قضايا

محمد سيف: الاستثناء في زمن التكرار.. ليس الكل قابلا للتعويض!

من أعمق المفاهيم التي يمكن أن يعيش الفرد في كَنفها بأريحية فريدة ويتفيّأ بوافر ظلّها بطمأنينة منقطعة النظير، هو مفهوم الوفرة، الوفرة في كل شيء في الحياة مَعينًا لا يَنضب، بدءًا من الأشخاص وانتهاءً بالموارد، وكلما توغّل هذا المفهوم في مختلف مفاصل حياتنا أصبحت صدورنا أرحب ونحن نسعى لحيازة الموارد وإقامة العلاقات؛ ليقيننا التام بأنه يوجد في العالم ما يكفي الجميع وزيادة، فتنحسر مشاعر الحسد والتنافس المريض والإحباط - إلى آخر تلك الآفات النفسية - إلى أدنى مستوياتها، إلا أن ضبط مفهوم الوفرة مهم حتى نتجنّب النتائج العكسية.

فإنه رغم أن الوفرة في عالم اليوم تطفح بتنوّع هائل، وتزخر بتفاوتات جمّة، إلا أننا غارقون حتى الأذقان بنسخ مكررة كثيرة؛ ومن هنا ينتصب التميز علامة فارقة وسط المكرر، وتَعظُم الفَرادة، ويبرز الاستثناء، تماما كما يشتدُّ نور البدر ومهو محاط بظلام دامس، وفي مقالي اليوم أود جلب الاهتمام إلى الندرة رغم الوفرة فيما يتصل بالعلاقات مع الآخرين.

ففي عالم يقطنه ما يربو على 8 مليارات نسمة، تجد أن بعضًا ممن تتقاطع حياتهم مع حياتك، ليسوا مجرد عبور مكرر، بل بصمة استثنائية تترك أثرًا لا يشبه إلا نفسه، والدماغ البشري يقيّم العلاقات بالمقارنة، وبضدّها تتمايز الأشياءُ، وإني لَأعجبُ من الندرة وسط الوفرة! إذْ رغم الوفرة الهائلة من الناس إلا أن لسان حال شخصيات بعضهم تؤكد على حقيقة أن الوفرة لا تعني دائما قابلية الاستبدال! ولا إمكانية التعويض، وهنا تكمن العظمة، فحين يسود التكرار، وتتكرر الأنماط، ويتضخم السائد، يربك المختلِفُ حساباتِ التشابه، لينتصب في وجهه قامةً لا يمكن تجاهل فرادتها، وبحسب تعبير نيتشه: "فلسفة القاعدة في صراعها ضد الاستثناء"(1).

ومع أنّ الانطباع الذي تنعقد عليه أذهاننا بكون البعض لا يتكررون، هو انطباع نسبي، يختلف من فرد لآخر، بحسب طباع كل طرف والدور الاجتماعي والظروف المحيطة والسياق وطبيعة العلاقة نفسها وغيرها، إلا أنَّ النسبية هنا لا تطعن في كون الاستثناء من الناس استثناءً حقا، فكل واحد منا يعيش تفاصيل حياته كافّة بالنسبية بما فيها انطباعه عن الآخرين، إذْ كل شيء خاضع لنظرته النسبية التي لا فِكاك منها، ولا تتأهّل نظرة أحد ما - مهما كان - أن تكون مطلقة تُعايَر إليها وجهات نظر بقية الناس.

كما أنه حتى في سياق الوفرة، فالناس ليسوا مثل قطع النقود، تحل أي قطعة محل الأخرى بالقيمة نفسها، أو أن غياب إحداها يُسكته حضور أخرى بالفئة ذاتها، بل الأمر أعقد بمراحل، فمع وجود الوفرة البشرية وإمكانية الاستبدال بالأشخاص أشخاصا آخرين إلا أنه تبقى بعض الشخصيات يصعب بل ويقرب من المستحيل تعويضها، وهذه حقيقة ندركها في حياتنا، خصوصا إذا أضفنا عامل الظروف التي تحدُّ من تداخلاتنا مع الآخرين، فرغم وجود المليارات الثمانية، فليس من اليسير الدخول في علاقة مع مَن نختاره كما يحدث في قائمة الطعام بالمطاعم مثلا! بَلْهَ عامل العمر الذي يفرض علينا التحرك ضمن نطاق زمني محدود شحيح الخيارات مقارنة بالمتاح الرياضي! فما بالك والعلاقات الإنسانية تتطلّب مددا متطاولة لتعميقها واختبارها! إذن الواقع له كلمته التي لا يتأتّى للبشر تجاوزها.

على أنّ الندرة في الأشخاص الرائعين، لا تقتصر عليهم بالذات، بل تمتد لتشمل سَجيّة الاتصال نفسه بين فردين، فيما نطلق عليه التناغم، فقد يكون كلا الطرفين هامشيا وعابرا في حيوات الآخرين من حولهم، ولكنهما فيما بينهما كأنّما وُجِدا لبعضهما البعض، فالندرة تكمن في العلاقة نفسها، والأمر أكبر من صفات وطباع، بل يتعداه إلى فرادة المشاعر التي تصل بين طرفين في علاقة فريدة لا تعوضها علاقة مع أي طرف آخر، فثمّة بَونٌ شاسع بين أن يكون المرء رائعا في ذاته، وبين أن يكون مدهشا في علاقته مع الطرف الآخر، بعلاقة لا تحمل الملامح ذاتها في علاقات أُخَر.

ورغم ذلك فهذه اللفتة ناحيةَ الندرة في الناس، يجب ألا تدفعنا للاستمرار في علاقات سامة؛ خشية عدم العثور على البديل المناسب، أو الرضى بما هو دون؛ مخافة خسران المضمون، وإنما مؤدّى هذه اللفتة هو أنه متى ما تعثّرنا بالمدهش الفريد في علاقة ما، فإنه يجب أن نحرص على صون العلاقة من ضروب الانهيار، وألّا يجرنا وهم الوفرة إلى استسهال التخلي، فحقًا بعض البشر لا يُعوّضهم أحد، وبعض العلاقات لا تتكرر إلا في العمر مرّة، وذو الحظ الحقيقي مَن يجد ضالّته بين البشر يقاسمه سنين عمره، فالإنسانُ كائنٌ اجتماعيُّ الطبع، يزدهر بغيره!

***

محمد سيف – باحث من سلطنة عُمان

...................

(1) فريدريش نيتشه، ما وراء الخير والشر، ت: علي مصباح، ص 168، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة 1، 2018م.

في المثقف اليوم