رمضان.. حين يعيد الإنسان صناعة نفسه
ليس رمضان شهراً عابراً في تقويم الأيام، بل هو محطة سنوية لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. إنه ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو إعادة ترتيب للأولويات، وضبط للإيقاع الداخلي، ومراجعة شاملة للعادات والسلوكيات والأفكار والمشاعر. في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتزداد فيه الضغوط، يأتي رمضان كمساحة هادئة يعيد فيها الإنسان اكتشاف ذاته، وصناعة نفسه وتشكيلها ويتصالح مع روحه، ويستأنف رحلته نحو الأفضل والأميز.
حين نتأمل طبيعة هذا الشهر نجد أنه يحمل في جوهره فلسفة التغيير العميق وترك عتبة الماضي وهفواته وأخطائه. فالإنسان الذي يستطيع أن يمتنع ساعات طويلة عن المباحات بدافع الإيمان والانضباط، قادر على أن يمتنع عن السلوكيات السلبية والعادات الضارة التي لا تنفعه وتتسب في بعده عن خالقه، إذا امتلك الوعي والعزيمة والإصرار على التغيير. الصيام تدريب عملي على الإرادة، وإعادة برمجة للسلوك، وتعويد للنفس على ضبط الرغبات وتأجيل الإشباع، وهذه في علم النفس من أهم ركائز بناء الشخصية المتوازنة.
إن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا يفرض من الآخرين، بل ينبع من الداخل الحي والنابض في النفوس التواقه للتجديد والتطوير وبناء الذات الإيجابية التي تتطلع للأحسن والأجود في حياتها. كثيرون يحلمون بتغيير العالم من حولهم، لكنهم يغفلون عن أبسط وأصعب مهمة: تغيير أنفسهم وصقلها بكل نافع وخير. والقرآن الكريم يضع القاعدة الحاسمة حين يقول: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ الرعد :1، فكل تحول جماعي سبقه تحول فردي، وكل نهضة اجتماعية انطلقت من يقظة داخلية صادقة وشفافة. رمضان يمنحنا هذه اليقظة وبناء حالة من الوعي، ويوقظ فينا الشعور بالمسؤولية تجاه الذات قبل المجتمع الذي يكون مجموعنا وجماعاتنا.
في هذا الشهر تتجلى قوة الإرادة بصورة عملية يومية. الإنسان الذي كان يظن أنه لا يستطيع ترك عادة معينة يكتشف أنه قادر على ضبطها وتأجيلها لساعات طويلة دون جزع أو وجل. فالمدخن يمتنع، والغاضب يكظم غيظه، والمندفع يهدأ ولا يتهور، والمتكاسل ينهض لصلاة الفجر وقيام الليل دون تسويف أو أعذار وتأجيل. هذه ليست طقوساً شكلية عابرة، بل رسائل يومية يبعثها الإنسان إلى عقله الباطن مفادها أنه يملك القدرة على التحكم في ذاته. والسيطرة على ضعفها وهوانها بيقظة إيمانية تعبء نفسه بكل معاني القوة والمنعة لكسب الخير والأجر العظيم في هذا الشهر الفضيل ومع التكرار اليومي تتشكل قناعات جديدة، وتزرع بذور عادات مختلفة، وتتأصل سلوكيات رائعة وعظيمة، ويبدأ مسار داخلي جديد يتعمق شيئاً فشيئاً.
رمضان أيضاً مدرسة في إعادة تعريف النجاح. فالنجاح ليس في كثرة الإنجاز المادي فحسب، بل في القدرة على تهذيب النفس، وضبط اللسان، وتطهير القلب من الحسد والضغينة، وبناء علاقة أكثر صفاء وقرباً مع الله عز وجل ومن ثم مع الناس. الصائم الحقيقي لا يصوم عن الطعام فقط، بل يصوم عن الأذى والشر، عن الكلمة الجارحة المؤذية، عن تجنب النظرة المتعالية التي تتسم بالتواضع وحسن الخلق، وعن السلوك الذي يجرح إنسانية الآخرين، بل يثبت إنسانية التعامل وأخلاقية التصرف الحسن. في هذه المساحة الروحية يتعلم الإنسان أن قيمة وجوده تتجاوز مصالحه الشخصية والآنية، وأن صفاء القلب أعظم من أي مكسب عابر وسريع.
ومع كل ليلة قيام، وكل لحظة دعاء، تتعزز في النفس مشاعر الأمل وحسن الظن بالله. حين يؤمن الإنسان أن الله قريب، يسمع دعاءه، ويعلم ضعفه وهوانه، ويكافئ محاولاته وسبر الخطى إليه، فإن ذلك يمنحه طاقة نفسية هائلة للاستمرار وعدم اليأس أو القنوط. حسن الظن بالله ليس شعوراً عاطفياً مجرداً، بل هو قوة دافعة تحرك الإنسان ليحاول مرة أخرى، ويستغفر بعد الزلة وخطأ يرتبكه، ويواصل الطريق بعد العثرة والإنزلاق. وهنا يتحول التغيير من مشروع مؤقت إلى أسلوب حياة دائم ومتجدد.
غير أن أعظم ما في رمضان أنه يكشف للإنسان حقيقته وذاته. يكشف له مواطن ضعفه فيعالجها، ويظهر له جوانب قوته فينميها ويثري وجودها وحضورها. يجعله يكتشف أنه ليس أسيراً لعاداته كما كان يظن، بل قادراً على إعادة تشكيلها وبناء قوتها وعظمة حضوره ووجوده. ومع مرور الأيام تتكون صورة جديدة للذات، صورة أكثر انضباطاً، أكثر وعياً، وأكثر صفاء وجمالاً. وإذا أحسن الإنسان استثمار هذه الأيام في شهر الصيام، فإنه لا يخرج منها كما دخل، بل يخرج بنسخة أكثر نضجاً واتزاناً وتغيراً.
فالتغيير في رمضان ليس هدفه أن نكون مختلفين لمدة شهر، بل أن نؤسس لمرحلة جديدة تستمر بعده. فالقضية ليست أن نعيش أجواء إيمانية مؤقتة، بل تستمر إيمانيتنا دوماً وتشع نوراً وضياءاً، وأن نكتسب مهارات دائمة في إدارة الذات، وضبط الانفعالات، وتنظيم الوقت، وترتيب الأولويات. عندما يتحول الصيام إلى وعي، والقيام إلى طاقة روحية، والذكر إلى سكينة داخلية وصفاء الروح، فإن الإنسان يعيد صناعة نفسه على أسس أكثر رسوخاً ومتانة وقوة.
في نهاية المطاف، رمضان ليس مجرد موسم للعبادة فحسب، بل هو موسم لإعادة كتابة قصة حياتنا. هو فرصة لنراجع مسارنا، ونحدد رؤيتنا، ونسأل أنفسنا بصدق: من أريد أن أكون بعد هذا الشهر؟ فإذا كانت الإجابة واضحة، وكانت النية صادقة، وكانت المحاولة مستمرة، فإن التغيير يصبح واقعاً لا حلماً.
رمضان يعيد إلينا الإيمان بأننا نستطيع. نتمكن أن نترك ما يضعفنا، وأن نتمسك بما يرفعنا ويجل خطواتنا ومسارنا، وأن نبدأ من جديد مهما تراكمت الأخطاء والزلات. إنه شهر لا يغير التقويم فقط، بل يغير الإنسان ذاته، ويمنحه فرصة حقيقية ليولد من جديد أكثر وعياً، وأكثر نقاء، وأكثر قرباً من الله عز وجل.
***
د. أكرم عثمان
1-3-2026






