قضايا

حمزة مولخنيف: العنف الرمزي في الخطاب الرقمي

قراءة فلسفية في آليات الإقصاء والتهميش

في العصر الرقمي حيث تمتد الشبكات الافتراضية إلى كل جوانب الحياة اليومية، لم يعد العنف يقتصر على البُعد الجسدي المباشر، بل أصبح يمتد إلى فضاءات رمزية، حيث تُمارس الهيمنة والتهميش عبر الخطاب والإشارة والخوارزميات نفسها. هذا العنف الرمزي الرقمي على عكس أشكال العنف التقليدية، لا يترك أثرا ماديا ظاهرا، لكنه يخترق الوعي والهوية، ويعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية والثقافية بطرق دقيقة ومستترة. تتفاعل هنا عناصر القوة والمعرفة واللغة والرموز في فضاء افتراضي، لتخلق نظاما من الإقصاء الرمزي يضرب في العمق قدرة الفرد على المشاركة والاعتراف، ويطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول الحرية والعدالة والاعتراف بالآخر.

من منظور فلسفي، يستدعي هذا الموضوع قراءة متشابكة بين ما أسماه بيير بورديو "العنف الرمزي" و"الرأسمال الرمزي"، وما أكده ميشيل فوكو عن تقنيات السلطة الدقيقة، وما طرحه إيمانويل ليفيناس عن الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر، وصولا إلى تأملات جان بول سارتر وجوديث باتلر حول الهوية والنظرة والتمييز الرمزي. هذه المفاهيم توفر أدوات لفهم كيف يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لإعادة إنتاج الهياكل الاجتماعية، وكيف يصبح الخطاب أداة للسيطرة والإقصاء، بعيدا عن القوانين المرئية، لكنه عميق التأثير على مستوى النفس والمجتمع.

يسعى هذا المقال المتواضع إلى استكشاف هذه الظاهرة من منظور فلسفي لغوي، من خلال تحليل آليات العنف الرمزي في الخطاب الرقمي، قراءة أثرها على الأفراد والجماعات، وفهم دور اللغة والرموز والخوارزميات في ترسيخ أو تحدي الهويات، لتقديم رؤية متكاملة لمفهوم الإقصاء والتهميش الرقمي في عصر التكنولوجيا المتسارعة.

في اللحظة التي أصبح فيها الفضاء الرقمي مساحة أساسية للتواصل البشري، انكشف نوع جديد من العنف، لم يكن جسديا ولا مباشرا، لكنه أقل خطورة من الناحية البدنية وأشد أثرا من الناحية النفسية والاجتماعية. إنه العنف الرمزي الذي يتخذ شكل الخطاب والإيماءة والتقنيات اللغوية والثقافية، ليعيد إنتاج أنماط الهيمنة والإقصاء والتهميش. البورديويّون (Pierre Bourdieu) حين تحدثوا عن العنف الرمزي، أشاروا إلى أن هذا النوع من العنف يتخذ شكلا مقنعا مخفيا، لا يُعترف به بسهولة، لكنه يخترق الثقافة ويعيد إنتاج السلطة من الداخل. ففي الخطاب الرقمي تتكاثر هذه الظواهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، المنتديات، التعليقات العامة، وحتى المحتوى التعليمي، لتُعيد إنتاج التفوق الرمزي بين الفئات الاجتماعية والثقافية المختلفة، بما يعكس آليات الهيمنة البنيوية التي وصفها ميشيل فوكو (Michel Foucault) في تحليله للسلطة والمعرفة.

العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة لفظية أو تحقير مباشر، بل هو ممارسة مستترة تخاطب الهوية، وتعيد إنتاج أشكال التهميش الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما يرى جيل دولوز (Gilles Deleuze) وفيلكس غاتاري (Félix Guattari)، إن الخطاب الرقمي لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يقوم بترميز الفضاء الاجتماعي ويشكل شبكات القوة عبر البنية التقنية نفسها، بما يشبه ما أسماه فوكو "التقنيات الدقيقة للسلطة" .فكل تعليق مثقل بالتحامل، وكل صورة تُعرض على منصة ما كرمز اجتماعي، وكل تقييم رقمي، وكل خوارزمية تفرّق بين المستخدمين على أساس اهتمام أو ميزة اجتماعية، يُمثّل فرصة لممارسة العنف الرمزي على مستوى متسلسل ومترابط.

ويمكننا قراءة هذا العنف عبر مفهوم "الآخر" الذي طوّره إيمانويل ليفيناس (Emmanuel Lévinas)، والذي يقدّم الإنسان ليس فقط ككائن ذاتي مستقل، بل كوجود يتشكل من علاقته بالآخر. حين يُحاصر الفرد في الفضاء الرقمي عبر الخطاب المسيء أو الإقصائي، فإن هذا الحصار لا يمس كينونته المادية فقط، بل يمس قدرته على اللقاء الأخلاقي مع الآخر. فالتهميش الرقمي يعكس جرحا أخلاقيا يتجاوز مجرد المضايقة الكلامية، إذ يعيق قدرة الفرد على المشاركة في الفضاء العام للخطاب ويحد من إمكانيته في التحقق من ذاته عبر التواصل الاجتماعي.

إن العلاقة بين اللغة والعنف الرمزي في الفضاء الرقمي تحتاج إلى فهم مزدوج: لغة كأداة للمعرفة وللبناء، ولغة كأداة للسيطرة والإقصاء. رولان بارت في تحليله للأسطورة والرمزية أكد أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي نظام من الإشارات يحمل أبعادا ثقافية وسياسية تؤطر وعي الفرد. وعليه، فإن أي خطاب رقمي لا يُعالج بعناية قد يكتسب قوة رمزية تفوق المضمون الظاهر، ويصبح وسيلة لإعادة إنتاج التحيزات والهويات المهيمنة.

العنف الرمزي الرقمي يتجلى أيضا في ما يسميه بيير بورديو "الهيمنة الرمزية"، حيث يتم فرض المعايير الاجتماعية والثقافية كحقائق مفروضة، فتتحول الاختلافات بين المستخدمين إلى أدوات للتمييز والإقصاء. في هذا السياق تتفاعل هذه الممارسات مع ما أسماه فوكو "الخطاب السلطوي"، بحيث أن الخطاب الرقمي لا يقتصر على تبادل المعلومات، بل يقوم بإنتاج الواقع الاجتماعي عبر الإشارة إلى ما هو مشروع أو مقبول أو مرغوب فيه وما هو منبوذ أو هامشي. هنا يصبح العنف الرمزي أداة لإعادة إنتاج السلطة ليس فقط بين الأفراد، بل بين المجموعات الاجتماعية، مع تعميق الفوارق القائمة بالفعل.

في تحليله للفلسفة الأخلاقية، أشارت حنة آرنت  إلى أن العنف لا يقتصر على القوة البدنية، بل يشمل كل أشكال الحصار الرمزي التي تمنع الأفراد من المشاركة في الحياة العامة. ففي الفضاء الرقمي يمكن اعتبار كل خوارزمية تقرر ترتيب المحتوى أو إخفاءه، وكل نظام تقييم يميز بين المستخدمين، وكل ممارسة تهدف إلى التضييق على حرية التعبير، كأشكال معاصرة من العنف الرمزي. وفي هذا الصدد، يصبح الفضاء الرقمي مرآة للعالم الاجتماعي، يعكس التفاوتات والهيمنة، لكنه أيضا يضاعفها ويُعمقها بطريقة غير مباشرة، لا يمكن للضحايا دائما مواجهتها بالوسائل التقليدية.

ومن الناحية اللغوية، تكمن خطورة العنف الرمزي الرقمي في التحولات الدقيقة للخطاب، حيث أن التلاعب بالكلمات والرموز والصور يسمح بخلق تهميش ضمني. جان بول سارتر حين تحدث عن "النظرة" أشار إلى أن الوجود أمام الآخر يُختزل في حكمه على الفرد، بما يشبه الحكم الرقمي على المستخدم، سواء عبر التعليقات أو الرموز التعبيرية أو التقييمات الرقمية أو حتى الغياب الرقمي عن الانتباه والمتابعة، وهو ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الإقصاء الرمزي اللامرئي.

كما أن العنف الرمزي الرقمي يستند إلى ما وصفه جاك دريدا  بـ "التفريق والتحييد"، أي القدرة على تأجيل العدالة أو الإقرار بالحق في زمن رقمي متغير. المنصات الرقمية تخلق فروقا بين المستخدمين عبر الخوارزميات، وتقيم المحتوى على أساس معايير غير شفافة، مما يجعل إمكانية المواجهة أو التغيير صعبة للغاية. هذا الإقصاء المتعدد الأوجه يستند إلى آليات دقيقة، بحيث لا يترك أثرا مباشرا لكنه يعيد إنتاج الإحساس بالهامشية واللااعتراف، ويعزل المستخدمين عن المشاركة الحقيقية في الحوارات الرقمية.

ويمكننا النظر إلى هذه الظاهرة من خلال مفهوم "العنف الهيكلي" الذي طوّره يوهان غالتون، حيث يشير إلى أشكال العنف التي تتجذر في الهياكل الاجتماعية والثقافية، وتظهر في الفضاء الرقمي بشكل متكرر. العنف الرمزي الرقمي يصبح بذلك امتدادا لهذا العنف الهيكلي، فهو يترسخ في الخوارزميات والأنظمة التكنولوجية والسياسات الداخلية للمنصات، بحيث أن الأفراد لا يحتاجون بالضرورة إلى اعتداء مباشر ليشعروا بالاستبعاد والتهديد الرمزي.

بالإضافة إلى ذلك، يستحضر العنف الرمزي الرقمي مفهوم العنف النفسي والمعنوي الذي ناقشه إريك فروم في تحليله للحرية والسلطة. الفضاء الرقمي كما يرى فروم، يمكن أن يصبح أداة لإخضاع الأفراد عبر السيطرة على الانتباه، والتحكم في المحتوى وتوجيه الرأي العام وتشكيل الهويات الرقمية، بما يعكس قوة رمزية مستترة لكنها مؤثرة على الذات والوعي.

كما أن نيقولا بوبوف يسلط الضوء على العلاقة بين السلطة والقانون، ويشير إلى أن العنف الرمزي لا يتعارض مع الشرعية القانونية، إذ يمكن أن يمارس ضمن حدود القانون، لكنه يبقى ظاهرة أخلاقية وفلسفية بالدرجة الأولى، لأنها تمس حرية التعبير والحق في المشاركة والاعتراف. في الفضاء الرقمي يمكن لممارسات الإخفاء والحظر والتمييز الرقمي أن تعيد إنتاج هذه الديناميات، بحيث يُستثنى المستخدمون من دائرة الاعتراف الاجتماعي والثقافي دون أن تكون هناك ضرورة قانونية مباشرة.

تُضاف إلى ذلك الملاحظة التي تقدم بها جوديث باتلر حول "التحييد الرمزي"، إذ أن العنف الرمزي لا يقتصر على الإهانة أو الإقصاء، بل يشمل تهميش الهوية وتقليص وجودها المعنوي، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة. على مستوى الفضاء الرقمي، يمكن ملاحظة ذلك في كيفية تصوير مجموعات معينة أو إسكات الأصوات أو نشر المحتوى الذي يعزز الهيمنة الرمزية، بما يجعل الهويات المستضعفة محاصرة ضمن دائرة رمزية ضيقة.

العنف الرمزي في الخطاب الرقمي ليس مجرد فعل فردي، بل هو نتاج ديناميات اجتماعية وفكرية وثقافية تتداخل فيها اللغة والتقنية والهوية والسياسة. إنه يتطلب قراءة فلسفية دقيقة، تجمع بين تحليل البنية الاجتماعية كما عند بورديو وفوكو، وبين التحليل الأخلاقي كما عند ليفيناس وآرنت، وبين دراسة اللغة والرمزية كما عند سارتر وبارت ودريدا، وبين دراسة النفس الإنسانية والسلطة كما عند فروم وبوبوف وباتلر. كل هذه المقاربات تقدم رؤية شاملة لمفهوم العنف الرمزي الرقمي، وتكشف عن أبعاده الأخلاقية والسياسية والاجتماعية.

في الفضاء الرقمي، يصبح العنف الرمزي أداة مركّبة تتحرك على مستويات متعددة، تبدأ من الفرد وامتدادا إلى المجموعات، ثم إلى الهياكل الاجتماعية والثقافية الكبرى. فعندما ندرس الشبكات الاجتماعية مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام، نجد أن أنظمة التفاعل هذه تعكس ما وصفه بيير بورديو بـ"الرأسمال الرمزي"، حيث تُمنح بعض الأصوات مزيدا من الشرعية والاعتراف، بينما تُهمش أخرى، ليس بناءً على جودة الفكرة أو محتوى الرسالة، بل على أساس موضع المستخدم الاجتماعي أو شبكته الرقمية أو حتى خوارزميات المنصة نفسها. هذه الدينامية تكشف عن وجه مهيمن للفضاء الرقمي، حيث تتحوّل التفاعلات إلى أدوات لإعادة إنتاج الهويات الهيمنة واللامرئية للعنف الرمزي.

ويبدو واضحا أن العنف الرمزي الرقمي يتقاطع مع ما أسماه هابرماس  بـ"فضاء الخطاب العام"، إذ أن الفضاء الرقمي لم يعد مكانا محايدا لتبادل الآراء، بل أصبح ساحة صراع بين مصالح متضاربة، وقوى اجتماعية تسعى لتثبيت هيمنتها الرمزية. فالخطاب الرقمي وفق هذه القراءة ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل هو إنتاج للواقع الاجتماعي، وتحديد لمن يمكن أن يُسمع ومن يُسكت ومن يُعرض للحصار الرمزي أو للتحقير الاجتماعي. ومن هنا يصبح التهميش الرقمي عملية أخلاقية وفلسفية قبل أن يكون تقنية، لأنه يمس جوهر القدرة الإنسانية على المشاركة والاعتراف بالآخر.

يقدم جان جاك روسو  فكرة "الإرادة العامة" التي يمكن أن تُفرّق بين ما هو مشروع اجتماعيا وما هو هامشي. ففي الفضاء الرقمي يتم تحييد بعض الأفراد أو المجموعات ضمن دائرة رمزية ضيقة، في حين يُمنح الآخرون صلاحيات أكبر للتأثير ونشر الرأي، ما يكرّس حالة من التفاوت غير المرئي ويحول العنف الرمزي إلى قوة بنيوية تؤثر على التمثلات الثقافية والهويات الرقمية.

كما يمكن ربط العنف الرمزي الرقمي بما قاله جوديث باتلر عن "العُنف الرمزي للخطاب" الذي يعيد إنتاج الهويات والتمييزات الاجتماعية، ويفرض إطارا محددا للقبول والرفض. في الفضاء الرقمي يمكن رؤية هذا في الانتهاكات المتكررة للأقليات، وفي تهميش النساء والفئات المهمشة، وفي الترميز الضمني للآراء والمواقف السياسية والثقافية. كل تعليق وكل إعادة نشر وكل صورة أو فيديو يتم تقييمه ضمن معايير خفية، يصبح عنفا رمزيا على الفرد والمجموعة.

ولا يمكن فصل العنف الرمزي الرقمي عن آليات السلطة التقنية، كما يشير فوكو إلى العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالخوارزميات التي تتحكم في ما يظهر للمستخدم أو ما يُخفى عنه ليست محايدة، بل هي أدوات لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والثقافية، وتكريس الهيمنة الرمزية لصالح فئات معينة. إن اللامرئية في هذه الآليات تجعل من الصعب تحديد المعتدي، ويجعل من العنف الرمزي تجربة تراكمية، حيث يتعرض الفرد لضغوط مستمرة تمس هويته ووجوده في الفضاء الرقمي دون مواجهة مباشرة.

في سياق تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية للعنف الرمزي الرقمي، نجد أن إريك فروم يسلّط الضوء على كيفية إخضاع الأفراد من خلال السيطرة على الانتباه والوعي. ففي الفضاء الرقمي، يمكن أن تصبح الممارسات مثل "الإخفاء" و"حذف المحتوى"  و"التركيز على خوارزميات التفاعل" أدوات لإخضاع المستخدمين، بحيث يشعرون بالعزلة أو بالهامشية دون وجود اعتداء جسدي واضح. هذا النوع من العنف النفسي الرمزي يعكس السيطرة على الذات والوعي، ويعيد إنتاج حالة من الخوف الرمزي والخضوع للهيمنة.

علاوة على ذلك، يقدم ليفيناس قراءة أخلاقية للآخر، تؤكد على أن الالتزام بالآخر يبدأ بالاعتراف به ككيان مسؤول وفاعل. فعندما يتم تهميش أصوات معينة أو إسكات مجموعات أو فرض معايير ثقافية ضاغطة، يتم إخلال هذا الالتزام الأخلاقي. فالخطاب الرقمي يصبح أداة للسيطرة على الآخر، ومن ثم إعادة إنتاج انعدام العدالة الرمزية، وهو ما يجعل العنف الرمزي ليس مجرد سلوك اجتماعي، بل قضية أخلاقية وفلسفية مركزية.

هنا يمكن إدراج تحليل جان بول سارتر للنظرة، حيث أن وجود الفرد أمام الآخرين يُحكم عليه من خلال المراقبة والتقييم. ففي السياق الرقمي، يُترجم هذا إلى تقييمات المستخدمين وعدد الإعجابات والمشاهدة والاشتراك وكل المؤشرات الرقمية التي تشكل سلطة رمزية. هذا الإقصاء الرقمي يجعل المستخدمين يعيشون تجربة مشابهة لما وصفه سارتر كـ"سجن النظرة"، حيث تصبح الحياة الاجتماعية مرآة لهيمنة الآخر على تصورات الذات.

كما أن التحليل الديردي (Derrida) لمفهوم "différance" يوفر أداة لفهم التأجيل الرمزي للعدالة في الفضاء الرقمي، حيث يُؤجل الاعتراف بالحق في التعبير أو المشاركة بسبب معايير غير شفافة أو خوارزميات غير مفهومة. في سياقنا هذا، العنف الرمزي الرقمي ليس مجرد إساءة مباشرة، بل هو تهميش متدرج ومستمر، يعيق مشاركة الفرد في إنتاج الخطاب الثقافي والاجتماعي، ويعيد إنتاج الفروق الاجتماعية والثقافية.

وفي قراءة تحليلية مقارنة، يمكن ربط هذا بما طرحه هابرماس عن "أزمة الفضاء العام"، إذ أن الخطاب الرقمي يعكس أزمة أوسع في المشاركة الديمقراطية والتواصل الاجتماعي، حيث يصبح من الصعب على الأفراد والمجموعات المشاركة بشكل متساوٍ، يزداد تأثير الهيمنة الرمزية على الهويات والوعي الجمعي. إن المنصات الرقمية، بالتركيز على التفاعلات الأكثر شيوعا والأكثر تأثيرا، تعيد إنتاج تفاوتات الهيمنة الاجتماعية والثقافية، مما يجعل العنف الرمزي الرقمي أداة مركبة ومعقدة.

إن العنف الرمزي الرقمي لا يقتصر على الخطاب المكتوب أو الصور، بل يمتد إلى الصور الذهنية، وإعادة إنتاج الصور النمطية والهويات المهشمة، كما تشير باتلر. فالفضاء الرقمي يصبح ساحة لتكرار التنميط والهويات المحدودة، ما يعيد إنتاج الهويات القسرية التي تحد من الحرية الفردية والاجتماعية. هذه العمليات تؤكد أن العنف الرمزي ليس مجرد فعل لفظي، بل هو بنية معرفية واجتماعية وثقافية مستترة، تمتد عبر الأطر الرقمية المختلفة.

كما أن التجربة الرقمية تكشف أيضا عن "العنف الرمزي المزدوج"، حيث يعاني الأفراد من الإقصاء والتهجير الرمزي من جهة، ومن الانخراط في آليات الهيمنة الرمزية من جهة أخرى. فالمستخدمون يتعلمون بسرعة كيفية الامتثال لمعايير الهيمنة أو المشاركة في تعزيزها، في محاولة للحفاظ على الاعتراف الاجتماعي الرقمي، وهو ما يعكس ما وصفه فوكو بالتقنيات الدقيقة للسلطة التي تفرض الانضباط والسلوك المرغوب فيه دون استخدام العنف المباشر.

إن هذا التحليل يستدعي إعادة التفكير في الفضاء الرقمي باعتباره ليس مجرد أداة تواصل، بل كبيئة اجتماعية وسياسية وثقافية تتفاعل فيها الهويات والمعايير والرموز والقيم. العنف الرمزي الرقمي هو في جوهره انعكاس للهيمنة المجتمعية، لكنه في الوقت ذاته يعيد إنتاج هذه الهيمنة بطرق أكثر تعقيدا وغيابا للشفافية، ما يجعل التحدي الفلسفي والأخلاقي أكبر، ويستلزم تفكيرا نقديا عميقا حول العدالة الرقمية والاعتراف بالآخر في السياق السيبراني.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم