قضايا
بتول فاروق: كم يكلفني من وقت لأكتب مقالة وكم يكلفني من وقت لأطبخ؟
(مقالة عن "اللاشيء" الذي تقوم به النساء..)
"كم يكلفني من وقت لأكتب مقالة، أو بحثا، وكم يكلفني من وقت لأطبخ، وأنظف، وأقوم بالأعمال الرعائية المنزلية اليومية؟"
هذا السؤال سألته صديقتي (مريم) على نفسها - وهي كاتبة محترفة - أثناء انهماكها في إعداد وجبة فطور، مع ترتيب فوضى المطبخ على استعجال، لتعود لإكمال مقالة بدأت بها؟
تقول " كان بأمكاني أن أكتب مقالة بأقل من ست ساعات عمل -على أدنى تقدير-أقضيها يوميا في المطبخ والبيت في عمل رعائي لا ينتهي.
هي أم وربة منزل كما هي عاملة بوظيفة كاملة، تكتب المقالات والبحوث، وتجد أن وقت كتابة المقالات لا تستغرق وقتا أطول من أعمال المنزل المرهقة والطويلة واليومية والروتينية.
تقول : "في المقالات يُذيل أسمي عليها، وستنشر هكذا، وتبقى خالدة تعبر عن رأيي في لحظة ما، في موضوع ما"، فالمقالة لها زمن محدد في الإنجاز، ولها قيمة معرفية ورمزية باقية، أما الأعمال الرعائية، الطبخ والتنظيف ورعاية الصغار وكبار السن فلها زمن مفتوح لاينتهي، يتكرر يوميا كعقارب الساعة، يبتلع الزمن ويستهلك الجسد والعاطفة، والأكثر من ذلك أن أثره يختفي بمجرد أنجازه.
أننا نُقسر تحت سلطة الأمر الواقع، أن نقوم بأعمال لاتعود بالنفع المباشرعلينا، نقوم بها إحساسا بالواجب تجاه أسرنا، وحبا بها، لكن العالم الذي نعيشه لايقدّر هذا العمل ويعتبره لاشيء . لا ينسب لنا شيء داخل هذه الأسرة، ويعدّه المجتمع واجبا طبيعيا لايحتاج الى نقاش، ويسجل كل شيء بأسم الآخر، الذي يُنظر لعمله ويوثق بشكل دقيق جدا حماية له من الهدر!.
ما يمنحنا الحضور هو العمل الذي يستهلك وقتا أقل، أما الذي يستهلك وقتا أكبر هو الذي يعامل كأنه لاشيء، فطالما حملت الأدبيات الدينية والاجتماعية فكرة كون الرجل هو المنفق الوحيد في الأسرة(سواء التي تكون زوجته ربة منزل تعمل ليل نهار فيه، أو عاملة بأجور)، فأعطي الأعتراف للعمل الواضح المرئي والمأجور، أما عمل المرأة فقد عومل ك " لاشيء" فضاع وتلاشى، في مفارقة غريبة أنطلت على االكثيرين من رجال دين ومفكرين ومنظري أقتصاد، فمازالت الثقافة الشعبية والعرفية والرسمية تعطي الإعتراف لنوع واحد من العمل، ومن ثم تعطي الامتيازات لصاحب هذا النوع من العمل فقط .
لم تكن المرأة غير عاملة في يوم من الأيام، ولم تكن عاطلة عن العمل، بل جُعلت بلا أجر مقابل عملها، فبدت كما لو كانت بلاعمل، أن العمل المعترف به دوليا هو كل نشاط يؤديه الأفراد لإنتاج السلع أو تقديم الخدمات سواء تم ذلك مقابل أجر أو ربح، أولأغراض الإستهلاك الذاتي أو ضمن نطاق الأسرة والمنزل .
فالعمل لايلغى لعدم وجود أجر، بل يكشف مقدار مظلومية من سُخّر للقيام بجهدٍ لاينتهي، بلا اعتراف ولا مقابل. فنشاط المرأة عمل، وعدم الإعتراف باستحقاقه للأجر لايلغي أهميته القصوى لاستمرار الحياة والاقتصاد البشري، فلولا هذه المليارات من الساعات التي تعمل بها النساء يوميا بشكل مجاني، لايقوم للعالم أقتصاد .فبحسب تقرير الأوكسفام، نشر في عام ٢٠٢٠، أن النساء يعملن (١٢) مليار ساعة يوميا بلا أجور .
هذا العمل المجاني هو الذي يجعل الرجال قادرين على العمل المأجور، فهو الشرط الأولي الذي يجب أن يتوفر ليستطيعوا العمل، عملهم مبني على عملهن، فعمل المرأة أولي وعمله ثانوي.
عملها ليس اختيارا حرا، ولاعقدا عادلا، بل إلزام أخلاقي غير متبادل وغير عادل، تقوم به النساء بدافع الضمير والمحبة، لكن دون اعتراف ودون مقابل ودون تقاسم، وهذا مايمكن تسميته ب "الاستغلال الصامت".
بالمقابل الكتابة هو انتزاع وقت من نظام لايريد للنساء وقتا خاصا بهنّ، فقد باعت النساء هذا الوقت للزوج، في عقد أذعان لابديل عنه. هذا العقد الذي به تتنازلين عن كيانك بكامله مقابل لقيمات أو لا شيء.
اللاشيء هو قدر النساء في هذا العالم، تنجب، وتهب الحياة عبر آلامها، فينسب الطفل للأب حصرا، تعمل ليل نهار فينسب الإنفاق للزوج الذي لايعمل نصف أعمالها ونصف وقتها .
الكتابة ليست ترفا، بل مساحة لأثبات وجود في هذا العالم الذي يرسم لوحة المحو الأبدية للنساء، محاولة إثبات ذات في عالم المحو واللاشيء .
سؤالي عن الوقت، هو سؤال عن جوهر العدالة والاعتراف والملكية الرمزية للعمل، ومن يُحسب فاعلا في هذا العالم ؟، العمل الذي لاينسب لنا هو عمل يُسلب منّا، فقد صنف الفقه التقليدي للمسلمين عمل الزوجة من باب التبرع والإحسان لا الاستحقاق، لكنه عمل لابديل له ومنتظم وضروري وغير قابل للتأجيل، ويحقق مصالح كلية للأسرة والمجتمع، فلم يعد تطوعيا، فهذا الأصرار على تصنيفه على هذا الوصف (التطوع) هو لجعله مجانيا وغير مهم كعمل الرجل، وكأن له بديلا ؟
ماهو بديل عمل الزوجة والأم؟ لايوجد نظام اليوم يلبي ذلك. أن عملها هو مساهمة أساسية في الواقع الأسري وليس إحسانا أو تطوعا أختياريا، هو عماد الحياة اليومية، وبدونه لا وجود لعمل آخر.أن هذا الواجب الأسري قد صيغ ضمن بنية معرفية اختزالية جوهرانية، حولت العمل المنزلي -الذي تقوم به المرأة عادة- الى واجب أخلاقي غير متبادل والتزام غير تعاقدي، وجهد غير قابل للاعتراف، وهذا يفضي الى عدم توازن قيمي وعدلي داخل الأسرة، بالرغم من أن هذا العمل هو شرط لبقائها واستقرارها.
وهنا -عند عدم الإعتراف- تتحول المرأة الى وسيلة استقرار فقط، وليست كيانا محوريا فاعلا وشريكا في الحياة الأسرية، التي صورت أن عمادها الرجل فقط، والزوجة والأبناء توابع له، لاشركاء في البناء والمسؤولية .
***
ا. د. بتول فاروق الحسون
النجف / العراق






